هندسة الوعي (16): صناعة الخوف بين هيروشيما وطوفان الأقصى

مصطفى خضري
"نجحت أمريكا في تحويل لحظة الرعب في هيروشيما إلى قانون دولي غير مكتوب"
"نجحت أمريكا في تحويل لحظة الرعب في هيروشيما إلى قانون دولي غير مكتوب"
شارك الخبر
بعد أن كشفنا في المقال السابق عن كيفية استغلال مهندسي الوعي لظاهرة التعلم عبر التشابه في إدارة المجتمعات، ننتقل اليوم إلى المحرك الأقدم والأكثر فتكا في ترسانة مهندس الوعي؛ وهي ظاهرة الخوف.

لطالما كانت الغابة هي المرجعية الأولى التي استقي منها الإنسان تجاربه، حيث القوة هي المعيار الوحيد للحق، والناب والمخلب هما لغة الحوار السائدة، حيث يتربع الخوف كقانون أوحد، ليس فقط لإخضاع الفرائس، بل لضبط إيقاع القطيع وتثبيت هيبة المفترس. إن الحكم من خلال بث الخوف ليس ابتكارا سياسيا حديثا، بل هو ارتداد نحو قانون الغابة، حيث يتم تجريد الإنسان من سماته العقلية والأخلاقية وإعادته إلى مرتبة الكائن الغريزي الذي لا يتحرك إلا بسوط الترهيب أو رعب الفناء.

إن مهندس الوعي الذي يختار الرعب كأداة للحكم، يدرك جيدا أن الخوف هو أسرع الوسائل لتعطيل القشرة المخية المسؤولة عن المنطق، وتفعيل ما يسمى الدماغ الزاحف الذي لا يعرف سوى الهروب أو الخضوع. حين يسود قانون الغابة في أروقة الحكم، تصبح الدولة مجرد آلة ضخمة لتوليد القلق الدائم، وتصوير الوجود كمعركة صفرية مستمرة، حيث يتم استبدال دولة القانون بدولة الطوارئ التي تبرر القمع باسم حماية الوجود. إن هذا المقال يسعى لتشريح هذه الظاهرة، وكيف استطاعت القوى المهيمنة، محليا ودوليا، أن تستعير مخالب الغابة لتزرعها في وعي الشعوب، محولة الإنسان من خليفة مكرم يمتلك إرادة الاختيار، إلى كائن مرتجف في حظيرة الاستعباد الطوعي التي لا تدار بالترغيب، بل بالتلويح الدائم بقنابل الدمار الشامل، ماديا ومعنويا، ليبقى الجميع حبيس المربع الأول من مصفوفة البقاء: مربع الخوف الذي يسبق الوعي، والرهبة التي تخضع الدول والإمبراطوريات.

العبقرية الأمريكية هنا تكمن في تحويل الحدث التاريخي إلى رعب سرمدي، حيث استطاعت القوة التي ألقت تلك القنابل أن تحتكر ذاكرة الألم وتوظفها من خلال هندسة الوعي لفرض سيادة لا تقبل الجدل

لم يكن انفجار قنبلتي الولد الصغير والرجل البدين النوويتين فوق اليابان مجرد خاتمة عسكرية للحرب العالمية الثانية، بل كان إعلانا كونيا عن ولادة الإمبراطورية الأمريكية التي أخضعت تحت سطوتها عروشا وممالك وإمبراطوريات عريقة، إما بالاحتلال المباشر أو بالتبعية الاستراتيجية القائمة على الرعب. لقد تحولت الولايات المتحدة منذ عام 1945 إلى المركز الذي تنجذب إليه بقايا القوى العظمى المنهكة، لتبدأ عملية إعادة صياغة الخريطة العالمية وفق موازين القوة الجديدة.

