هندسة الوعي (8): الأنماط البشرية القابلة للاستلاب

مصطفى خضري
"الوعي بالغايات هو أول دروع الحماية؛ فبمجرد أن تدرك النموذج الذي يريدون صبك فيه، تبدأ قدرتك على المقاومة"- جيتي
"الوعي بالغايات هو أول دروع الحماية؛ فبمجرد أن تدرك النموذج الذي يريدون صبك فيه، تبدأ قدرتك على المقاومة"- جيتي
شارك الخبر
بعد أن طفنا في المقالات السابقة داخل مختبرات هندسة الوعي الثلاثة: السياسي، والتجاري، والأيديولوجي، وفككنا آليات عمل المشغلين وكيفية اختطافهم للغة والسردية والهوية؛ نصل الآن إلى السؤال الجوهري الذي يربط كل تلك الجهود ببعضها: ما هو المنتج النهائي الذي تسعى هذه المختبرات لإنتاجه؟

إن هندسة الوعي ليست مجرد محاولات لتغيير رأي شخص ما في مرشح سياسي أو إقناعه بشراء منتج استهلاكي ولا بالانتماء لحزب أو جماعة فقط؛ بل هي عملية إعادة تدوير شاملة لماهيته البشرية. الغاية النهائية هي تحويله من إنسان يملك زمام إرادته، إلى منتج مهندس بدقة، يتوافق مع مصالح المشغلين.

وهذا لا يعني أن جميع البشر يخضعون لهذه العمليات أو ينساقون لها بشكل كامل، فجميعنا نقع بشكل أو بآخر في هذا الفخ، بل ونُوقع فيه غيرنا، وأحيانا ينساق بعضنا إليه وهم واعيون تماما، في حالة من الانحياز للأقوى إما خوفا أو طمعا.

ويمكننا تصنيف هذه الغايات النهائية في أربعة أنماط بشرية مشوهة، يمثل كل منها بعدا من أبعاد الاستلاب:

عملية إعادة تدوير شاملة لماهيته البشرية. الغاية النهائية هي تحويله من إنسان يملك زمام إرادته، إلى منتج مهندس بدقة، يتوافق مع مصالح المشغلين

أولا: صناعة الإنسان الأداة

تأمل معي شابا مكافحا يعمل موظفا في إحدى المناطق الصناعية، يقضي عشر ساعات يوميا في وردية شاقة بالإضافة إلى أوقات الذهاب والإياب؛ يعود إلى غرفته المتهالكة في أطراف المدينة منهك القوى، لا يملك طاقة للحديث مع جيرانه الذين يشاركونه نفس المعاناة، ولا يجد وقتا لزيارة أهله في القرية؛ فهو يعيش حالة اغتراب اجتماعي قسري، جعلت منه ذرة مستقلة في زحام المدينة، بلا ظهر اجتماعي يحميه أو حضن أسري يسنده، غارقا في فردانية متطرفة فرضتها عليه لقمة العيش.

وبخلاف ما يظن البعض من أن الاستهداف يقتصر على الطبقة المخملية والذين لا يمثلون أكثر من 1 في المئة من السوق؛ فإن هذا الشاب، رغم ضيق ذات يده، هو المستهلك المثالي الذي تستهدفه المنظومة؛ فهو وحدة تفريغ اقتصادية مبرمجة، يقتطع من عرق يومه ليشتري أحدث هاتف ذكي، أو ملابس ماركة يراها في إعلانات المشاهير، ليس ترفا، بل ليعوض به شعوره بالدونية والضياع عبر استهلاك نهم يملأ به فراغه الوجودي.

وعندما تطلق المنظومة حملة لتبني سياسة اقتصادية تزيد من أعبائه، أو تروج لنمط حياة يخدم المشغلين، تجده يدافع عنها بحماس ذاتي في نقاشات المقاهي أو على صفحته الشخصية، دون أن يدرك أنه يمارس أعلى درجات الامتثال الطوعي؛ فهو يظن أنه يدافع عن التحضر أو المستقبل، بينما هو يتبنى كتالوج المشغل الذي يستنزفه.

