قضايا وآراء

اختطاف مادورو.. أين يكمن الخطر؟

عدنان حميدان
"الأخطر في هذا المشهد ليس الفعل نفسه فحسب، وإنما التطبيع الأخلاقي والإعلامي معه"- جيتي
"الأخطر في هذا المشهد ليس الفعل نفسه فحسب، وإنما التطبيع الأخلاقي والإعلامي معه"- جيتي
شارك الخبر
ما جرى من اختطاف قوة دلتا الأمريكية، بإيعاز مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته من داخل القصر الرئاسي في كراكاس، واقتيادهما من غرفة نومهما إلى قاعدة عسكرية في نيويورك تمهيدا لمحاكمتهما أمام محكمة أمريكية، ليس حدثا عابرا في سجل الصراعات الدولية، ولا تفصيلا يمكن المرور عليه بخفة أو سخرية، كما يفعل بعض المتعجلين أو أصحاب المواقف المسبقة.

نحن أمام جريمة سياسية وقانونية مكتملة الأركان، جرى فيها الدوس على كل ما استقر من قواعد القانون الدولي، وكل ما تعارف عليه العالم من أعراف السيادة الوطنية، وكل ما تبقى -أصلا- من منظومة دولية تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية، بزعم منع تكرار شريعة القوة العارية، وضبط الصراعات ضمن أطر قانونية ومؤسساتية.

جاء اختطاف رئيس دولة من قصره، من قلب عاصمته، ليُطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من هذا النظام، في سابقة قلّ نظيرها في التاريخ الحديث، إن لم تكن غير مسبوقة أصلا

هذا النظام الدولي لم يسقط فجأة، بل كان يحتضر على مهل. بدأ نزيفه العلني مع إبادة غزة، ومع تجاهل قرارات المحاكم الدولية، والاستخفاف المتعمد بها، ورفض الامتثال لها دون أي ثمن سياسي أو قانوني يُذكر. ثم جاء اختطاف رئيس دولة من قصره، من قلب عاصمته، ليُطلق رصاصة الرحمة على ما تبقى من هذا النظام، في سابقة قلّ نظيرها في التاريخ الحديث، إن لم تكن غير مسبوقة أصلا.

الأخطر في هذا المشهد ليس الفعل نفسه فحسب، وإنما التطبيع الأخلاقي والإعلامي معه. فالأكثر سذاجة -أو تواطؤا- هم أولئك الذين انشغلوا بالسخرية من مادورو، أو تبادل النكات على حسابه، بدافع مواقفهم السياسية المسبقة ضده، متناسين -أو متغافلين- أن ما جرى لا يستهدف شخصا أو نظاما بعينه، ما جرى يوجّه رسالة تهديد صريحة لكل رئيس أو قائد أو دولة تفكر بالخروج عن الطوق الأمريكي. المسألة هنا لا تتعلق بمادورو، بقدر ما تتعلق بما بعد مادورو.

لم يعد امتلاك السلاح، ولا حتى السلاح النووي، ضمانة حقيقية للأمن أو الحماية، إذا كانت الخيانة من الداخل، والتشويش على المنظومات التقنية، واختراق الدوائر القريبة من القيادة، وضرب القرار السياسي من مأمنه، هي أدوات المرحلة الجديدة. لقد تغيّر شكل الحروب، وتبدّلت أدوات الهيمنة، لكن الجوهر واحد: كسر الإرادة، وإخضاع القرار، وإذلال الخصوم دون الحاجة إلى جيوش جرّارة أو احتلال مباشر.ومن مأمنه يُؤتى الحذر.

لا أحد يعلم على وجه الدقة شكل النظام العالمي الذي يتكوّن على أنقاض هذا الانهيار، لكن المؤكد أن شريعة الغاب تتقدم بخطى ثابتة، وأن منطق القوة العارية بات هو الحكم، وأن القوي سيأكل الضعيف، ويستفرد بثروات الدول وخبراتها، دون أن يكلّف نفسه عناء الاحتلال العسكري أو إدارة مستعمرات جديدة؛ يكفيه أن يلوّح بما جرى في كراكاس، وأن يذكّر الآخرين بما حلّ بمادورو.

الأيام القادمة، وفق كل المؤشرات، ستكون أكثر فظاعة، وأكثر فوضوية، وأقل التزاما بأي قواعد أو ضوابط. عالم بلا مرجعية قانونية حقيقية، ولا محاكم يُخشى حكمها، ولا مؤسسات دولية قادرة على فرض قراراتها

الأيام القادمة، وفق كل المؤشرات، ستكون أكثر فظاعة، وأكثر فوضوية، وأقل التزاما بأي قواعد أو ضوابط. عالم بلا مرجعية قانونية حقيقية، ولا محاكم يُخشى حكمها، ولا مؤسسات دولية قادرة على فرض قراراتها، هو عالم مفتوح على كل أشكال الابتزاز، والسطو السياسي، والاقتصادي، وحتى الشخصي.

خليجيا، لا يمكن تجاهل الأثر الاقتصادي المحتمل لهذا التطور الخطير. فاستفراد واشنطن بالنفط الفنزويلي، وفرض سيطرتها المباشرة عليه، يعني -بالضرورة- تراجعا نسبيا في اعتمادها على النفط السعودي والإماراتي، وما يترتب على ذلك من اختلالات في ميزان المصالح والتحالفات. هذا الملف، بطبيعة الحال، يحتاج إلى قراءة أعمق من المختصين في الاقتصاد والطاقة، لكنه يظل مؤشرا مهما على أن أحدا ليس بمنأى عن تداعيات ما جرى.

أحد المواقع الإخبارية البريطانية عنون بوضوح: ترامب غزا فنزويلا، لكن الخطير في هذا العنوان ليس توصيف الغزو، وإنما الإيحاء بأن فنزويلا قد لا تكون المحطة الأخيرة في هذا المسار، وأن العالم مقبل على مرحلة تُدار فيها العلاقات الدولية بعقلية العصابات أكثر مما تُدار بعقلية الدول.

في مثل هذه اللحظات الفاصلة من عمر الأمم والشعوب، تظهر معادن الرجال كما يُقال. يُعرف من يحافظ على شرفه ومبادئه مهما كان الثمن، ويُعرف من يبيع نفسه بثمن بخس مقابل البقاء في المنصب، أو حفنة دولارات، أو وعد بالحماية، ليحجز لنفسه موقعا "آمنا" في مزبلة التاريخ.

أما الشعوب، فلا تملك ترف الغفلة. فما جرى ليس خبرا عابرا، ولا قصة بعيدة، بل جرس إنذار مدوٍّ.. والأيام بيننا.
التعليقات (0)