قضايا وآراء

الربيع الفنزويلي: تدوير البلطجة وصناعة العملاء

فاطمة رؤوف
"كان ذنب فنزويلا الأكبر أنها امتلكت النفط.. وقررت أن تختار"- جيتي
"كان ذنب فنزويلا الأكبر أنها امتلكت النفط.. وقررت أن تختار"- جيتي
شارك الخبر
لم تكن فنزويلا في يومٍ من الأيام دولة هامشية في حسابات العالم، ولم تدخل دائرة الصراع لأنها ضعيفة أو بلا موارد، بل على العكس تماما: دخلت المواجهة لأنها تمتلك ما يكفي ليجعلها غير قابلة للضبط. في عالم تُدار فيه السياسة من باطن الأرض بقدر ما تُدار من فوق الطاولات، كانت فنزويلا دولة "زائدة عن الحد" من حيث الثروة، وناقصة عن المطلوب من حيث الطاعة.

من السيادة إلى الصدام

في 2 شباط/فبراير 1999، وصل هوغو تشافيز إلى الحكم، لا كمرشح تقليدي، بل كمشروع قطيعة مع نموذج سياسي واقتصادي استمر عقودا. تأميم النفط، الذي تُوِّج عمليا مع قانون الهيدروكربونات عام 2001 (وهو القانون الذي أعاد للدولة السيطرة الحصرية على استخراج النفط وتسويقه، وقلّص نفوذ الشركات الأجنبية في القطاع النفطي)، لم يكن قرارا تقنيا، بل إعلانا صريحا بأن الثروة الوطنية لن تبقى في متناول الشركات العابرة للقارات. منذ تلك اللحظة، تغيّر موقع فنزويلا على الخريطة الدولية: من شريك مُطيع إلى دولة "إشكالية".

المنطق الجيوسياسي، لا تُقرأ هذه الأرقام كفرص تنموية فقط، بل كأسباب صراع. فالدولة التي تملك هذا الحجم من الطاقة، ثم تُصرّ على إدارتها خارج المنظومة الغربية، تتحول تلقائيا إلى هدف طويل الأمد

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم، يتجاوز 300 مليار برميل، معظمها في حزام أورينوكو، إضافة إلى احتياطات كبيرة من الذهب والغاز والمعادن النادرة. في المنطق الجيوسياسي، لا تُقرأ هذه الأرقام كفرص تنموية فقط، بل كأسباب صراع. فالدولة التي تملك هذا الحجم من الطاقة، ثم تُصرّ على إدارتها خارج المنظومة الغربية، تتحول تلقائيا إلى هدف طويل الأمد.

2002: الإنذار الأول

في نيسان/أبريل 2002، جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة على تشافيز كأول اختبار مباشر لكسر هذا المسار. فشل الانقلاب، لكن الرسالة كانت واضحة: من يخرج عن الخط سيُواجَه، وإن لم يكن اليوم فغدا. منذ ذلك التاريخ، لم تعد العلاقة مع واشنطن علاقة توتر دبلوماسي، بل علاقة صراع بنيوي.

انتقال السلطة.. واستمرار المعركة

بعد وفاة تشافيز في 5 آذار/مارس 2013، ورث نيكولاس مادورو دولة مثقلة بالاستقطاب الخارجي والضغوط الداخلية. جاء مادورو من صفوف العمل النقابي والسياسي، حيث برز منذ تسعينيات القرن الماضي كأحد كوادر التيار البوليفاري، وتدرّج في مواقع الدولة من العمل البرلماني إلى وزارة الخارجية. شكّل مادورو الامتداد السياسي والفكري لهوغو تشافيز، متبنّيا رؤيته السيادية نفسها في النفط والاستقلال والاصطفاف الدولي.

في 14 نيسان/أبريل 2013، انتُخب مادورو رئيسا، لكن شرعيته لم تُناقَش داخل صناديق الاقتراع فقط، بل في العواصم الغربية منذ اليوم الأول. لم يكن المطلوب اختبار سياساته، بل كسر الاستمرارية التي يمثلها.

2015: حين تغيّر شكل الحرب

المنعطف الأخطر وقع في 9 آذار/مارس 2015، حين وقّعت الولايات المتحدة أمرا تنفيذيا يصنّف فنزويلا "تهديدا غير عادي للأمن القومي الأمريكي". لم يكن هذا توصيفا قانونيا بقدر ما كان غطاء لحرب من نوع جديد.