كانت اليابان هي الضحية المباشرة والمثال الحي لقانون الغابة الجديد؛ خضعت الإمبراطورية التي كانت تقدس إمبراطورها كإله، لاحتلال عسكري أمريكي مباشر بقيادة الجنرال دوغلاس ماكارثر. أُجبرت اليابان على توقيع معاهدة سان فرانسيسكو، وجُرّدت من مخالبها العسكرية عبر المادة التاسعة في دستورها، لتتحول من إمبراطورية توسعية إلى قاعدة عسكرية كبرى ومختبر اقتصادي تابع للمنظومة الرأسمالية الأمريكية تحت الحماية النووية.

أما الإمبراطورية البريطانية، ورغم وقوفها في معسكر المنتصرين، إلا أنها خرجت من الحرب مثقلة بالديون للولايات المتحدة. مثّل عام 1945 بداية النهاية لسيادة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس؛ خضعت لندن للهيمنة المالية الأمريكية عبر خطة مارشال ونظام بريتون وودز، واضطرت لاحقا تحت الضغط الأمريكي (كما حدث في العدوان الثلاثي 1956) للتخلي عن مستعمراتها في آسيا وأفريقيا، لتتحول من سيدة البحار إلى الحليف التابع الذي يدور في فلك السياسة الخارجية لواشنطن.

وفي القارة العجوز، خضعت فرنسا والممالك الأوروبية (مثل هولندا وبلجيكا والنرويج) لسطوة الخوف من التمدد السوفييتي من جهة، والرعب من النووي الأمريكي من جهة أخرى. هذه القوى التي كانت تستعمر نصف الكرة الأرضية، وجدت نفسها محميات أمريكية ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو). أصبحت قراراتها السيادية مرهونة بالمظلة النووية الأمريكية، حيث استُبدلت جيوشها الإمبراطورية بمنظومة أمنية متكاملة تقودها واشنطن، مما حوّل القارة العجوز من صانعة للقرار العالمي إلى ساحة نفوذ أمريكية.

وخضعت ألمانيا (المقسمة) وإيطاليا والممالك التابعة لهما لعملية إعادة تأهيل شاملة؛ حيث تم تفكيك البنى الفكرية والعسكرية لهذه الدول وإعادة بنائها لتكون ترسا وظيفيا في ماكينة الحرب الباردة. خضعت هذه الدول لرقابة أمنية واستخباراتية أمريكية لصيقة، وضُمنت تبعيتها عبر القواعد العسكرية الدائمة التي لا تزال قائمة حتى اليوم، كشاهد على صك الخضوع الذي كُتب بلهيب الذرّة.

وامتدت السطوة لتشمل ممالك وأنظمة في الشرق الأوسط وشرق آسيا، حيث تم استبدال النفوذ الاستعماري القديم (الفرنسي والبريطاني) بنظام ملء الفراغ الأمريكي. أصبحت هذه الممالك تدور في فلك المصالح النفطية والاستراتيجية لواشنطن، محكومة بمعادلة الأمن مقابل التبعية، وهو ما رسخ مفهوم الكائن الوظيفي على مستوى دول كاملة تؤدي أدوارا محددة لخدمة استقرار الإمبراطورية العالمية الجديدة.

لقد نجحت أمريكا في تحويل لحظة الرعب في هيروشيما إلى قانون دولي غير مكتوب، جعل من الانضواء تحت لواء القطب الواحد هو السبيل الوحيد لتجنب الدمار الشامل، لتسود العالم بمزيج من السيادة التقنية والهندسة النفسية التي جعلت العروش تنحني أمام تفوق المخالب النووية.

