لم
تبدأ قصة
فنزويلا مع عملية اختطاف نيكولاس مادورو وزوجته من غرفة نومهما، كما لم
تبدأ الحكاية مع تصريحات دونالد ترامب عن إدارة فنزويلا وبيع نفطها عبر الشركات الأمريكية؛
ما حدث هناك هو حلقة متأخرة في سلسلة تاريخية أطول بكثير؛ سلسلة تمتد من سفن
القراصنة التي كانت ترفع علم الإمبراطورية، إلى الطائرات المسيّرة التي تحمل علم "الحرب
على الإرهاب"، وصولا إلى مشهد رئيس دولة يُنتزع من سيادته ويُعاد تعريفه
كسجين في نظام قضائي أجنبي. الفارق بين الأزمنة ليس في جوهر الفعل (السيطرة
واغتصاب القرار) بل في درجة الوقاحة والعلن، فالإمبراطورية التي كانت تخجل من
تسمية الأشياء بأسمائها، قررت اليوم أن تتحدث بلغة الغنيمة مباشرة.
عملية
اختطاف مادورو ليست مجرد "تجاوز"، بل هي إعلان سياسي-حضاري يقول إن زمن
احترام الشكل السيادي قد انتهى. رئيس دولة، مهما اختلفنا مع سياساته، يُعامَل
كزعيم عصابة يُخطف مع زوجته وينقل إلى نيويورك ليُحاكم وفق
قانون دولة أخرى، بينما
يعلن الرئيس الأمريكي ببرود أنه سيتكفل بإدارة فنزويلا إلى حين إشعار آخر، وأن
النفط الفنزويلي سيباع مباشرة عبر الشركات الأمريكية، وأن عائداته ستوضع تحت وصاية
وزارة الخزانة. بهذا المنطق تتحول الدولة من فاعل سياسي إلى "حقل استثماري
متعثر" يحتاج إلى مدير خارجي. هذه ليست لغة دبلوماسية، بل لغة استحواذ صريحة؛
إنها لحظة تسييل للسيادة وتحويل كيان سياسي مستقل إلى أصل مالي يمكن تشغيله عن بعد.
ما نشهده اليوم مع فنزويلا هو الدخول في طور رابع هو الاستعمار الاستخراجي المعلن؛ حيث لا يعود ضروريا تلفيق حكايات معقدة، بل يكفي أن يقال: نزيح هذا الحاكم، ندير تلك الدولة، نبيع نفطها، ونتكفل بالباقي
إذا
وضعنا هذه اللحظة في سياق أوسع للسياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية،
يمكننا أن نرى تعاقبا واضحا في أنماط الهيمنة. في المرحلة الأولى كان خطاب "الاحتواء"
في مواجهة الاتحاد السوفييتي، يتجسد في انقلابات سرية وحروب بالوكالة، في المرحلة
الثانية جاء عصر "التدخل الإنساني" بعد الحرب الباردة، قصف باسم حقوق
الإنسان، وحصار باسم حماية المدنيين. ثم جاءت "الحرب على الإرهاب" لتبرر
غزو أفغانستان والعراق تحت شعار "بناء الأمة" و"صناعة الديمقراطية".
كل هذه المراحل اشتركت في شيء واحد هو الحاجة إلى قناع أخلاقي، إلى قصة تروى
للعالم عن الفضيلة الأمريكية. ما نشهده اليوم مع فنزويلا هو الدخول في طور رابع هو الاستعمار الاستخراجي المعلن؛ حيث لا
يعود ضروريا تلفيق حكايات معقدة، بل يكفي أن يقال: نزيح هذا الحاكم، ندير تلك
الدولة، نبيع نفطها، ونتكفل بالباقي.
حين
ننظر إلى أفغانستان والعراق وليبيا من زاوية هذا الطور الرابع، تتحول تلك الحروب
من "أحداث منفصلة" إلى مقدمات تجريبية. في أفغانستان قيل إن الهدف هو
القضاء على الإرهاب، لكن "صدفة" أن البلد يقع على مفترق طرق جيوسياسي
بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا، وعلى مخزون هائل من المعادن النادرة. في العراق قيل
إن الهدف إزالة أسلحة دمار شامل، ثم بناء ديمقراطية نموذجية، لكن "صدفة"
أخرى أن البلد يحمل أحد أكبر احتياطيات النفط في العالم، وأن موقعه يؤمّن إعادة
تشكيل خريطة الطاقة في الشرق الأوسط. في ليبيا قيل "مسؤولية الحماية"،
لكن النتيجة كانت تفجير دولة وفتح الهلال النفطي الليبي على مصراعيه أمام لعبة
توازنات جديدة. ما كان يُدار في السابق عبر حبكة أخلاقية صار اليوم يُقال بلا رتوش:
الحرب كانت وستبقى أداة لإعادة توزيع السيطرة على الموارد والمسارات.
ما
الجديد إذن في عملية اختطاف مادورو؟ الجديد ليس أن الولايات المتحدة تريد نفط
فنزويلا؛ فهذا معروف منذ عقود، الجديد أن واشنطن قررت أن تعلن ذلك بلا خجل. حين
يقول ترامب بوضوح إنه سيرسل شركاته "لإصلاح حقول النفط الفنزويلية" و"تنظيم
بيع النفط" و"استرجاع التكاليف من العائدات"، فإنه لا يتحدث كقائد
دولة بل كرئيس مجلس إدارة شركة استعمارية. هنا تتفكك حتى الواجهة اللغوية لـ"التحالف
الدولي" و"القرار الأممي" و"الشرعية الدولية"، وتظهر
مكانها لغة العقد والصفقة والامتياز. الحرب لم تعد تُقدَّم كآخر دواء لمداواة
الاستبداد، بل كعقد تشغيل قسري لمصادر الطاقة.
