هندسة الوعي (10): البخل المعرفي بين الغابة والريلز والإلحاد

مصطفى خضري
"عقولنا لا تعمل بوتيرة واحدة، بل تتنقل بين نظامين معالجة متميزين"- جيتي
"عقولنا لا تعمل بوتيرة واحدة، بل تتنقل بين نظامين معالجة متميزين"- جيتي
شارك الخبر
بعد أن فككنا في المقال الثامن الأنماط الأربعة للمنتج البشري المشوه (الإنسان الأداة، العقل التابع، النفس الهشة، والكائن الوظيفي)، وأدركنا في المقال التاسع أن هذه الأنماط (في معظم الأوقات) لا تُصنع قسرا، بل تُهندس عبر أبواب خلفية في فطرتنا الإدراكية والوجدانية؛ نصل الآن إلى لحظة المكاشفة الأولى مع الذات؛ إن أول معول يستخدمه مهندس الوعي لهدم حصون إرادتك ليس قوة السلاح ولا سطوة المال، بل هو قانون الجهد الأقل الكامن في تلافيف دماغك. نحن بصدد الحديث عن الظاهرة الإدراكية الأولى: الميل الفطري لتوفير الطاقة الذهنية، أو ما يُعرف علميا بالبخل المعرفي.

تخيل معي أحد الحكماء القدامى، يقف في قلب غابة كثيفة قبل عشرات الآلاف من السنين؛ الشمس تميل للغروب، والصمت يلف المكان إلا من حفيف خفيف للأشجار، فجأة، وعلى بعد أمتار قليلة، اهتزت إحدى الشجيرات بشكل غير معتاد، وظهر من بين أغصانها لمعان خاطف لعينين ذهبيتين وخصلات من فرو مخطط. في تلك اللحظة الحرجة، ولأن الحكيم يظن في نفسه الحكمة فقد بدا له أن يقف مكانه ويبدأ ببذل طاقة ذهنية هائلة لفك شفرة المشهد؛ فيتساءل: هل هذا الاهتزاز ناتج عن ريح عابرة أم كائن حي؟ وإذا كان كائنا، فهل كثافة اللون البرتقالي في فرائه تشير إلى نمر سيبري أم مجرد ثعلب بري؟ وهل زاوية انكسار الضوء على عينيه تعني أنه في وضعية الهجوم أم أنه مجرد عابر سبيل؟ وبينما الحكيم (كما يتوهم) غارق في هذا الترف الفكري واستهلاك السعرات الحرارية لتحليل البيانات، كانت المخالب قد اخترقت رقبته بالفعل. لقد مات (الحكيم)، وانتهت سلالته لأنه استهلك وقتا في التفكير كان يجب أن يستهلكه في النجاة.

وفي المقابل، كان جدنا في نفس الغابة ونفس الوقت، وما إن رأى طرف الفرو المخطط حتى قفز دماغه فورا إلى مختصر جاهز: "اهتزاز + لون برتقالي = خطر مميت = اهرب". لم يسأل جدنا عن التفاصيل التي استغرق فيها صديقه الحكيم، ولم يحلل نوع الحيوان، بل استجاب لأقل قدر من المعلومات (توفيرا للطاقة والوقت).

من أجل البقاء، طوّر الدماغ استراتيجية بيولوجية ذكية: البحث دائما عن أقصر الطرق وأقلها مجهودا لمعالجة المعلومات. هذه الميزة التي حمت الإنسان القديم من مخاطر الغابة عبر الاستجابة السريعة، هي ذاتها الثغرة التي يستغلها المهندس اليوم ليحولك من خليفة لله في الأرض مكلف بالتدبر، إلى ترس ماكينة مبرمج بالتبسيط