منذ تلك اللحظة، لم تعد الحرب تُخاض على الحدود، بل داخل المصارف، وفي أسعار الخبز، وفي قيمة العملة (في نموذج بات مألوفا في السياسة الدولية الحديثة، كما شهدته دول عديدة في ما عُرف بالربيع العربي، حيث سبق الإنهاك الاقتصادي أي تحوّل سياسي كبير).

الحصار وأثره الواقعي

بين 2014 و2020، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 70 في المئة. وفي 2018، بلغ التضخم مستويات غير مسبوقة، تجاوزت مليون في المئة (أي مليار بالمفهوم الاقتصادي). لم تكن هذه الأرقام نتيجة "سوء إدارة" فقط كما يُروَّج، بل حصيلة عزل دولة كاملة عن النظام المالي العالمي، وتجفيف قدرتها على بيع نفطها، واستيراد غذائها، وتأمين دوائها.

المعارضة كأداة ضغط
البلطجة السياسية المقنّعة بالقانون، ونهب الثروات تحت عناوين الأمن والديمقراطية ومحاربة المخدرات. فالولايات المتحدة لم تتعامل مع فنزويلا كدولة ذات سيادة، بل كخزان نفط خارج السيطرة يجب كسره ثم الاستيلاء عليه

في 23 كانون الثاني/يناير 2019، أعلن خوان غوايدو نفسه "رئيسا مؤقتا"، بدعم أمريكي وأوروبي فوري. لم تُصنع هذه اللحظة في الشارع الفنزويلي بقدر ما صيغت في مراكز القرار الخارجية. وحين فشل المشروع عمليا، لم تتراجع الاستراتيجية، بل تغيّرت الوجوه. لاحقا، برزت ماريا كورينا ماتشادو، بخطاب أكثر انسجاما مع منطق العقوبات والحصار، مدافعة علنا عن الضغط الخارجي كوسيلة "إصلاح"، في مفارقة تعكس كيف يمكن للمعارضة أن تتحول من بديل سياسي إلى أداة جيوسياسية.

فلسطين.. الكلفة الإضافية

منذ قطع العلاقات مع إسرائيل في كانون الثاني/يناير 2009، ثم تجديد هذا الموقف في محطات لاحقة، وضعت فنزويلا نفسها خارج أي تسوية مريحة مع الغرب. دعم فلسطين لم يكن سبب العقوبات، لكنه رفع كلفة الخروج عن الإجماع الغربي، وجعل فنزويلا أكثر عزلة في نظام دولي لا يغفر الانحياز خارج خطوطه.

فنزويلا اليوم ليست دولة منهارة، بل دولة مُحاصَرة؛ لم تُعاقَب لأنها فشلت، بل لأنها حاولت أن تدير ثروتها خارج الوصاية. في عالم تُحدَّد فيه حدود السيادة بمدى الطاعة، كان ذنب فنزويلا الأكبر أنها امتلكت النفط.. وقررت أن تختار.

إطلاق الرصاصة الاخيرة

ما جرى لا يمكن فصله عن منهج أمريكي ثابت في إدارة العالم: البلطجة السياسية المقنّعة بالقانون، ونهب الثروات تحت عناوين الأمن والديمقراطية ومحاربة المخدرات. فالولايات المتحدة لم تتعامل مع فنزويلا كدولة ذات سيادة، بل كخزان نفط خارج السيطرة يجب كسره ثم الاستيلاء عليه. جرى تجويع الشعب الفنزويلي عمدا عبر العقوبات، وخُنق اقتصاده، وضُربت عملته، ثم استُخدمت معاناة الناس وقودا لإشعال الغضب ضد قيادتهم، لا بدافع الحرص عليهم، بل لتهيئة الأرضية لنهب ثرواتهم بأيدٍ محلية رخيصة من معارضة ارتضت أن تكون أداة. هذا السلوك ليس استثناء، بل هو جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد: إضعاف الدول الغنية بالموارد، تفكيك مجتمعاتها من الداخل، ثم تقديم "الإنقاذ" مشروطا بالسيطرة على النفط والقرار والسيادة. في هذا السياق، لا يبدو ما حدث في فنزويلا عملا قانونيا ولا حدثا معزولا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الإجرام المنظّم الذي تُمارسه القوة الأقوى في العالم حين تعجز عن الإقناع، فتنتقل إلى الإخضاع.
التعليقات (0)