 وبرغم امتلاك تسع دول حاليا لترسانات نووية فتاكة قادرة على إفناء الكوكب مرات مضاعفة، إلا أن العالم لا يزال أسيرا لسطوة الخوف التي ولدتها القنابل الوحيدة التي فُجرت فعليا قبل ثمانين عاما. إن العبقرية الأمريكية هنا تكمن في تحويل الحدث التاريخي إلى رعب سرمدي، حيث استطاعت القوة التي ألقت تلك القنابل أن تحتكر ذاكرة الألم وتوظفها من خلال هندسة الوعي لفرض سيادة لا تقبل الجدل، وذلك كالتالي:

أولا: صناعة الإنسان الأداة

استغلت الإمبراطورية الأمريكية غريزة البقاء البدائية لتحويل الشعوب والحكام على حد سواء إلى أدوات وظيفية تدافع عن قيودها الدولية بوعي زائف، محققة ما أسماه عالم الاجتماع تشارلز رايت ميلز بسطوة الميول الميتافيزيقية للحقائق العسكرية. تم ذلك عبر استراتيجية تضخيم لحظة الانفجار الأولى وتثبيتها كصدمة وجودية مستمرة، فالمتلقي العالمي ظل مبرمجا على الخضوع للقطب الذي تجرأ وفعلها برغم وجود ترسانات أخرى أكبر وأقوى، فالترسانة الروسية أكبر وأقوى فعليا من الترسانة الأمريكية وبرغم ذلك لا تخاف دول العالم من روسيا بقدر خوفها من أمريكا.

 ويتجلى هذا بوضوح في الرضوخ العالمي لسياسات القطب الواحد عند فرض حصار اقتصادي على دول بأكملها، حيث تلتزم الشعوب والحكومات بهذا الحصار خوفا من غضب القوة التي أثبتت عمليا قدرتها على الإبادة، مما يحول هذه الدول إلى أدوات تنفذ العقاب ضد جيرانها لحماية نفسها.

وخير مثال على ذلك هو التزام البنوك والشركات العالمية في دول كبرى بالسمع والطاعة للعقوبات الأمريكية المفروضة على إيران أو السودان سابقا، فبالرغم من أن هذه العقوبات قد تضر بمصالح تلك الدول الاقتصادية إلا أن الخوف من الحرمان من النظام المالي الذي تهيمن عليه واشنطن يحولها إلى أدوات تنفيذ قسرية. وهذا يمثل تجسيدا حيا لنظرية إدارة الرعب التي تفسر كيف يدفع الخوف من الموت الأفراد للالتصاق بالأنظمة السلطوية طلبا للأمان.

ولم يتوقف الأمر عند الترهيب المادي، بل تم تقنين هذا الخوف عبر هندسة القانون الدولي ومنظمة الأمم المتحدة لتكون الغطاء الشرعي لهذا الإقطاع النووي. فمن خلال حق النقض (الفيتو) وهيكلية مجلس الأمن تم منح القوى النووية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة سلطة مطلقة فوق القانون، مما حول المنظمة الدولية من أداة لتحقيق العدالة إلى سيف لإدارة الرعب وتمرير مصالح القوي. وخير مثال على ذلك هو استخدام الفيتو لتعطيل أي قرار يدين التدخلات العسكرية الأمريكية أو حلفائها، بينما يتم تفعيل الفصل السابع بسرعة فائقة لضرب أي دولة تحاول الخروج عن هذا المسار، كما حدث في التدخل العسكري في ليبيا عام 2011، حيث تم تطويع القانون الدولي لخدمة أهداف الهيمنة وتغيير الأنظمة. إن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية لم تكن في جوهرها سوى صك قانوني يكرس احتكار حق التهديد بالفناء ويمنع الدول الأخرى من امتلاك ذات المخالب، مما يضع العالم في حالة تبعية قانونية وأخلاقية دائمة.

وعلى مستوى الشعوب تحول المواطن العالمي إلى أداة تشرعن التدخلات العسكرية تحت مسمى حماية الشرعية الدولية، غافلا عن أنه يحرس نظاما يسلب إرادته الوطنية باسم منع الفناء، تماما كما حدث عند غزو العراق حيث تم التلاعب بوعي الشعوب عبر كذبة أسلحة الدمار الشامل فصار المواطن يطالب بالحرب ظنا منه أنه يحمي العالم من كارثة نووية، وهو ما يتسق مع أطروحة هربرت ماركوزه حول الإنسان ذي البعد الواحد الذي يتم ترويضه ليقبل عبوديته طالما أنها مغلفة بوعود الاستقرار.