لقد نجا جدنا لأنه كان بخيلا معرفيا؛ فقد استبدل الحقيقة الكاملة باستنتاج سريع يحمي حياته. في الحقيقة نحن أحفاد ذلك الجد الناجي؛ لقد ورثنا منه هذا الدماغ الذي يكره التفاصيل المرهقة ويفضل الأنماط الجاهزة. ولكن، هنا تكمن المفارقة المرعبة: في الغابة، كان البخل المعرفي يحمينا من مخالب النمور، أما اليوم في غابة هندسة الوعي، فإننا في حاجة لتحليل الحكيم الذي افترسه النمر، فالبخل المعرفي الذي ورثناه عن جدنا الناجي هو الذي يسلمنا لقمة سائغة لمخالب مهندسي الوعي في العصر الحديث. إنهم يضعون أمامك اهتزازا في الأخبار، ولونا في الشعارات، ودماغك -طلبا للراحة- يقفز للنتيجة التي صمموها لك مسبقا، دون أن تدرك أنك تمارس آلية بقاء قديمة قد تصلح للغابة، في عالم يحتاج منك اليوم إلى أعلى درجات التفكير والتحليل.

لقد صمم الخالق سبحانه وتعالى العقل البشري ليكون جهازا فائق الذكاء، ولكنه أيضا اقتصادي بامتياز؛ فهو يمثل 2 في المئة فقط من وزن جسمك، ومع ذلك يستهلك 20 في المئة من طاقته. ومن أجل البقاء، طوّر الدماغ استراتيجية بيولوجية ذكية: البحث دائما عن أقصر الطرق وأقلها مجهودا لمعالجة المعلومات. هذه الميزة التي حمت الإنسان القديم من مخاطر الغابة عبر الاستجابة السريعة، هي ذاتها الثغرة التي يستغلها المهندس اليوم ليحولك من خليفة لله في الأرض مكلف بالتدبر، إلى ترس ماكينة مبرمج بالتبسيط.

ولفهم كيف نقع في شباك هندسة الوعي، يجب أن ندرك أن عقولنا لا تعمل بوتيرة واحدة، بل تتنقل بين نظامين معالجة متميزين، كما أصل لذلك عالم النفس دانيال كانيمان:

- النظام الأول (التفكير السريع)، وهو يعمل بشكل تلقائي، وانفعالي، ولا إرادي، ويستهلك قدرا ضئيلا جدا من الطاقة الذهنية؛ إنه الطيار الآلي الذي يعتمد على الأنماط الجاهزة والمختصرات الذهنية للنجاة.

- أما النظام الثاني (التفكير البطيء) فهو المسؤول عن المنطق، والتحليل العميق، والتدبر الوجودي، ولكنه مستهلك نهم للطاقة، يتطلب جهدا واعيا وتركيزا حادا.

تكمن المأساة في أن بيئة هندسة الوعي الحديثة مصممة بدقة متناهية لتبقينا أسرى النظام الأول. إن المحتوى الرقمي المتدفق، والخطابات الشعبوية المختزلة، والقوالب البصرية السريعة، ليست مجرد ترفيه، بل هي أدوات تدجين معرفي تحفز النظام الأول وتكافئ كسلنا البيولوجي بإجابات جاهزة، بينما تجعل تشغيل النظام الثاني -وهو السبيل الوحيد للتفكير الحر والتدبر- عملية مرهقة ومكلفة إراديا. نحن نعيش في مفارقة مريرة: كلما ازداد العالم تعقيدا واحتياجا لنقدنا التحليلي، نجح المهندسون في دفعنا نحو التبسيط المريح، محولين عقولنا من أجهزة تدبرٍ إنسانيةٍ رحبة إلى مجرد مستقبلاتٍ خاملةٍ لأنماطٍ مسبقةِ الصنع.

في هذا المقال، سنكشف كيف يتحول هذا الدماغ الكسول -الذي يكره عناء التفكير- إلى المختبر الأول الذي تُصبُّ فيه قوالب الاستلاب البشري.

كيف يتم توظيف توفير الطاقة لصناعة الأنماط البشرية المستلبة؟

أولا: صناعة الإنسان الأداة

تخيل أحد المواطنين الشرفاء الذي يحاول بصعوبة موازنة احتياجات أسرته في ظل أزمة اقتصادية طاحنة وجدل سياسي محتدم يملأ الفضاء الإلكتروني. القنوات المعارضة والتقارير البحثية تقدم له أرقاما مرعبة، وسياقات تاريخية معقدة، وتحليلات تتطلب منه جهدا ذهنيا جبارا لفهم الأسباب العميقة لما يحدث؛ هذه الروايات تبدو لدماغه المنهك كغابة من الأسلاك الشائكة التي يخشى الاقتراب منها توفيرا لطاقته النفسية والذهنية. هنا، يتدخل مهندس الوعي التابع للنظام، ليس بالحوار أو المنطق، بل ببناء جسر مضاء فوق هذا الضباب كله؛ يضع أمامه صورة واحدة متكررة لزعيم ملهم، وخلفه شعار بسيط من كلمتين: نحن نبني.. وهم يهدمون.

