الأسطول والزناد: كيف يمكن للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أن تشعل كارثة إقليمية

جاسم العزاوي
"بينما تتجه مجموعة حاملة الطائرات نحو الخليج ويستمر القادة الإيرانيون في القول "أصابعنا على الزناد"، فإن نافذة الدبلوماسية تنغلق بسرعة"- جيتي
"بينما تتجه مجموعة حاملة الطائرات نحو الخليج ويستمر القادة الإيرانيون في القول "أصابعنا على الزناد"، فإن نافذة الدبلوماسية تنغلق بسرعة"- جيتي
شارك الخبر
تتردد الآن أصداء التهديدات من كلا الجانبين بنبرة توحي بالحسم والقطع وعدم التراجع، إذ يعلن الرئيس ترامب: "أسطول ضخم يتجه نحو إيران، وهو يتجه إلى هناك بسرعة وعنف إذا لزم الأمر". هذه الكلمات تقف في كفة الميزان مقابل رد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: "قواتنا المسلحة الباسلة مستعدة -وأصابعها على الزناد- للرد الفوري على أي عدوان".

إن المساحة الفاصلة بين هذين التصريحين التحريضيين هي هوة سحيقة قد تبتلع قطر والبحرين والإمارات ولبنان، وتدمر الشرق الأوسط لجيل كامل أو أكثر، مما يجعل السلام النسبي الذي ساد المنطقة في السنوات القليلة الماضية مجرد ذكرى من الماضي. وما يميز هذا الصراع هو التفوق العسكري للولايات المتحدة ويأس إيران، التي يعاني اقتصادها من انهيار حر، وحكومة تلهث من أجل بقائها.

كما تعكس الاستراتيجية التفوق العسكري والغطرسة التي صاحبت المغامرات العسكرية الأمريكية في الماضي. فعند إعلانه عن الاستراتيجية، صرح وزير الحرب بيت هيغسيث: "نحن نستعيد روح المحارب.. ونضمن ألا يخوض مقاتلونا أبدا معركة متكافئة. لم تعد المسافة درعا يحمي أحدا". وجاءت الإضافة الحاسمة لهذا التهديد من وزير الخارجية ماركو روبيو في شهادته أمام مجلس الشيوخ: "من الحكمة والحذر اتخاذ وضعية عسكرية يمكنها إحباط أي هجوم ضد الآلاف من العسكريين الأمريكيين بشكل استباقي".

بينما يفترض وزير الخارجية ماركو روبيو أن الوجود العسكري الأمريكي الضخم مطلوب "لمنع" هجوم إيراني بشكل استباقي، بدأت إيران تلمح إلى عقيدة مماثلة قد تؤدي إلى حرب عرضية

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو جوهر "مفارقة الاستباق" التي تهيمن الآن على الخليج العربي. فبينما يفترض وزير الخارجية ماركو روبيو أن الوجود العسكري الأمريكي الضخم مطلوب "لمنع" هجوم إيراني بشكل استباقي، بدأت إيران تلمح إلى عقيدة مماثلة قد تؤدي إلى حرب عرضية. لقد تم استبدال النهج الإيراني التقليدي القائم على "الصبر الاستراتيجي" بـ"الردع النشط وغير المتوقع".

التحول الإيراني نحو الاستباق

تشير التصريحات الأخيرة للمجلس الأعلى للدفاع الوطني إلى أن إيران لم تعد ملزمة باستراتيجية "رد الفعل بعد الفعل". ومن خلال توسيع "عتبة الزناد" لتشمل "العلامات الموضوعية للتهديد"، تبنت إيران في الواقع نفس المنطق الذي يدعو إليه روبيو: "الطريقة الوحيدة لضمان تعرضنا للهجوم هي الانتظار حتى نُهاجَم، وهذا فشل استراتيجي".

ما يمثل فرصة استراتيجية للولايات المتحدة هو تهديد وجودي لإيران. وقد دمر علي شمخاني، الذي يشغل منصب المستشار الأعلى للمرشد الأعلى خامنئي، أي آمال في سيناريو "حرب مدروسة": "أي عمل عسكري من جانب الولايات المتحدة سيعتبر بداية لحرب شاملة. وردنا لن يستهدف المعتدي فحسب، بل قلب تل أبيب".

ديناميكيات سلسلة ردود الفعل التصعيدية بسيطة نسبيا: تمثل مجموعة "أبراهام لينكولن" الهجومية، المدعومة بقاذفات "بي-2" الشبحية التي "تحلق 37 ساعة "لمحو قدرات إيران النووية"، ميزة عسكرية تقليدية للولايات المتحدة. ومع ذلك، كما أشار الأدميرال جيمس ستافريديس، القائد الأعلى السابق لقوات الناتو: "ما نحتاج للقلق بشأنه هو "سلم التصعيد. إيران تضربنا، نحن نرد عليها، هم يضربون بقوة أكبر، وفجأة يتورط حزب الله.. تظل نسبة الـ10 في المئة لاحتمال نشوب حريق إقليمي شامل مرتفعة بشكل غير مريح".

إن احتمال التصعيد الإقليمي يكاد يكون مؤكدا بسبب ترسانة إيران غير المتكافئة وضعف أمريكا. وقد حدد الجنرال علي عبد الله علي آبادي الاستراتيجية الإيرانية بوضوح مخيف: "كل مصلحة للولايات المتحدة، وكل قاعدة، وكل مركز نفوذ في هذه المنطقة هو الآن هدف مشروع". إن الـ34 ألف جندي أمريكي في دول الخليج، وقاعدة العديد الجوية في قطر، ومقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، وجميعها تقع في مرمى آلاف الصواريخ الباليستية الإيرانية، هي أهداف شاسعة وسهلة لصواريخ إيران متوسطة المدى. ثم هناك مضيق هرمز، الذي يتدفق من خلاله خُمس نفط العالم.