أما فاعليته في الواقع فهي صفرية؛ هو يعيش حالة من العطالة الحركية، حيث يستهلك مآسي العالم وأخبار الحروب وجدانيا خلف شاشته الصغيرة في فترات الراحة، يفرغ غضبه في تعليق غاضب أو مشاركة لقصة مؤثرة، ثم يعود لوظيفته وهو يشعر براحة ضمير زائفة، دون أن يملك القدرة أو الوعي للقيام بأي فعل جماعي حقيقي يغير واقعه.

لقد تحول هذا الإنسان إلى أداة في يد مهندسي الوعي: يستهلك ما يُنتَج، ويمتثل لما يُؤمر، ويصمت عما يُفعل به، وهو في كل ذلك يظن أنه حر ومكافح يبني مستقبله.

المهندس هنا يستهدف تحويل أفعاله إلى استجابات آلية تخدم مصالح المشغل، مع تجريده من الروابط الاجتماعية التي قد تعيق هذا الامتثال. الغاية هنا هي إنتاج فرد يمكن توجيهه بسهولة كأداة منفردة من خلال:

1- الامتثال الطوعي: أن ينقاد للأجندات والسياسات دون حاجة لترهيب أو قوة صلبة، بل بدافع ذاتي.

2- الاستهلاك النهم: تحويله إلى وحدة تفريغ اقتصادية تشتري المنتجات، الأفكار، والأنماط لضمان تدفق الأرباح والنفوذ.

3- العطالة الحركية: الوصول به إلى حالة المتفرج الذي يستهلك الأحداث وجدانيا خلف الشاشات دون أي فاعلية حقيقية على الأرض.

4- الفردانية المتطرفة: أن يرى نفسه كذرة مستقلة تماما، بلا التزامات تجاه مجموع مثل أسرة أو أمة، مما يسهل الاستفراد به وتوجيهه كأداة منفردة.

5- الاغتراب الاجتماعي: الشعور بأن الآخرين حتى الأقربين هم غرباء أو منافسون، مما يقتل روح التعاون الفطري ويجعل الفرد أكثر قابلية للتحكم.

هذا النمط (الإنسان الأداة) يتميز بالانغماس في الماديات والاستجابة الآلية للشهوات دون وعي غائي. وقد حذرنا الله من الغفلة والاستهلاك المحض في قوله تعالى: "وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوى لَّهُمْ"؛ هنا إشارة للاستجابة الآلية للغرائز كالأداة دون إرادة حرة. وقد حذرنا الله كذلك من ضياع الهوية في قوله تعالى: "يَعْلَمُونَ ظَاهِرا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ"، وهو وصف دقيق لمن يعرف كتالوج الاستهلاك والماركات لكنه يجهل غاية وجوده.

ثانيا: صناعة العقل التابع

تخيل معي أستاذا جامعيا وهو متابع نهم لبرامج التوك شو ومنصات التحليل السريع، يبدأ يومه بابتلاع رواية اليوم التي يضخها الخبراء المعتمدون والمؤثرون المبرمجون، وبرغم علمه وثقافته يعيش في حالة ارتهان معرفي كامل؛ حيث فقد القدرة على بناء استنتاج مستقل واحد، وأصبح جهازه الذهني مجرد جهاز استقبال لا يرى الواقع إلا من خلال العدسات التي يضعها له مهندسو الوعي.

هذا العقل الذي كنا نفترض فيه الثقافة والعلم هو ضحية عملية تسطيح وعي ممنهجة؛ جعلته أشبه بأنصاف المتعلمين، فهو يغرق في قشور الأحداث، ويجيد الجدل في النتائج والهوامش، لكنه يعجز تماما عن النفاذ إلى الأسباب أو فهم الجذور. وإذا حاولت استدعاء سياق تاريخي لحدث وقع قبل سنوات قليلة، ستجده يعاني من عدمية تاريخية حادة؛ فذاكرته مصفَّرة تبدأ وتنتهي مع تريند الأمس، مما يجعله كائنا بلا امتداد، يسهل تشكيل وعيه من جديد مع كل شروق شمس.