مواطننا الشريف، الذي لا يملك سعرة حرارية واحدة فائضة لتمحيص الأرقام أو مراجعة وعود الماضي، يجد في هذا الشعار ملاذا ذهنيّا مريحا جدا. هو لا يتساءل: من هم الذين يهدمون؟ وكيف نبني والواقع يضيق؟ بل يختار المسار الأقل مقاومة؛ فالتصفيق للسلطة وتبني روايتها يمنحه شعورا فوريا بالاستقرار واليقين دون أي مجهود تحليلي.

في تلك اللحظة، يتحول المواطن الشريف إلى إنسان أداة بامتياز، تجده في نقاشات المقاهي أو عبر صفحته الشخصية يدافع بضراوة عن سياسات تزيد من أعبائه، ليس لأنه اقتنع بجدواها، بل لأنه استسلم لسهولتها. لقد أصبح جهاز استقبال يكرر الكتالوج الذي وضعه المهندس، ظنا منه أنه يمارس الوطنية أو الوعي بالواقع، بينما الحقيقة أنه اختار الراحة المعرفية وهرب من عناء المساءلة.

لقد نجح المهندس في تحويل البخل المعرفي عند المواطن الشريف إلى صمام أمان للنظام؛ حيث جعل التأييد هو الفعل التلقائي الذي لا يحتاج لتفكير، وجعل المعارضة أو النقد هو الطريق الوعر الذي يتطلب جهدا وبحثا وتضحية، فاختار المواطن الشريف -كجده في الغابة- الطريق الأسهل للنجاة المتوهمة، ليصبح في النهاية أداة تصفق لجلادها الاقتصادي بوفاء آلي مذهل.

المهندس هنا لم يحتج لإقناعه بمنطقية الفعل، بل يحتاج فقط لجعل الفعل سهلا ذهنيا. من خلال الشعارات القصيرة والرموز البصرية المكررة، يتم تحويل القضايا الكبرى إلى ردود أفعال منعكسة. عندما يرى الإنسان الأداة إعلانا أو توجيها، فإنه يمتثل له لأنه الطريق الأقل مقاومة الذي لا يتطلب وقفة لمساءلة النفس، فيتحول إلى وحدة تفريغ اقتصادية تعمل بالتحكم عن بعد.

ثانيا: صناعة العقل التابع

تخيل أحد الأطباء الماهرين الذي يجلس في استراحة المستشفى منهكا بعد يوم عمل طويل استنزف فيه كل وقوده الذهني؛ يفتح هاتفه باحثا عن معرفة الجديد في عالم الطب، لكنه حين يرى أمام عينيه مقالاتٍ تحليلية طويلة، أو تقارير بحثية معمقة، يشعر بثقلٍ مفاجئ في عينيه؛ فدماغه البخيل يُرسل له إشارات تحذيرية: قراءة هذا المحتوى ستُكلفنا مجهودا ذهنيا لا نملكه الآن! هنا، يظهر له مقطع فيديو قصير مدته ستون ثانية، يقدم خلاصة القول في تقنية طبية معقدة عبر موسيقى حماسية وكلمات سريعة ومتقطعة. بالنسبة لدماغ الطبيب المنهك، هذا المقطع هو الخيار الاقتصادي الأمثل. هو لا يشاهد المقطع لأنه يؤمن بمحتواه، ولا لأنه يثق في صانعه، بل لأنه يستهلك أقل كمية ممكنة من الطاقة الذهنية للوصول إلى شعورٍ زائفٍ بالإحاطة. الطبيب الماهر هنا لا يختار المقطع ليتعلم، بل ليرتاح، إنه يبحث عن المعلومة المسبقة الهضم التي لا تتطلب منه التفكير في الجذور، أو ربط الأحداث ببعضها، أو حتى بناء استنتاج مستقل.

