تعود سلطنة عُمان إلى
واجهة المشهد الإقليمي كمنصّة هادئة للمفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة
وإيران، في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتقاطع فيها الحرب المفتوحة في غزة،
والتوتر على الجبهة
اللبنانية، والضغوط الاقتصادية المتراكمة على طهران، مع حاجة
واشنطن إلى احتواء الانفجار الإقليمي ومنع انزلاقه إلى مواجهة شاملة. لكن ما يجري
في مسقط يتجاوز، في دلالاته، الملف النووي بمعناه التقني الضيق، ليمسّ جوهر
التوازنات الإقليمية، ومستقبل أدوار حلفاء
إيران في المنطقة، وفي مقدّمهم حزب
الله.
تاريخيا، شكّلت عُمان
قناة خلفية لإدارة الأزمات بين واشنطن وطهران، لا بوصفها ساحة لصناعة سلام شامل،
بل كمساحة لضبط الإيقاع وتدوير الزوايا الحادة.
المفاوضات الحالية تبدو أقرب إلى
هذا النموذج، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى ضمانات تتعلق بالبرنامج النووي
والسلوك الإقليمي الإيراني، ولو بحدوده الدنيا، فيما تبحث طهران عن تخفيف الضغوط
الاقتصادية واستعادة هامش حركة سياسي ومالي يسمح لها بالصمود الداخلي ومنع
الاختناق الاستراتيجي. ولكن يبدو أن المكتوب يُقرأ من عنوانه، فبالرغم من كل
البراغماتية الإيرانية إلا أن المرونة الأمريكية لا تريد الحل إلا وفقا للرؤية
الترامبية وربما الإسرائيلية. وهنا بيت القصيد، حيث الاعتبارات تقول إن اللحظة مؤاتيه
ولا إمكانية لعودتها في حال انقضائها.
قد يتجسّد هذا المسار في خفض منسوب التصعيد العسكري المباشر، ولا سيما على الجبهة الجنوبية، مقابل تعزيز حضوره السياسي الداخلي ضمن معادلة "الاستقرار المضبوط". كما قد تُطرح مقاربات جديدة للعلاقة بين السلاح والدولة
في هذا الإطار، يتحوّل
حزب الله إلى أحد المتغيرات غير المعلنة على طاولة التفاوض. فالحزب، بوصفه الحليف
الأبرز والأكثر تأثيرا لإيران خارج حدودها، لم يعد مجرد ورقة دعم عسكرية أو
سياسية، بل بات عنصرا مؤثرا في معادلة الاستقرار أو التصعيد في شرق المتوسط. وأي
تفاهم أمريكي-إيراني، حتى وإن لم ينص صراحة على دوره، سينعكس عمليا على سقف حركته،
وحدود انخراطه العسكري، وطبيعة تموضعه في الداخل اللبناني. في المقابل، فإن فشل
المفاوضات لا يعني تلقائيا توسيع هامش حركته، بل قد يضعه أمام تحديات أشد ومخاطر
أكثر تعقيدا، ليس أقلها ما تحدث عنه الشيخ نعيم قاسم حول طرق الدعم والإسناد
والتعاطف مع طهران، والذي استدركه الحاج محمد رعد من القصر الرئاسي حول أبعاد
التعاطف والإسناد لمظلومية إيران في حال شن العدوان عليها.
في المقابل وفي حال
حققت المفاوضات قدرا من النجاح، فإن ذلك لن يفضي إلى تفكيك التحالفات القائمة، بل
إلى إعادة تنظيمها. بالنسبة لحزب الله، قد يتجسّد هذا المسار في خفض منسوب التصعيد
العسكري المباشر، ولا سيما على الجبهة الجنوبية، مقابل تعزيز حضوره السياسي
الداخلي ضمن معادلة "الاستقرار المضبوط". كما قد تُطرح مقاربات جديدة
للعلاقة بين السلاح والدولة، تقوم على الاحتواء والتكيّف التدريجي مع التحولات
الإقليمية، لا على الصدام أو فرض الوقائع بالقوة. وهو على ما يبدو دأب سيد العهد،
ولكن ماذا عن الضغوطات بعد عودة قائد الجيش من واشنطن؟!
أما في حال فشل
المفاوضات، فإن المشهد لا يقل خطورة، فالتصعيد بين واشنطن وطهران سيضاعف الضغوط
على الحلفاء، خصوصا في الساحات الهشة كلبنان. في هذه الحالة، قد يجد حزب الله نفسه
أمام تصعيد إسرائيلي أوسع وأقل قابلية للضبط، وضغوط دولية ومالية أشد، وبيئة
داخلية أكثر توترا في ظل الانهيار الاقتصادي وتراجع قدرة الدولة على الاحتواء.
الفشل هنا لا يعني العودة إلى قواعد اشتباك مألوفة، بل الدخول في مرحلة جديدة تكون
فيها كلفة أي مواجهة أعلى،
حزب الله سيكون أمام اختبار تاريخي في كيفية تحويل هذا التحول الإقليمي، مهما كان اتجاهه، إلى عنصر تثبيت لا تفجير، وإلى رافعة لإعادة التموضع داخل الدولة لا خارجها
وهامش المناورة أضيق. وربما البعض في لبنان يريد الحرب
على قاعدة تغير المعادلة القائمة منذ اتفاق وقف إطلاق النار والتي جعلت الإسرائيلي
يستبيح كل شيء ولا رادع له، أو على قاعدة الوصول إلى النهايات بدل المراوحة ومهما
كانت النتائج، ولكل طرف في لبنان رؤية مختلفة بحسب المصالح والتطلعات.
وعليه، أيا تكن مآلات
مفاوضات عُمان، نجاحا كانت أم فشلا، فإن الأكيد أن نتائجها ستؤسس لمعطى جديد في
البيئة الإقليمية التي يتحرك ضمنها حلفاء إيران، وفي مقدمتهم حزب الله. فهذا
المعطى لن يكون تفصيلا عابرا أو ظرفا مؤقتا، بل نقطة ارتكاز تُبنى عليها خيارات
العقد المقبل في لبنان، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وهنا أحد الأوجاع المزمنة
والمفتوحة لمسألة إعادة الاعمار.
إن مرحلة ما بعد هذه
المفاوضات ستفرض إعادة تعريف للأدوار وحدود الحركة، ليس وفق منطق الشعارات أو ردود
الفعل، بل وفق توازنات جديدة تضع الاستقرار الداخلي، وقدرة المجتمع اللبناني على
الاحتمال، في صلب أي حسابات مستقبلية. ومن هنا، فإن حزب الله سيكون أمام اختبار تاريخي
في كيفية تحويل هذا التحول الإقليمي، مهما كان اتجاهه، إلى عنصر تثبيت لا تفجير،
وإلى رافعة لإعادة التموضع داخل الدولة لا خارجها، لأن العقد القادم في لبنان لن
يُدار بالأدوات نفسها التي حكمت العقد المنصرم، بل بمعادلات أكثر دقة، وأعلى كلفة،
وأشد حساسية تجاه أي خطأ في تقدير اللحظة التي تبدو ملبدة بالغيوم السوداء.