عقله لم يعد ملكه، بل أصبح نسخة معيارية ضمن نمذجة فكرية كبرى؛ ورغم مستوى تعليمه المرتفع إلا أنه يستخدم نفس المصطلحات، ويتبنى نفس الانحيازات، ويطلق نفس الأحكام التي يطلقها الملايين غيره في نفس اللحظة، مما يسهل إدارة تفكيره ككتلة واحدة قابلة للتنبؤ. وهو فوق ذلك مصاب بقصر نظر وجودي مزمن؛ يجعله عاجزا عن رؤية مآلات الأفعال أو التفكير الاستراتيجي، مكتفيا برد الفعل اللحظي والانفعال المباشر الذي صممه له المهندس، ليظل حبيس الآن الضيقة، عاجزا عن استشراف المستقبل أو التعلم من الماضي.

وغاية المهندس هنا السيطرة على جهاز المعالجة الذهني لديه لتحديد ما يراه وكيف يراه، مع بتر وعيه الزمني لضمان عدم بناء استنتاجات مستقلة من الماضي أو للمستقبل من خلال:

1- الارتهان المعرفي: أن يفقد القدرة على بناء استنتاج مستقل، ويصبح معتمدا كليا على المصادر المعتمدة للمهندس لتفسير الواقع.

2- تسطيح الوعي: تجريف القدرة على التحليل العميق وحصر العقل في القشور والنتائج بدلا من البحث في الأسباب والجذور.

3- النمذجة الفكرية: تحويل عقله إلى نسخة معيارية تفكر بنفس الطريقة التي يفكر بها الملايين، مما يسهل إدارة المجتمع ككتلة واحدة قابلة للتنبؤ.

4- العدمية التاريخية: أن يصبح كائنا بلا ذاكرة، لا يستلهم من ماضيه ولا يشعر بالانتماء لجذوره، فيسهل تشكيل وعيه من جديد كل يوم.

5- قصر النظر الوجودي: العجز عن رؤية مآلات الأفعال، والتركيز فقط على الإشباع اللحظي أو رد الفعل المباشر، مما يمنع التفكير الاستراتيجي المستقل.

هذا النمط حذر منه القرآن بشدة، خاصة في سياق التقليد الأعمى وإلغاء حاسة النقد والتبعية الفكرية كما في قوله تعالى: "إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا"؛ هذه الآية تلخص الارتهان المعرفي للمشغلين والخبراء المبرمجين للوعي.

وقد حذرنا القرآن أيضا من تعطيل أدوات الإدراك في قوله تعالى: "لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ". وهذا هو تسطيح الوعي بعينه، حيث الجهاز الذهني مجرد مستقبل لا يحلل.

ثالثا: صناعة النفس الهشة

تأمل هذا المشهد المتكرر لشاب عربي يعيش في حالة ارتباك وجودي مزمن، يربط قيمته الشخصية ومعنى وجوده بمدى توافقه مع الرموز والمعايير التي يطرحها النموذج الغربي المهيمن؛ فهو يعيش حالة تبعية عاطفية حادة، تجعل شعوره بالأمان والسعادة رهينا برضا المنظومة العالمية عنه، مما يدفعه للتنكر لهويته وتاريخه مقابل حقنة طمأنينة زائفة يشعر بها عندما يُوصف بأنه عصري أو منفتح أو داعية سلام.

هذا الشاب يعيش حالة من الغرق في الرهاب؛ حيث يتم إبقاؤه في قلق دائم من وصمة الإرهاب أو التخلف، ومن النبذ الاجتماعي في الدوائر المتحضرة إذا ما جهر بدعمه الصريح للمقاومة الفلسطينية، مما يعطل لديه غريزة المقاومة ويحوله إلى كائن يطلب الحماية والقبول من السجان الثقافي نفسه.

وتحت وطأة هذا الضغط النفسي المستمر، تم تحييد حساسيته القيمية؛ فمشاهد الإبادة الجماعية في غزة التي كانت تثير غضبه الفطري وتستفز مروءته في الماضي، أصبحت اليوم تمر أمامه ببرود تام، وكأنها صراع معقد أو نتائج مؤسفة للحرب لا تستدعي التوقف أو اتخاذ موقف أخلاقي حاسم.

لقد وصل هذا الشخص إلى مرحلة التبلد الأخلاقي الكامل؛ حيث فقد بوصلته الداخلية التي تميز بين الحق والباطل، وبين المعتدي والمعتدى عليه، وأصبحت معاييره الأخلاقية سائلة تتشكل حسب ما يمليه المهندس الغربي في كل لحظة.