مع مرور الوقت، يعتاد دماغ طبيبنا الماهر على هذا النمط؛ فكلما واجه فكرة تتطلب جهد تفكير أطول من دقيقة، يرفضها فورا ويُصنفها كمحتوى مزعج. لقد أصبح طبيبنا عقلا تابعا، لا لأنه يقلد أحدا، بل لأنه أدمن السهولة. لقد تحولت هذه المقاطع القصيرة إلى كبسولات معرفية تغذي كسله البيولوجي، فصار عاجزا عن استيعاب أي معلومة تتطلب جهد التحقق أو طول النَفَس التحليلي.

في تلك اللحظة، يكتشف الطبيب -إذا كان لديه بقية من وعي- أن عقله لم يعد محللا للأحداث، بل أصبح مجرد مستقبلٍ خامل ينتظر جرعته اليومية من المعلومات السريعة. هو يظن أنه يتطور معرفيا، بينما الحقيقة أن البخل المعرفي لديه قد أصبح نمط حياة، وصار عاجزا عن النفاذ إلى جوهر أي قضية؛ لأن المهندس أدرك أن الطريق الأقصر لتدجين عقلك هو أن يجعل التفكير هو الخيار الأكثر كلفة، والاستهلاك السريع هو الخيار الأكثر راحة.

هذا النمط الذي شرحناه، سواء كان طبيبا كمثالنا، أو رجل أعمال، أو حتى مزارعا بسيطا في أعماق الريف؛ هو الزبون المخلص لتوفير الطاقة. إنه يعاني من الكسل الذهني لأنه يفضل استهلاك خلاصات جاهزة بدلا من بناء استنتاج مستقل. المهندس يغذي هذا الميل بالتبسيط المخل؛ حيث تُقدم له أحداث العالم المعقدة في شكل كبسولات سهلة الهضم. هذا يعفيه من عناء البحث في الجذور، فيتحول عقله إلى جهاز استقبال يرفض أي معلومة تتطلب جهد التحقق.

ثالثا: صناعة النفس الهشة

تخيل مهندسة شابة تمتلك عقلا تحليليا دقيقا، تتابع وصول لاجئين من دولة مجاورة فروا من إبادة جماعية؛ أمامها خياران:

الخيار الأول (المكلِف): أن تدرس أبعاد الأزمة، وتناقش التناقضات بين حقوق الإنسان والموارد المحلية، وتتحمل عناء عدم اليقين والأسئلة الأخلاقية التي لا تملك لها إجابة جاهزة. هذا الخيار يحرق قدرا هائلا من الطاقة الذهنية.

الخيار الثاني (الموفِّر): أن تتبنى شعار التيار القومي المتعصب: هم يقاسموننا الرزق. هذا الشعار يغلق باب التفكير تماما، ويحول المسألة من معضلة أخلاقية معقدة إلى معادلة حسابية بسيطة.

هي هنا لا تتبنى الخطاب القومي بسبب كرهٍ أو تعصب، بل لأن دماغها -الذي استُنزف في تفاصيل عملها اليومي- يرفض الخيار الأول جملة وتفصيلا. الخيار الأول يضع دماغها في حالة تنبيه قصوى تتطلب طاقة لا تملكها، بينما الخيار الثاني (القومي المتعصب) يعمل كمخدر معرفي يوفر لها الراحة النفسية التامة، ويجعل القرار محسوما دون أي عناء. هي لا تختار هذا الموقف لأنها مقتنعة به، بل لأن تعقيد الحقيقة يبدو لها شاقا ومكلفا، فتقوم بتبني الخطاب الجاهز لأنها تريد أن ترتاح من عبء التفكير.

