مجلس ترامب للسلام: حين ترفضه إسبانيا.. ويرحّب به من يُفترض أنهم مع فلسطين

عدنان حميدان
"لا يجوز فهم هذا المجلس بوصفه انحرافا عابرا في المسار الدولي، بل باعتباره لحظة كشف كاملة"- عربي21/ علاء اللقطة
"لا يجوز فهم هذا المجلس بوصفه انحرافا عابرا في المسار الدولي، بل باعتباره لحظة كشف كاملة"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
ليست المشكلة في أن النظام الدولي فشل؛فنحن نعرف ذلك منذ زمن طويل.. المشكلة أن هذا الفشل لم يعد يُدار بخجل، بل بات يُمارَس بوقاحة كاملة، ويُقدَّم للعالم على أنه "واقعية سياسية"، ويُطلب من الضحايا التكيّف معه بوصفه قدرا جديدا لا فكاك منه.

حين أعلن دونالد ترامب عمّا سماه "مجلس السلام"، لم يكن يقترح إصلاحا دوليا، ولا يسعى لمعالجة اختلالات الأمم المتحدة، ولا يبحث عن بديل أكثر عدلا أو توازنا؛ كان يفعل شيئا آخر تماما: كان يخلع القناع. قال الرجل بوضوح ما أخفته الإمبراطوريات لعقود: القوة هي المرجعية، والمال هو اللغة، ومن يملك السلاح يكتب القانون.

لهذا لا يجوز فهم هذا المجلس بوصفه انحرافا عابرا في المسار الدولي، بل باعتباره لحظة كشف كاملة؛ لحظة يُقال فيها صراحة ما كان يُدار سابقا في الغرف المغلقة.

هذا المجلس وُلد تحت رعاية بنيامين نتنياهو؛ مجرم الحرب المدان، والمطلوب رسميا للقبض عليه بقرار صادر عن المحكمة الجنائية الدولية، بوصفه المسؤول المباشر عن جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة

والأخطر أن هذا المجلس وُلد تحت رعاية بنيامين نتنياهو؛ مجرم الحرب المدان، والمطلوب رسميا للقبض عليه بقرار صادر عن المحكمة الجنائية الدولية، بوصفه المسؤول المباشر عن جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة.هنا لا يعود النقاش سياسيا، بل أخلاقيا خالصا: أيُّ سلامٍ يمكن أن يُبنى بيد من نفّذ الإبادة؟

شرعية دولية عوراء.. لكنها أقل فجاجة من مشروع ترامب

لسنا من الذين يراهنون على "الشرعية الدولية"، ولا من المؤمنين بأن الأمم المتحدة كانت يوما منصفة، ولا بأن مجلس الأمن وقف فعلا إلى جانب المظلومين. ندرك جيدا أن هذا النظام صُمّم بعد الحرب العالمية الثانية لحماية الأقوياء لا الضحايا، وأن فلسطين كانت أول من دفع ثمنه، وربما أكثرهم استمرارا في دفع الثمن.

ومع ذلك، ورغم كل عَوَره وشلله ونفاقه، يبقى هذا النظام -بكل علّاته- أقل عريا مما يدعو إليه ترامب. فالشرعية الدولية، على الأقل، ما تزال مضطرة إلى التظاهر بالقانون، وما تزال بحاجة إلى خطاب حقوقي، وما تزال تشعر بشيء من الحرج حين تكذب.

أما ما يطرحه ترامب فلا يحتاج إلى تبرير،ولا إلى نص قانوني، ولا حتى إلى ادّعاء أخلاقي. إنه انتقال مباشر من نظام ظالم يتستّر بالقانون، إلى نظام لا يرى ضرورة لارتداء أي قناع.

ولهذا تحديدا، رفضت دول غربية الانضمام إلى هذا المجلس. إسبانيا قالت "لا" بوضوح، النرويج انسحبت بلا مواربة، ألمانيا رفضت الصيغة، فرنسا تحفّظت، كندا اصطدمت مباشرة بترامب، وغالبية دول الاتحاد الأوروبي آثرت البقاء خارج هذه المغامرة. لم تفعل تلك الدول ذلك حبا بفلسطين، ولا انحيازا للعدالة، بل خوفا من لحظة انهيار شامل للنظام الدولي القائم.

