الحرب الأمريكية-الإيرانية: لماذا تقترب ولا تقع؟

فادي جمعة
"تصعيد دون حسم، وضغط دون إعلان حرب، ورسائل تُقرأ بعناية شديدة"- جيتي
"تصعيد دون حسم، وضغط دون إعلان حرب، ورسائل تُقرأ بعناية شديدة"- جيتي
شارك الخبر
منذ سنوات، تعود الحرب الأمريكية-الإيرانية إلى واجهة النقاش كلما ارتفعت حدة التوتر في الشرق الأوسط؛ تصريحات نارية، وحشود عسكرية، وعقوبات مشددة، ورسائل متبادلة توحي بأن المواجهة باتت وشيكة. ومع ذلك، ورغم وقوع مواجهات عسكرية مباشرة ومحدودة في مراحل سابقة، فإن الأمور كانت تتوقف دائما قبل الانزلاق إلى حرب شاملة ومفتوحة. هذا النمط المتكرر يطرح سؤالا مشروعا: إذا كانت الحرب تقترب باستمرار، فلماذا لا تقع بصورتها الكاملة؟

الجواب لا يكمن في غياب العداء، ولا في ضعف القدرات، بل في تشابك الحسابات السياسية والعسكرية التي تجعل الحرب الشاملة خيارا بالغ الكلفة على جميع الأطراف، رغم استمرار التصعيد.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا تبدو الحرب مع إيران خيارا مفضلا. فواشنطن، المنخرطة في صراعات دولية كبرى، من الحرب في أوكرانيا إلى التنافس المتصاعد مع الصين، تدرك أن فتح جبهة واسعة في الشرق الأوسط سيعيدها إلى استنزاف طويل حاولت الخروج منه منذ أكثر من عقد. فالحرب مع إيران لن تكون سريعة أو نظيفة، بل مواجهة مع دولة كبيرة تمتلك قدرات ردع غير تقليدية، وشبكة نفوذ إقليمي قادرة على توسيع ساحة الصراع إلى ما هو أبعد من الحدود الإيرانية.

الحرب مع إيران لن تكون سريعة أو نظيفة، بل مواجهة مع دولة كبيرة تمتلك قدرات ردع غير تقليدية، وشبكة نفوذ إقليمي قادرة على توسيع ساحة الصراع إلى ما هو أبعد من الحدود الإيرانية

في المقابل، لا تبدو إيران معنية بحرب مباشرة مع الولايات المتحدة. فرغم خطابها التصعيدي، تدرك طهران أن مواجهة مفتوحة قد تهدد بنية النظام نفسه، وتفرض على الداخل الإيراني كلفة اقتصادية واجتماعية يصعب احتواؤها. لذلك، تعتمد إيران سياسة تقوم على الردع غير المباشر، وإدارة المواجهة عبر أدوات إقليمية ورسائل محسوبة، مع الحرص على عدم تجاوز الخطوط التي تستدعي ردا أمريكيا شاملا.

هذا التوازن الهش جعل الصراع بين الطرفين أقرب إلى حالة مواجهة مُدارة،فالمشهد لا يخلو من اشتباكات محدودة، أو عمليات غير مباشرة، أو رسائل عسكرية متبادلة، لكنها جميعا تُضبط بعناية، ويُتعامل معها باعتبارها أدوات ضغط لا مقدمات لحرب شاملة. فواشنطن تلوّح بالقوة لتقييد السلوك الإيراني، وطهران تُظهر قدرتها على الرد دون الذهاب إلى نقطة اللاعودة.

في هذا السياق، تلعب إسرائيل دورا مهما في دفع الصراع نحو التصعيد، لكنها في الوقت ذاته ليست صاحبة القرار النهائي. فإسرائيل ترى في إيران تهديدا استراتيجيا طويل الأمد، وتسعى إلى إضعافه بكل الوسائل الممكنة، إلا أن اندلاع حرب أمريكية-إيرانية شاملة قد يفتح سيناريوهات غير قابلة للضبط، تمتد آثارها إلى الداخل الإسرائيلي نفسه. لذلك، تفضّل تل أبيب العمل ضمن منطق الضربات المحدودة، والاستنزاف الطويل، والعمل الاستخباراتي، بدل الذهاب إلى مواجهة مفتوحة لا تملك التحكم بمسارها.

أما الأنظمة العربية، فموقفها يتسم بحذر بالغ. فهي، وإن اختلفت مع إيران سياسيا، تدرك أن أي حرب واسعة ستُدار على أرض المنطقة، وبنيتها التحتية، ومجتمعاتها، قبل أن تمسّ العواصم البعيدة. ولهذا، تفضّل هذه الأنظمة بقاء الصراع ضمن حدود يمكن احتواؤها، مهما بلغت حدته، على انفجار شامل لا يمكن التنبؤ بنتائجه.

الحرب الأمريكية-الإيرانية كاحتمال دائم، يُستدعى عند الحاجة، ويُحتوى عند الخطر، في مشهد يختصر حال المنطقة: صراعات معلّقة، وقرارات مؤجلة، وثمن يدفعه الآخرون

العامل الأهم الذي يفسر غياب الحرب الشاملة، هو أن الصراع الأمريكي-الإيراني تحوّل إلى أداة سياسية. فهو يُستخدم للضغط، ولإدارة التوازنات، ولإرسال الرسائل، دون أن يتحول إلى هدف بحد ذاته. فالحرب، في هذه الحالة، ليست وسيلة لتحقيق مكاسب واضحة، بل مغامرة قد تقلب المشهد الإقليمي رأسا على عقب.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب رؤية واضحة لما بعد الحرب يجعل القرار أكثر تعقيدا. فماذا بعد مواجهة شاملة مع إيران؟ هل يعني ذلك إسقاط النظام؟ ومن يملأ الفراغ؟ وكيف تُدار دولة بحجم إيران في بيئة إقليمية مضطربة؟ هذه الأسئلة لا تملك واشنطن إجابات مقنعة عنها، كما لا تملك ضمانات بأن النتائج ستكون أفضل من الواقع القائم.

لهذا، تستمر المواجهة في شكلها الرمادي: تصعيد دون حسم، وضغط دون إعلان حرب، ورسائل تُقرأ بعناية شديدة. إنها حالة صراع تقترب في الخطاب، لكنها تتراجع في القرار، لأن كلفتها تفوق مكاسبها المحتملة.

في المحصلة، لا تعكس حالة اللا حرب ضعفا بقدر ما تعكس عقلانية قاسية تحكم سلوك الأطراف المتصارعة، فالجميع يدرك أن إشعال الحرب قد يكون سهلا، لكن إطفاءها شبه مستحيل. وبين التلويح والتراجع، يبقى الشرق الأوسط عالقا في مساحة رمادية، تُدار فيها الأزمات بدل حلّها، ويُؤجَّل الانفجار بدل منعه.

وهكذا، تستمر الحرب الأمريكية-الإيرانية كاحتمال دائم، يُستدعى عند الحاجة، ويُحتوى عند الخطر، في مشهد يختصر حال المنطقة: صراعات معلّقة، وقرارات مؤجلة، وثمن يدفعه الآخرون.
التعليقات (0)

خبر عاجل