في تلك اللحظة، تحولت هذه المهندسة الشابة إلى نفس هشة ليس لأنها ضعيفة الشخصية، بل لأنها اقتصادية للغاية في استهلاك جهدها الذهني. لقد أصبح الخطاب المتعصب هو الكتلة التي يسكن فيها عقلها، لا اقتناعا، بل لأن عقلها قرر أن التفكير في مأساة اللاجئين هو عملية استنزاف للطاقة لا يقبل القيام بها. لقد أصبح البخل المعرفي هنا هو الجدار الذي تعيش خلفه؛ ترفض رؤية الحقيقة لا لأنها لا تراها، بل لأن رؤيتها تتطلب تكلفة ذهنية قررت المهندسة الشابة -بأمر من جهازها العصبي- ألا تدفعها.

فبناء موقف أخلاقي صلب يتطلب طاقة نفسية وذهنية هائلة لمواجهة الضغوط. هنا، يختار الدماغ توفير الطاقة عبر تبني الموقف السائد في الوسط الثقافي (القطيع). النفس الهشة تتبنى الرواية المهيمنة ليس اقتناعا، بل لأن الرفض يتطلب طاقة مقاومة، أما القبول والتبلد فهو وضع السكون الذي يحافظ على طاقة الفرد ويحميه من الصدام المرهق مع المنظومة.

وهنا يجب أن ندرك أن عقولنا تعمل وفق مسارين منفصلين: التفكير الوظيفي وهو الذي تستخدمه المهندسة في عملها، حيث يعتمد على خوارزميات العقل الجاهزة، والمنطق الصارم، وتطبيق القوانين الرياضية؛ وهذا النوع من التفكير موفر للطاقة لأنه يسير في مسارات عصبية ممهدة ومكررة. أما التفكير الإنساني أو الوجودي، فهو عملية مختلفة تماما؛ إنه يتطلب جهدا واعيا خارجيا لكسر حاجز البخل البيولوجي، لأنه لا يعتمد على إجابات جاهزة، بل على تأمل التناقضات، واستحضار المعاناة، والبحث عن المعنى.

المشكلة الحقيقية تكمن في أن المهندسة (أو غيرها)، بعد يوم من استنزاف وقودها الذهني في التفكير الوظيفي، تجد خزاناتها العقلية فارغة، فلا تعود قادرة على دفع ضريبة الطاقة العالية التي يتطلبها التفكير الإنساني. وهكذا، تنزلق لا إراديا؛ ليس لأنها أقل ذكاء، بل لأنها أصبحت -بيولوجيا- غير قادرة على تمويل الفكر الذي يجعلها إنسانية.

رابعا: صناعة الكائن الوظيفي

تخيل أحد المبرمجين المحترفين، في لحظات الهدوء التي تلي يوم عملٍ مضنٍ، قد يباغته تساؤلٌ حول ماهية الوجود وغائية الكون. هذه التساؤلات، من منظور البيولوجيا المعرفية، ليست مجرد أفكار، بل هي عملية معالجة بيانات فائقة التعقيد. فهي تتطلب من الدماغ أن يربط بين المتناقضات، وأن يبحث عن أنماط كونية، وأن يحلل احتمالاتٍ تتجاوز المعطيات المادية المباشرة.

هذا النوع من التفكير يضع النظام التحليلي في حالة استنفار قصوى، مما يرفع معدلات استهلاك الطاقة في القشرة الجبهية إلى أقصى مستوياتها. الدماغ -الذي بُرمج عبر آلاف السنين على "البخل المعرفي"- يرسل فورا إشارة إنذار طاقي: هذا النمط من التفكير يستهلك موارد تفوق الميزانية الحيوية المتاحة! هنا، يتبنى العقل النموذج المادي الصرف (الإلحاد) كاستراتيجية دفاعية، ليس بوصفه موقفا فلسفيا ناتجا عن بحث، بل بوصفه خوارزمية تقليم معرفي.

والسؤال هنا، كيف تعمل هذه الخوارزمية كأداة اقتصادية للعقل؟
يختار الكائن الوظيفي إغلاق ملف المعنى والاكتفاء بالوظيفة، لأن هذا يريحه من عبء الرسالية. إنه يفضل أن يكون ترسا يخبره المشغل كيف يدور، على أن يكون إنسانا يحمل أمانة الاختيار

1- حذف المتغيرات المكلفة: يقوم الدماغ فورا باستبعاد أي متغير لا يمكن قياسه أو ملاحظته حسيا (الغيب، الروح، الغائية). هذا الإجراء يوفر مجهودا ذهنيا هائلا؛ فبدلا من محاولة فهم تعقيدات المعنى أو الغاية، يتم إلغاؤها من جدول البيانات الخاص بالعقل، مما يقلل فورا من الحمل المعرفي.