أما على مستوى الحكام فقد تم تحويلهم إلى وكلاء أمنيين يطبقون الأجندات الإمبراطورية تحت وطأة التلويح بالعقوبات أو العزل، محققين نبوءة نعوم تشومسكي في صناعة الموافقة، حيث تتم هندسة الإجماع السياسي عبر الترهيب القانوني والمادي كما نرى في انصياع دول كثيرة لفتح قواعد عسكرية على أراضيها أو تقديم تسهيلات لوجستية للجيش الأمريكي في حروبه العابرة للقارات، ليصبح الحاكم والمحكوم على السواء تروسا في ماكينة واحدة تكرس عقيدة الصدمة التي شرحتها ناعومي كلاين كأداة لتمرير سياسات الاستلاب تحت تأثير الذهول من قوة الانفجار الأول وصرامة القانون الذي صاغه المنتصر.

ثانيا: صناعة العقل التابع

بعد نجاح قنطرة الخوف في تحويل الإنسان إلى أداة، انتقل مهندس الوعي إلى المرحلة الأكثر خطورة وهي تجميد هذا الانتماء وتحويله إلى تبعية مطلقة. العقل التابع بطبعه يكره البقاء في حالة حيرة أو قلق أمام التهديدات الوجودية، فيتمسك بأول خيط يقين يمنحه إياه النظام المهيمن. في السياق العالمي، تم استخدام الرعب النووي لفرض واقع سياسي جديد؛ حيث لم تعد أمريكا مجرد دولة، بل أصبحت القوة التي تملك مفاتيح البقاء أو الفناء العالمي، مما دفع الشعوب والحكام للارتهان بهذه الرواية هربا من رعب المجهول.

وتتجلى هذه التبعية في تبني العديد من الدول لسياسات تعليمية وثقافية تُعلي من شأن النموذج الأمريكي وتُهمّش المواريث الحضارية المحلية، حيث يرى العقل التابع أن التماهي مع ثقافة المنتصر النووي هو السبيل الوحيد للحاق بركب الحداثة وتجنب التخلف الذي يربطه ذهنيا بالضعف والدمار.

وقد اعتمدت هندسة التبعية هنا على ما أسماه إتيان دي لا بويسي في كتابه مقال في العبودية الطوعية؛ حيث يساهم المستلَب في صناعة قيده بدافع الخوف. فالعالم اليوم، ورغم امتلاك تسع دول للقنابل، لا يزال يرزح تحت وطأة ذكرى عام 1945، معتبرا أن الانضواء تحت القطب الذي استخدم السلاح فعليا هو المرجع الوحيد لتجنب الكارثة.

ومن الأمثلة الحية على ذلك هو الارتهان التقني والمعلوماتي؛ حيث تقبل الدول والمجتمعات طواعية باستخدام برمجيات وأنظمة تشغيل واتصالات تسيطر عليها واشنطن بالكامل، برغم إدراكها لإمكانية التجسس عليها أو تعطيلها بضغطة زر، إلا أن العقل التابع يرى في هذا الارتباط التكنولوجي قدرا لا يمكن دفعه لحماية أمنه الرقمي والاجتماعي من أخطار وهمية يروج لها المهندس نفسه.

ويكتمل هذا التجميد عبر استراتيجية إدارة الخوف؛ حيث يجد العقل التابع نفسه مضطرا لتبرير سطوة القوة العظمى لكي لا يواجه حقيقة عزله عن منظومة الحماية. ويظهر ذلك بوضوح في التبعية القضائية العابرة للحدود، حيث تسمح دول كثيرة بمحاكمة مواطنيها أو تسليمهم لعدالة القطب الواحد بناء على قوانين داخلية أمريكية مثل ما حدث في سجن غوانتانمو، خوفا من التصادم مع المنظومة القانونية للإمبراطورية.

