ليست
التهديدات السياسية مجرد أدوات بلاغية تُستهلك في نشرات الأخبار، بل هي حين تصدر
عن قادة دول عظمى جزء من هندسة الردع، ورسائل استراتيجية تُقرأ بعناية في العواصم
وداخل غرف العمليات العسكرية والاقتصادية. ومن هذا المنطلق، فإن التصريحات الأخيرة
للرئيس الأمريكي دونالد
ترامب ضد
إيران لا يمكن التعامل معها بوصفها انفعالا
إعلاميا أو تكتيكا انتخابيا عابرا؛ بل يجب تفكيكها ضمن إطار أوسع يتعلق بالقانون
الدولي، وبفلسفة استخدام القوة، وبالمسار الذي قد تدفع إليه هذه اللغة النظام
العالمي.
جوهر
الإشكال لا يكمن فقط في حدّة العبارات أو قسوتها الرمزية، بل في طبيعتها القانونية
والسياسية. فحين يُلوّح زعيم دولة بتهديد شامل ضد دولة ذات سيادة وعضو في الأمم
المتحدة، فإننا لا نتحدث عن تحذير تقني موجّه إلى جهة محددة، بل عن خطاب يدخل ضمن
مفهوم "التهديد باستخدام القوة" الذي يُعدّ وفق ميثاق الأمم المتحدة محظورا
بحد ذاته، حتى قبل أن تتحول القوة إلى فعل. الميثاق لا يمنع الحروب فقط؛ بل يمنع
أيضا التلويح بها كوسيلة ضغط سياسي خارج إطار الدفاع الشرعي الواضح والمباشر.
قاربة تعكس اعتمادا متزايدا على ما يمكن تسميته "دبلوماسية الإكراه"، حيث تُدمج العقوبات الاقتصادية مع التحشيد العسكري واللغة التصعيدية في حزمة واحدة تهدف إلى خنق هامش المناورة لدى الطرف الآخ
هنا
تتضح نقطة محورية، وهي أن الدفاع عن النفس في القانون الدولي ليس مفهوما مطاطيا
يُستدعى متى شاءت الدول الكبرى. إنه مشروط بوجود تهديد وشيك، وبضرورة الرد،
وبالتناسب بين الفعل والخطر. أما الانتقال إلى خطاب يتحدث عن "تدمير دولة"
أو "محوها"، فهو خروج عن هذه الشروط، لأن الدولة كيانا وسكانا وأراضي لا
يمكن أن تُختزل في فعل عدائي مفترض أو حتى في نظام سياسي معادٍ. هذا النوع من
اللغة لا يُقنِع الخصم بالتهدئة، بل يدفعه منطقيا إلى الاستعداد لأسوأ
السيناريوهات، أي إلى عسكرة الحسابات بدل تدويرها سياسيا.
ومن
منظور استراتيجي بحت، فإن هذه المقاربة تعكس اعتمادا متزايدا على ما يمكن تسميته "دبلوماسية
الإكراه"، حيث تُدمج العقوبات الاقتصادية مع التحشيد العسكري واللغة
التصعيدية في حزمة واحدة تهدف إلى خنق هامش المناورة لدى الطرف الآخر. هذه ليست
ظاهرة جديدة في السياسة الأمريكية الحديثة؛ فقد ظهرت بأشكال مختلفة في ملفات إيران
وفنزويلا وكوبا وغيرها، تحت عناوين متكررة أبرزها الضغط الأقصى، وإعادة ضبط
الأنظمة، وتغيير السلوك بالقوة الاقتصادية والسياسية.
لكن
المشكلة في هذا النموذج أنه يفترض ضمنيا أن الطرف المستهدف سيختار دائما التراجع
بدل التصعيد. التاريخ القريب يقول العكس في كثير من الأحيان؛ الدول التي تشعر بأن
وجودها مهدد لا تميل إلى تقديم تنازلات استراتيجية؛ بل غالبا ما تتجه إلى تشديد قوتها،
وتسريع برامجها العسكرية، والبحث عن مظلات تحالفات وائتلافات خارج المنظومة
الغربية. وهكذا يتحول الضغط من أداة لتقليص الخطر إلى عامل يضاعفه.
في
الحالة الإيرانية، تتراكم هذه التأثيرات على أرضية أصلا مشحونة، وخلافات نووية، وصراعات
إقليمية، وشبكات تحالف متداخلة، وممرات طاقة حيوية للاقتصاد العالمي. إدخال خطاب
وجودي إلى هذا المشهد لا يرفع فقط من مستوى التوتر الثنائي بين واشنطن وطهران، بل
يوسّع دائرة القلق لتشمل حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم، الذين يدركون أن أي
مواجهة مباشرة قد تنفجر في أكثر من ساحة في آن واحد، وأن السيطرة على التصعيد ليست
أمرا مضمونا مهما بلغت قوة الردع.