2- الإغلاق القسري للملفات: بمجرد تبني المادية، يغلق العقل ملفات البحث الوجودي نهائيا، وبدلا من أن يظل الدماغ مفتوحا على احتمالات لا نهائية (وهذا يتطلب استمرار المعالجة)، تُعتبر الفرضية المادية حقيقة مطلقة ومغلقة. هذا الإغلاق يوقف نزيف الطاقة الناتج عن الحيرة، ويمنع استهلاك أي طاقة إضافية في التساؤل.

3- الاستقرار في النظام المغلق: يجد العقل في النموذج المادي نظاما مغلقا بسيطا؛ حيث السبب يتبعه نتيجة مادية مباشرة وقابلة للتوقع. هذا التبسيط يحول لغز الوجود إلى معادلة وظيفية واضحة، مما يضمن له راحة ذهنية مستدامة بعيدا عن التكاليف العالية للتفكير الوجودي. في هذه الحالة، يتحول الفرد إلى كائن وظيفي بامتياز؛ إذ يختار الانغماس في تفاصيل العمل المادي، وحسابات الربح والخسارة، وإدارة الأنشطة اليومية، لأنها مهام تكرارية تتطلب حدا أدنى من الطاقة الذهنية. هو يرفض التفكير خارج حدود المادة ليس لأن التفكير مُحرم، بل لأن عقله يرى في ذلك بذخا طاقيا غير مقبول.

لقد أصبح البخل المعرفي هو المهندس الفعلي لهذا الكائن الوظيفي؛ فقد نجح في تقليص إنسانيته إلى حدود وظيفته المادية. إن هذا الكائن يعيش وجودا مختزلا بامتياز، لا لأنه يفتقر للذكاء، بل لأنه اقتصاديٌّ بامتياز. هو يرفض أن يحمل أمانة الاختيار أو عناء البحث عن الغاية، لأنها ببساطة تكلفه أكثر مما يملك من وقود ذهني. لقد اختار أن يكون ترسا في منظومة مادية صماء، ليضمن لنفسه حياة خالية من ضريبة التفكير المعقد، آمنا خلف جدار المادة الذي يمنعه من صرف طاقته في أي شيء يتطلب معالجة وجودية عالية التكلفة. فالأسئلة الوجودية الكبرى (من أنا؟ ولماذا خُلقت؟) هي أكثر الأسئلة استهلاكا للسعرات الحرارية الذهنية في التاريخ؛ المهندس يقدم الكتالوج المادي كحل نهائي ووحيد؛ اعمل، استهلك، استمتع.

يختار الكائن الوظيفي إغلاق ملف المعنى والاكتفاء بالوظيفة، لأن هذا يريحه من عبء الرسالية. إنه يفضل أن يكون ترسا يخبره المشغل كيف يدور، على أن يكون إنسانا يحمل أمانة الاختيار. وهذا المصير ليس حكرا على المثال، بل هو مصير كل من يستنزف وقوده الذهني في التفكير الوظيفي دون أن يبقي للتفكير الإنساني نصيبا.

وقد نبهنا الله تعالى مرارا وتكرارا لعدم الانزلاق في هذا الفخ، في قوله تعالى: "أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ"، "أَفَلَا تَعْقِلُونَ"، فاقتصاد الطاقة له أوقاته وظروفه الخاصة وليس نمطا مستمرا للحياة.

إن التحرر من هذا القيد المعرفي يبدأ عندما تدرك أن الرواية السهلة هي في الغالب مزيفة، وأن الوعي الحقيقي ثمنه جهد البحث والتدقيق. فالتفكير في المنهج الإسلامي ليس رفاهية، بل هو فعل مقاومة يخرجك من حالة الاستجابة الغريزية الآلية إلى إعمال الفكر والعقل.
التعليقات (0)

خبر عاجل