وهذا يفسر ما طرحه ستانلي ميلغرام في تجاربه حول الطاعة، حيث يدخل الفرد أو الدولة التابعة في حالة من الانقياد التام، معتبرا نفسه مجرد منفذ لإرادة السلطة العليا التي تملك القدرة المطلقة على العقاب. لقد أصبح العالم يتبع حالة اليقين الناتجة عن الرهبة، معتبرا أن الخضوع الفكري والقانوني لنموذج القوة القاهرة هو صك المرور الوحيد للبقاء على قيد الحياة داخل النظام الدولي.

ثالثا: صناعة النفس الهشة

بعد استهلاك الإنسان كأداة وتجميد وعيه كتابع، انتقل مهندس الوعي الإمبراطوري إلى مرحلة استلاب الأمان النفسي، وهي تحويل الشعوب إلى كيانات هشة ترتعب من التساؤل وتحتمي بجدران النظام العالمي القائم.

تعتمد النفس الهشة على آلية نفسية تسمى تجنب الغموض المعرفي؛ حيث تشعر النفس بتهديد وجودي إذا اكتشفت فجوة بين ما تؤمن به من سلام دولي وبين واقع الهيمنة النووية، فتهرب إلى ألفة المألوف لترمم شروخها الداخلية.

ويتجسد هذا بوضوح في الهرع الجمعي للاستقواء بالمنظمات الحقوقية والبيئية الدولية؛ حيث تندفع الشعوب لطلب الإنصاف من مؤسسات يمولها ويديرها القطب الواحد، ليس إيمانا بفعاليتها المطلقة، بل هربا من الشعور بالعجز أمام بطش القوة، فتكتفي النفس الهشة بسراب التضامن العالمي الذي توفره هذه المنصات لتهدئة روعها من فكرة الانكشاف أمام الوحش النووي.

لقد استهدفت هندسة القوة العظمى المجتمعات بنمط المحاكاة الهوياتية؛ فالمواطن العالمي الذي يربط أمانه باليقين الناشئ عن المظلة النووية، يجد في تكرار سردية هيروشيما صمام أمان يمنع انفجار قنبلة اللايقين في أعماقه. ويتسق هذا مع أطروحة عالم النفس إريك فروم في كتابه الهروب من الحرية، حيث يميل الإنسان عند شعوره بالضآلة أمام القوة الساحقة إلى التخلي عن فرديته والذوبان في كيان سلطوي يمنحه شعورا زائفا بالقوة والأمان.

وخير مثال على ذلك ظاهرة الهجرة الفكرية والجسدية نحو المركز (أمريكا)؛ حيث يرى الفرد في الدول المستلبة أن الارتماء في حضن ثقافة القطب المهيمن أو العيش في كنف جغرافيته هو المنجى الوحيد من الفناء، فتتحول الهوية الوطنية إلى عبء نفسي ثقيل يفضل التخلص منه لصالح هوية المواطن العالمي التابع، طلبا لسكينة نفسية لا تتوفر إلا بجوار صانع القنبلة.

ونتيجة لهذا الأمان الزائف، يتم الهروب من التناقضات التصادمية؛ مثل التناقض بين شعارات الديمقراطية وبين دعم الأنظمة القمعية طالما أنها تخدم استقرار المنظومة.

ومن الأمثلة الحية هنا الارتعاد النفسي من فرض السيادة على الموارد الطبيعية؛ فعندما تفكر دولة ما في تأميم ثرواتها، تصاب النخب والشعوب بحالة من الهستيريا الجماعية خوفا من الخروج عن النص العالمي، فيقومون بإجهاض محاولات استقلالهم ذاتيا قبل أن يفعلها القوي، وذلك لتجنب ألم المواجهة النفسية مع القوة القاهرة.