أما
المقارنة مع ملفات أخرى مثل فنزويلا أو كوبا فلا تهدف إلى المساواة بين السياقات،
بل إلى إبراز نمط سياسي متكرر. استخدام أدوات القوة الشاملة لمحاصرة أنظمة تعتبرها
واشنطن معادية، مع استعداد لإبقاء خيار التصعيد مفتوحا كظل دائم فوق الطاولة. في
فنزويلا، امتزجت العقوبات الثقيلة بمحاولات عزل النظام دوليا ودعم تحركات داخلية
لإسقاطه، ما أدى إلى شلل اقتصادي عميق دون أن يحقق تغييرا سياسيا حاسما، وبعد فشل
كل ذلك لجأت الولايات المتحدة، الدولة ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، إلى
اختطاف الرئيس الفنزويلي هو وزوجته في محاولة لتغيير السلوك السياسي لكاركاس. وفي
كوبا، استُخدمت العقوبات لعقود طويلة بهدف إعادة تشكيل النظام، لكنها في المقابل
أسهمت في ترسيخ عقلية المواجهة والارتياب المتبادل.
هذه
السوابق تطرح سؤالا استراتيجيا لا يمكن تجاهله؛ هل أدت سياسة الإكراه الممتد فعليا
إلى أنظمة أكثر اعتدالا واستقرارا، أم إلى خصوم أكثر تصلبا وأشد استعدادا
للمخاطرة؟ الإجابة في معظم الحالات تميل إلى الاحتمال الثاني، وهو ما يجعل
التهديدات الحالية ضد إيران تبدو في ميزان الحساب البارد مجازفة عالية الكلفة
بعوائد غير مؤكدة.
ومن
زاوية النظام الدولي، تكمن الخطورة الأكبر في تطبيع خطاب التهديد الشامل، فإذا
أصبح مقبولا أن تُلوّح دولة عظمى بإزالة دولة أخرى من الوجود السياسي دون مساءلة
حقيقية، فإن ذلك يقوّض الفكرة الأساسية التي قامت عليها الأمم المتحدة بعد
الحرب
العالمية الثانية وهي منع الأقوياء من فرض إرادتهم بالقوة المجردة، وإخضاع
النزاعات لمنطق القواعد والمؤسسات. المسألة هنا لا تتعلق بالدفاع عن إيران بوصفها
دولة، بل بالدفاع عن الإطار الذي يمنع انزلاق العلاقات الدولية إلى منطق الغلبة
وحده.
السؤال الحقيقي الذي تطرحه تهديدات ترامب ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ضرب إيران، بل ما إذا كان استخدامها لهذه القدرة على مستوى الخطاب قبل الفعل يخدم استقرار النظام الدولي أم يدفعه خطوة إضافية نحو عالم تُدار فيه الأزمات بمنطق القوة العارية لا بمنطق القواعد والقانون
كما
لا يمكن إنكار تأثير هذا التجاهل واستخدام مفهوم القوة والإكراه على كيانات غير
مشروعة مثل إسرائيل، وهي حليفة الولايات المتحدة الرئيسية في الشرق الأوسط. صحيح
أن إسرائيل لا تلتزم بأي قانون أو قاعدة أو عرف دولي، لكن توفير مظلة كبيرة لها من
قبل دولة كبرى يعني أن المنطقة بأكملها وليس فقط إيران مهددة بتهديدات وجودية من كيان
لا يعترف بأي منطق للدبلوماسية أو السياسة، وهو يحظى اليوم بتأييد غير مشروط من
واشنطن.
الدول
الكبرى، بحكم قدراتها، تتحمل مسؤولية مضاعفة في ضبط خطابها قبل أفعالها. فالكلمات
الصادرة عنها لا تُقرأ بوصفها رأيا شخصيا، بل بوصفها احتمالات عملياتية، وحين
تتكرر لغة التهديد، فإنها تغيّر حسابات الأسواق، وتؤثر في قرارات الاستثمار، وترفع
درجات التأهب العسكري في الإقليم، وتدفع اللاعبين الأصغر إلى إعادة التموضع على
أساس سيناريو الحرب لا على أساس التسوية.
في
النهاية، لا يتطلب نقد هذه التهديدات الانحياز السياسي لطهران، حيث يمكن بل يجب التمييز
بين الاعتراض على سلوك دولة ما وبين رفض استخدام خطاب يتجاوز حدود القانون الدولي
ويقوّض منطق الاستقرار. القوة في العلاقات الدولية ليست خطيئة في حد ذاتها؛ لكن
تحويلها إلى لغة أولى بدل أن تكون خيارا أخيرا هو ما يجعل العالم أقل قابلية
للتنبؤ وأكثر عرضة للانفجار.
وإذا
كان النظام العالمي يعيش بالفعل مرحلة إعادة تشكل مضطربة، فإن ترسيخ منطق "التهديد
الوجودي" بدل إدارة الصراعات عبر الأطر القانونية والدبلوماسية لا يعني سوى
تسريع هذا التفكك. السؤال الحقيقي الذي تطرحه تهديدات ترامب ليس ما إذا كانت
الولايات المتحدة قادرة على ضرب إيران، بل ما إذا كان استخدامها لهذه القدرة على
مستوى الخطاب قبل الفعل يخدم استقرار النظام الدولي أم يدفعه خطوة إضافية نحو عالم
تُدار فيه الأزمات بمنطق القوة العارية لا بمنطق القواعد والقانون.
x.com/fatimaaljubour