وقد ذكر ستافريديس الجانب الاقتصادي لاستراتيجية إيران: "يمكنهم إغلاق مضيق هرمز، وهذا من شأنه أن يرسل قشعريرة عبر الاقتصاد العالمي. إن شهرا واحدا من ارتفاع أسعار الطاقة يمثل كارثة عالمية. إن الهيمنة العسكرية للإدارة لا تفيد عندما ترتفع أسعار النفط إلى 150 دولارا للبرميل، ويواجه حلفاؤنا أزمات طاقة أسوأ بكثير من تلك التي سببتها الصراعات الطاقية الروسية الأوكرانية". والمشكلة التي تحير استراتيجيي البنتاغون هي ما إذا كان بإمكانهم محاربة إيران مع الحفاظ على مضيق هرمز مفتوحا، والإجابة على ذلك مشكوك فيها للغاية.

وتأتي أصوات الحذر من قدامى المحاربين في الحروب الأمريكية منذ 11 أيلول/ سبتمبر، الذين شهدوا تحول الضربات الجراحية إلى مستنقعات طويلة الأمد. وقد حدد أنتوني كوردسمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) المشكلة: "الاستراتيجية لا تتعلق فقط بنظرية النصر؛ بل تتعلق بالواقع الأكثر فوضوية لما يأتي في اليوم التالي لتوقف تحليق الصواريخ. إن ضربة فاشلة قد تدفع إيران إلى امتلاك سلاح نووي بأي ثمن، والانفجار في الخليج، وخلق مشاكل أخطر بكثير للاقتصاد العالمي".

وقدمت إيلي جيرانمايه، في كتاباتها للمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، الملاحظة التاريخية التالية: "بعد التجارب المؤلمة في أفغانستان والعراق وليبيا، فإن قصف إيران لن يحقق بالضرورة ما يريده (ترامب)".

لقد تبين أن أسس المشرق الديمقراطي، التي وُعد بها في شوارع بغداد الملطخة بالدماء، لم تكن سوى سراب، ولم ينهض طائر الفينيق "المعتدل" الموعود من الرماد الليبي أبدا، بل خلف وراءه فقط البقايا المتفحمة لدولة فاشلة. فما الذي يجعل تربة طهران العريقة مختلفة؟ ولماذا تنتج أي شيء آخر غير نفس محصول الفشل الذي ميز المنطقة لعقود؟ وحدهم الاستراتيجيون بعيدو النظر بين دعاة الحرب يتساءلون عما إذا كان مثل هذا السؤال قد دخل في الوعي السطحي لمحركي الدمى الذين يديرون خيوط هذا المسرح المتأخر. إن ترامب وروبيو وهيغسيث هم كهنة "عبادة الفتك"، معتقدين أن مطرقة الإمبراطورية يمكن أن تصيغ عالما جديدا، دون أن يدركوا أنها لم تنجح يوما إلا في تحطيم القديم إلى ألف قطعة حادة من الاستياء والغضب.

قد يكون المتفائلون في الإدارة على حق، لكنهم يراهنون بالهيبة الأمريكية، والاستقرار الإقليمي، والرفاه الاقتصادي العالمي على أمل أن يتصرف نظام ثوري، حتى في خضم صراعه من أجل البقاء، بعقلانية. لكن التاريخ يثبت خلاف ذلك

وما يجعل اللحظة الحالية خطيرة بشكل خاص ليس أن أيا من الجانبين يريد الحرب، بل لأنهما أقنعا نفسيهما بأنهما لا يستطيعان التراجع. فالعلامة السياسية لترامب هي القوة التي لا تتزعزع، ونظام خامنئي تحت الحصار في الشوارع وفي أزمته الاقتصادية الخاصة، مما يهدد أسس الثورة نفسها. وعندما قال خامنئي: "أي تورط عسكري سيؤدي إلى ضرر لا يمكن إصلاحه لهم، يتجاوز بكثير أي فائدة يتخيلونها"، كان يتحدث بلسان جميع القادة من جميع أطراف الصراع، الذين سيتعين عليهم قريبا الاختيار بين الانهيار الداخلي أو الخارجي.

قد يكون المتفائلون في الإدارة على حق، لكنهم يراهنون بالهيبة الأمريكية، والاستقرار الإقليمي، والرفاه الاقتصادي العالمي على أمل أن يتصرف نظام ثوري، حتى في خضم صراعه من أجل البقاء، بعقلانية. لكن التاريخ يثبت خلاف ذلك، وفي الأطر الزمنية لميدان المعركة الحديث، حيث يمكن للصواريخ المنطلقة من الخليج العربي أن تصل إلى أهدافها في دقائق، قد لا يكون هناك وقت لاتخاذ قرارات عقلانية.

وبينما تتجه مجموعة حاملة الطائرات نحو الخليج ويستمر القادة الإيرانيون في القول "أصابعنا على الزناد"، فإن نافذة الدبلوماسية تنغلق بسرعة، ولم يعد الجدل يدور حول ما إذا كان هذا الصراع يمثل فشلا في فن إدارة الدولة -فهو كذلك بالفعل- بل يدور الجدل حول ما إذا كان السياسيون في واشنطن وطهران يمتلكون الحكمة للتراجع عن حافة الهاوية؛ لأنه في شرق أوسط عام 2026، لا توجد حروب محدودة، بل توجد فقط محفزات لكوارث إقليمية لا يمكن لأي قدر من التفوق العسكري احتواؤها بمجرد أن تبدأ.
التعليقات (0)