وكما يرى زغمونت باومان في تحليله للخوف السائل، فإن النفس الهشة تعيش حالة من القلق المستدام الذي يجعلها تطلب الحماية من نفس المصدر الذي يهددها، محولة الخوف من القنبلة إلى عبادة للقوة تمنع انهيار الشخصية الجمعية أمام حقائق التاريخ، وتكتفي بالقبول السطحي كضمانة للبقاء النفسي داخل حظيرة القطب الواحد.

رابعا: صناعة الكائن الوظيفي

وهي المرحلة الختامية التي تكتمل فيها دورة الاستلاب، حيث يتم تحويل الدول والمنظمات والأفراد إلى تروس وظيفية داخل الماكينة الأمريكية، لا تتحرك بوازع من القيم، بل بدافع من الكفاءة التقنية والولاء للنظام. في هذا النمط، يتم تصفير الوعي النقدي تماما لصالح العقلانية الأداتية التي شرحها رواد مدرسة فرانكفورت مثل هوركهايمر وأدورنو؛ حيث يصبح الهدف الوحيد هو الحفاظ على سير العمل داخل المنظومة الكبرى بغض النظر عن أخلاقية الغايات. ويتجلى ذلك بوضوح في الدور الوظيفي لوكالات التصنيف الائتماني العالمية، التي تعمل كأدوات ضبط وتوجيه تقنية؛ فبمجرد إشارة من المركز الإمبراطوري، تقوم هذه الوكالات بخفض تصنيف دول بأكملها بناء على معايير سياسية مغلفة بإطار فني، مما يؤدي لخنقهـا اقتصاديا. هنا يمارس الموظف التقني في هذه الوكالات دوره ببرود تام، معتبرا دمار اقتصاديات الشعوب مجرد إجراءات تصحيحية ضرورية لاستقرار النظام المالي الذي يتربع عليه القطب الواحد.

لقد نجح مهندس الوعي في تحويل الجلاد من مجرم إلى موظف يؤدي واجبا وطنيا أو دوليا تحت مسمى الحفاظ على الأمن القومي أو حماية السلم العالمي.

ويتجلى هذا بوضوح في مفهوم تفاهة الشر الذي صاغته الفيلسوفة حنا أرندت؛ حيث يمارس الكائن الوظيفي القمع والتنكيل بالدول أو الجماعات الخارجة عن النص الأمريكي، ليس بدافع الكراهية الشخصية، بل بصفته مؤديا للوظيفة يلتزم بالقواعد التي وضعتها القوة العظمى منذ عام 1945.

ومثال ذلك هو مشاركة دول حليفة في عمليات السجون السرية أو الترحيل القسري للمطلوبين؛ حيث تعمل الأجهزة الأمنية لهذه الدول كمقاول وظيفي ينفذ عمليات قذرة بالنيابة عن الإمبراطورية، ويرى الضباط المنفذون في ذلك التزاما ببروتوكولات التعاون الدولي، متجاهلين الدماء والانتهاكات في سبيل الحفاظ على امتيازات البقاء داخل المظلة الأمنية الكبرى.

بالنسبة للكائن الوظيفي، فإن أي نقد لبنية النظام الدولي أو تشكيك في مشروعية احتكار السلاح النووي يعتبر خيانة وظيفية تهدد استقراره المهني والسياسي والمزايا التي يكتسبها من قربه من مراكز القوة.

هو يفضل الوضع الوظيفي الذي يمنحه صك الانتماء للمنظمات الدولية كالأمم المتحدة وصندوق النقد، على الحقيقة التي قد تسبب له النبذ الإقليمي. ويظهر ذلك في سلوك البعثات الدبلوماسية في أروقة المنظمات الدولية، حيث تصوت دول ضد مصالحها القومية أو قيمها الأخلاقية لمجرد عدم إغضاب القطب الواحد، خوفا من فقدان مقعد في لجنة أو حرمان من تمويل.