هو لا يتقبل الجرائم فحسب، بل يجد لها تبريرات نفسية تقنعه بأن القبول هو الواقعية وأن التمسك بالحق الفلسطيني هو تطرف أو عجز عن فهم التوازنات الدولية، ليصبح في النهاية نفسا هشة، بلا عمود فقري أخلاقي، ويسهل كسرها أو تشكيلها وفق إرادة المشغل الذي استلب روحه قبل عقله، وجعله يرى في إبادة أهله وجهة نظر تستحق النقاش.

يستهدف المهندس هنا إعادة صياغة العالم الداخلي لهذا الشاب لتصبح مشاعره هي القيود التي تكبله، مع تجريده من البوصلة الأخلاقية الداخلية من خلال:

1- التبعية العاطفية: ربط شعوره بالأمان، أو السعادة، أو القيمة الشخصية في المنظومة أو الرموز التي يطرحها المهندس.

2- تحييد الحساسية القيمية: تبريد ردود أفعاله الفطرية تجاه الانحرافات، حتى يصل لمرحلة التبلد أو القبول بما كان مرفوضا.

3- الإغراق بالرهاب: إبقاؤه في حالة قلق وجودي دائم، مما يجعله يطلب الحماية والأمان من المهندس مقابل التنازل عن حريته.

4- التبلد الأخلاقي: فقدان البوصلة الداخلية التي تميز بين الحق والباطل، لتصبح معاييره هي ما يمليه المهندس في تلك اللحظة، مما يؤدي إلى فقدان القدرة على الحكم الأخلاقي المستقل.

هذا النمط يبيع ثوابته مقابل الأمان الزائف أو الخوف من "النبذ" والرهاب الاجتماعي والسياسي، كما أخبرنا الله في قوله تعالى: "إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" الشيطان (المشغّل) يستخدم الرهاب لكسر الإرادة. والتبلد تجاه الظلم (نموذج غزة وما شابه) سبق وأن أخبرنا الله عنه في قوله تعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة"؛ وهذا وصف دقيق لتحييد الحساسية القيمية، حيث لا تتحرك النفس لمشاهد الإبادة.

رابعا: صناعة الكائن الوظيفي

تأمل هذا النمط من الأشخاص الذين نقابلهم يوميا في المواقع الاجتماعية؛ مدعي ثقافة يتخذ من الإلحاد المادي غطاء لنخبوية زائفة، تم تفكيك شخصيته وإعادة تركيبها ليكون وحدة وظيفية محضة تخدم سردية المشغل العالمي. هو يعيش في حالة تجريف هوية شاملة؛ يرى في الدين تخلفا يمنعه من التحليق، وفي الأسرة قيدا اجتماعيا يعيق فردانيته، وفي التاريخ عبئا يجب التخلص منه. لقد تم فصله عن كل انتماء أصيل، ليصبح مادة خاما بلا ملامح، يسهل تشكيله وتبديله حسب الموضات الفكرية التي يضخها المشغل في مراكز الدراسات أو منصات التواصل.

الاستعمار الذاتي كغاية نهائية؛ حيث يتبنى هذا المثقف المزيف رؤية المهندس لنفسه وللكون بالكامل. هو لا يحتاج لسجان يراقبه، لأنه أصبح هو الحارس الشرس على زنزانته الفكرية، والعدو الأول لكل من يحاول تذكيره بفطرته أو هويته

هذا الكائن يعيش في فراغ وجودي ناتج عن تصفير الرسالية في حياته؛ فقد أُفرغ وجوده من أي غاية كبرى تتجاوز إثبات تميزه المعرفي المزعوم وإشباع غروره الثقافي. هو لا يسأل ما الحقيقة؟، بل يسأل كيف أبدو أكثر استنارة وحداثة في أعين المنظومة؟ لقد اختُزل وجوده في الدور الوظيفي الذي رسمه له المهندس كناقل للعدوى الفكرية في مجتمعه، ليصبح كائنا بلا أثر روحي، يرى في العدمية شجاعة فكرية وفي ضياعه تحررا من الأوهام.

الغاية المرعبة هنا هي وصوله إلى حالة الاستقالة الإرادية؛ حيث تم إقناعه عبر سنوات من البرمجة الثقافية بأن الحقيقة محصورة في المختبرات المادية وقوانين السوق، فيسلم قياده للمهندس طواعية، شاعرا بفخر زائف في التخلي عن عبء المسؤولية الأخلاقية تجاه أمته وقيمه، ومعتبرا ذلك موضوعية وحيادا علميا.