أما بريطانيا، فرغم إعلانها عدم الانضمام "حتى الآن"، فإن موقفها لا يُعوَّل عليه سياسيا، ولا يستحق الرهان، إذ يبقى قابلا للتبدّل كما اعتادت لندن أن تفعل كلما تطلّب الأمر الاصطفاف مع القوة.

المفارقة العربية.. حين يُبرَّر ما لا يُبرَّر

على الضفة الأخرى، بدت الصورة أكثر إيلاما.ففي الوقت الذي رفضت فيه دول غربية الجلوس مع مجرم حرب مطلوب للعدالة الدولية، قبلت بعض الدول العربية والإسلامية المشاركة، أو الترحيب، أو الاكتفاء بصمتٍ مريح.

الرجل لا يجمّل الاحتلال، ولا يتحدث عن "حل الدولتين"، ولا يبيع أوهام السلام؛ هو يقول الحقيقة كما تراها الإمبراطورية: لا عدالة، بل مصلحة، لا قانون، بل قوة. وهذا، رغم فظاعته، يسرّع حركة الزمن، ويسقط الأقنعة بسرعة، ويرفع مستوى الوعي

لسنا سذّجا لنجهل حجم الضغوط الأمريكية،ولا غافلين عن الابتزاز المالي والسياسي العلني الذي يمارسه ترامب. وقد يُفهَم -دون أن يُبرَّر- العجز عن قول "لا"، لكن ما لا يمكن فهمه، ولا تبريره مطلقا، هو القبول بعضوية نتنياهو. فحتى إن عجزوا عن رفض المجلس، كان يمكنهم رفض القاتل، وحتى إن خافوا من ترامب، كان يمكنهم الوقوف عند الحد الأدنى الأخلاقي. غير أن ما جرى كشف أزمة أعمق: أن بعض الأنظمة لم تعد ترى في غزة قضية مركزية، بل عبئا سياسيا.

وهنا، وعلى الرغم من سوداوية المشهد، تبرز مفارقة تستحق التوقّف. من موقعي هذا، لا أرى الشر كلّه كامنا في صراحة ترامب، بل إن في هذه الصراحة جانبا كاشفا -وربما مفيدا- على المدى التاريخي.

فالرجل لا يجمّل الاحتلال، ولا يتحدث عن "حل الدولتين"، ولا يبيع أوهام السلام؛ هو يقول الحقيقة كما تراها الإمبراطورية: لا عدالة، بل مصلحة، لا قانون، بل قوة. وهذا، رغم فظاعته، يسرّع حركة الزمن، ويسقط الأقنعة بسرعة، ويرفع مستوى الوعي، ويُنهي مرحلة الوهم التي استمرت عقودا تحت مسمى "عملية السلام". ترامب لا يصنع الظلم، هو فقط يعلنه بلا مكياج.

وغزة، بصمودها الأسطوري، كشفت هذا العالم كما لم يكشفه أحد من قبل. اليوم، لم تعد القضية فلسطينية فحسب، بل سؤالا إنسانيا شاملا: هل يُكافَأ القاتل بالسلام؟ وهل يُطلب من الضحية أن تتأقلم مع الإبادة؟

ما يُطرح اليوم ليس سلاما، هو إعادة استعمار، وما يُراد لغزة ليس إعادة إعمار، هو إعادة إخضاع. ولهذا لم تعد المعركة على مجلس، ولا على بيان، ولا على مؤتمر، بل على الوعي؛ وعي الشعوب التي بدأت ترى وتفهم،وتُسقط عنها أوهام النظام الدولي القديم.

ربما لم يعد لنا أمل في مؤسسات هذا العالم، لكن الخير -كل الخير- يبقى في الناس حين يستيقظون، وغزة.. كانت، وستبقى، شرارة هذا الاستيقاظ.
التعليقات (0)