من
منظور الفلسفة السياسية، نحن أمام تعرية لمفهومين أساسيين هما الحرب العادلة والسيادة المتساوية. تقليديا كانت الحروب تبرَّر حتى في
خطاب الإمبراطوريات باسم دفع ظلم أعظم، أو حماية حدود، أو منع إبادة؛ اليوم تعود
الحرب إلى معناها الأول وهو القنص المنظم للثروة. أما
السيادة، التي قامت عليها
شرعة الأمم المتحدة، فكانت تعني أن كل دولة مهما صغر حجمها متساوية قانونا؛ اختطاف
رئيس ونقله لمحكمة أجنبية يعني فعليا أن هذه المساواة كانت خدعة لطيفة ما دام صاحب
القوة قادرا على تحويل خصومه إلى "متهمين" أمام قضائه الخاص. إنها قوننة
الهيمنة وتوسيع الاختصاص القضائي للدولة الأقوى ليغطي العالم، بحيث يصبح "القانون"
أداة السيطرة، لا قيدا عليها.
في
الخلفية تعمل آلية أخرى لا تقل خطورة عن الدبابات والطائرات هي العقوبات الاقتصادية، فقبل أن تُختطف
فنزويلا عسكريا، كانت تُخنق ماليا. العقوبات ليست مجرد تدابير ضغط، بل هي حرب
بوسائل مالية؛ حصار بحري بلا سفن، تُمنع الدولة من بيع نفطها بحرية، يُمنع عنها
التمويل، تُجمّد أصولها، فيتآكل اقتصادها، ويتعب شعبها، عندها تصبح فكرة "الإدارة
الخارجية" تبدو كخيار عملي لبعض الفئات. هذا النمط رأيناه في العراق قبل
2003، حيث مهّد حصار التسعينيات للغزو، ورأيناه في ليبيا، حيث استُخدم الحصار
والغارات الجوية معا لتفكيك البنية السياسية. فنزويلا ليست استثناء؛ إنها نموذج
مكتمل لحرب هجينة، عقوبات لتفكيك
الداخل، وقرصنة عسكرية لاختطاف القيادة، ثم وصاية على الموارد تحت عنوان "المساعدة".
بهذا
المعنى يمكن القول إن الاستراتيجية الأمريكية المعاصرة تقوم على معادلة بسيطة
وقاسية؛ هي أنّ كل دولة مستقلة تمتلك
ثروات استراتيجية وتصرّ على قرار سيادي
مستقل، تُدرَج في خانة "الخطر الكامن". هذا الخطر لا يقاس بدرجة استبداد
النظام أو عدائه للغرب، بقدر ما يقاس بدرجة رفضه تحويل ثرواته إلى جزء من منظومة
السوق التي تقودها واشنطن. في هذا السياق تصبح الحالة الأفغانية والعراقية
والليبية والفنزويلية وجوها مختلفة لنفس الفكرة.الاستقلال "جريمة" سياسية حين يقترن بالثروة.
كل ما بُني في القرن العشرين من منظومة قانونية ومؤسسات دولية ومواثيق حقوقية هدفه أن يمنع عودة هذا الشكل من الاستعمار، ينهار اليوم أمام مشهد فنزويلا وغيرها
ما
يفاقم خطورة اللحظة الفنزويلية أن العالم يشاهد ويصمت، أو يكتفي ببيانات ناعمة.
القوى الكبرى المنافسة قد تعترض لفظيا، لكنها توازن بين استنكار مبدئي ومصالحها
الخاصة. أما الدول الضعيفة، فهي موزعة بين الخوف من المصير نفسه، والرغبة في
الاحتماء بالمركز الأقوى. هكذا يتحول اختطاف رئيس واحد إلى رسالة كونية؛ ليس هناك "ممنوع"
حقيقي، كل شيء قابل للتجاوز إذا كانت كلفة التحدي منخفضة. هذه الرسالة، إن استقرت،
ستعيد تعريف السياسة الدولية من جديد، من ساحة تفاوض بين دول إلى سوق مفتوحة
للثروات المحمية بالقوة.
في
النهاية، ما تكشفه فنزويلا ليس وحشية رجل واحد في البيت الأبيض بقدر ما يكشف طبيعة
طور جديد من الرأسمالية المعولمة؛ طور لم يعد محتاجا إلى تبرير ذاته عبر لغة
الحقوق والقيم، لأنه بات يملك من أدوات العنف والمال ما يكفي لفرض منطقه العاري؛
الموارد أولا، السيادة لاحقا، إن بقي منها شيء. في هذا الطور، لا يعود السؤال: هل
الحرب مشروعة؟ بل: هل الغنيمة تستحق المخاطرة؟ ولا يعود السؤال: هل هذه الدولة
ديمقراطية؟ بل: هل هذه الدولة قابلة للقولبة في منظومة السوق أم تحتاج إلى "إعادة
تشكيل بالقوة"؟
المفارقة
أن كل ما بُني في القرن العشرين من منظومة قانونية ومؤسسات دولية ومواثيق حقوقية
هدفه أن يمنع عودة هذا الشكل من الاستعمار، ينهار اليوم أمام مشهد فنزويلا وغيرها.
دولة يُعلن أن نفطها سيُدار من الخارج، وشعب يُراد له أن يعتاد فكرة أن مصيره
النهائي يقرره من يملك الطائرات، لا من يملك صناديق الاقتراع. إن فنزويلا ليست
مجرد أزمة في جنوب القارة الأمريكية؛ إنها اختبار شامل لما إذا كان العالم مستعدا
للقبول بعودة الاستعمار، لا كذكرى تاريخية، بل كبرنامج عمل للقرن الحادي والعشرين.
x.com/fatimaaljubour