وفي قمة هذا الهرم، يبرز الاستعمار الذاتي كغاية نهائية؛ حيث يتبنى هذا المثقف المزيف رؤية المهندس لنفسه وللكون بالكامل. هو لا يحتاج لسجان يراقبه، لأنه أصبح هو الحارس الشرس على زنزانته الفكرية، والعدو الأول لكل من يحاول تذكيره بفطرته أو هويته. هو يدافع عن قيوده المادية بضراوة، ويرى في استلابه قمة الوعي، وفي ضياعه الوجودي استنارة، ليتحول في النهاية إلى منتج بشري كامل المواصفات، يخدم المنظومة بوفاء العبيد، وهو يظن في قمة وهمه ونرجسيته أنه سيد قراره وأنه العقل الحر في عالم من القطيع.

وغاية المهندس الكبرى هنا أن يستهدف أصل هذا المثقف المزيف ووجوده ومعناه، وتجريده من إرادته الحرة لتصبح مجرد وظيفة ضمن منظومة المشغل كالتالي:

1- تجريف الهوية: فصله عن أي انتماء يتجاوز الفردانية مثل الدين أو الأسرة أو التاريخ، ليصبح مادة خاما سهلة التشكيل والتبديل.

2- تصفير الرسالية: إفراغ حياته من أي غاية عليا أو قضية كبرى، واختزال وجوده في تلبية الغرائز والوظائف المادية.

3- الاستعمار الذاتي: وهي الغاية النهائية؛ أن يتبنى رؤية المهندس لنفسه وللكون، فيصبح هو الحارس على سجنه، والعدو الأول لكل من يحاول توعيته.

4- الاستقالة الإرادية: أن تصل لمرحلة العجز المتعلم، حيث يشعر أن قراراته لا قيمة لها، فيسلم قياده للمهندس طواعية، مما يلغي جوهر الإرادة الحرة.

هذا هو النمط الأشد خطورة، حيث ينسى الإنسان نفسه ويتحول لترس يخدم سجانه. وقد أخبرنا الله عن هذا النمط الذي يعيش حالة نسيان النفس والغاية في قوله تعالى: "وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، فعندما تُجرف الهوية (نسيان الله)، ينسى الإنسان كينونته ويصبح مادة خاما للآخرين.

كما أخبرنا الله في صيغة التحذير عن الاستعمار الذاتي والدفاع عن الباطل في قوله تعالى: "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعا"، فهذا هو المثقف المزيف الذي يرى في استلابه استنارة وفي ضياعه تحررا.

كما حذرنا االله من الاستقالة الإرادية (العجز المتعلم) في قوله تعالى: "قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ"، فالقرآن الكريم لم يقبل عذر الاستضعاف الناتج عن الاستقالة الإرادية وترك الأرض للمهندس.

إن هذا الإطار المدمج يوضح أن هندسة الوعي لا تستهدف السيطرة على سلوكيات الإنسان فحسب، بل تستهدف إعادة خلقه ككائن مستلب، ومنفصل، وتابع، وهش. إنها تحاول تحويل الخليفة في الأرض إلى ترس في الماكينة، كما يوضح لنا الإطار كيف حذرتنا الشريعة الإسلامية من الذوبان في هذه الأنماط البشرية غير السوية والتي تتنافى مع الإنسان المكرم الذي خلقنا الله عليه.

الوعي بهذه الغايات هو أول دروع الحماية؛ فبمجرد أن تدرك النموذج الذي يريدون صبك فيه، تبدأ قدرتك على المقاومة.

وفي المقال القادم، سننتقل من غايات المشغل إلى ثغرات الضحية، لنفهم تلك الظواهر البشرية الفطرية؛ كحاجتنا إلى اليقين، وخوفنا من العزلة، وشوقنا للمعنى، التي تجعلنا أرضا خصبة لهذا الاستلاب. سنكشف كيف تحولت أدوات بقائنا إلى أبواب خلفية يدخل منها المهندسون، وكيف نحمي أنفسنا قبل فوات الأوان.
التعليقات (0)