لقد أصبح يقدس كفاءة ماكينة الخوف التي توفر له الحماية، ويتحول إلى حارس للإقطاعية النووية، ممارسا ما أسماه بيير بورديو بالعنف الرمزي؛ حيث يساهم المستلَب وظيفيا في إعادة إنتاج علاقات القوة التي تضطهده، ظنا منه أن بقاء المنظومة هو الضمانة الوحيدة لبقائه الشخصي، مكرسا بذلك سيادة الناب والمخلب في أبهى صورها الإدارية الحديثة.

هكذا نجد أن منظومة الاستلاب التي هندسها القطب الواحد لم تكن مجرد تفوق عسكري عابر، بل كانت مشروعا متكاملا لإعادة صياغة الإنسان وتحويله إلى كائن وظيفي يقدس سيف جلاده؛ فمن صناعة الإنسان الأداة التي كبلت الإرادة، إلى العقل التابع الذي جمد الفكر، وصولا إلى النفس الهشة التي استمرأت العبودية هربا من رعب المجهول. لقد ظن مهندس الوعي أن هذه القيود النفسية والقانونية قد أحكمت إغلاق الزنزانة العالمية إلى الأبد، وأن هيبة القنبلة النووية ستبقى صامدة تحرس هذا الإقطاع الدولي. إلا أن سنن التاريخ تؤكد أن دوام الحال من المحال، وهو ما وضع العالم بأسره على أعتاب مرحلة كبرى من الانعتاق، بدأت ملامحها تتشكل بوضوح حين تجرأت الإرادة على مواجهة الخوف، لتمهد الطريق نحو الخاتمة الحتمية لكل طغيان.

نجد أن منظومة الاستلاب التي هندسها القطب الواحد لم تكن مجرد تفوق عسكري عابر، بل كانت مشروعا متكاملا لإعادة صياغة الإنسان وتحويله إلى كائن وظيفي يقدس سيف جلاده

فقد جاءت أحداث السابع من أكتوبر وطوفان الأقصى لتشكل الزلزال الذي صدّع جدران هذه الإمبراطورية النفسية؛ فقد كانت تلك اللحظة بداية لسلسلة من الأحداث التي أخرجت الوعي الجمعي العالمي من سردية الخوف التي هيمنت لثمانين عاما. إن انكسار الكيان الصهيوني، الذي يمثل الذراع المتقدمة والنموذج المصغر للتكنولوجيا والأسطورة الجاسوسية الأمريكية في قلب المنطقة، وفي عمق داره وبين تحصيناته، جعل العالم بأسره ينظر إلى الهيمنة الأمريكية نظرة الجن لمِنسأة سليمان عليه السلام (مع فرق التشبيه بين نبي الله عليه السلام وبين أمريكا)؛ فقد ظلوا يخدمونه في العذاب المهين ظنا منهم أنه لا يزال قويا، حتى تآكلت عصاه وسقط، فتبينت الجن أن هيبة القطب الواحد كانت قائمة على وهم استمرأته النفوس المستلبة. لقد كسر الطوفان احتكار القوة، وأثبت أن الإرادة المتصلة بخالقها قادرة على تمزيق شباك العنكبوت الرقمية والعسكرية، ليعود الإنسان إلى فطرته الأولى التي لا ترهب إلا الله، مدركا أن القوة التي ألقت قنابل الماضي لا تملك مفاتيح المستقبل.

لقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله ألا نجعل للخوف سبيلا إلى قلوبنا إلا منه وحده، محذرا من مكائد الشيطان وأوليائه الذين يسعون لإرهاب المؤمنين بسرديات القوة الزائلة، فقال عز وجل: "إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". إن التحرر من "إقطاعية الرعب" يبدأ من اليقين بأن نواصي الخلق جميعا بيد الله، وأن القوة المادية مهما بلغت من الطغيان فهي إلى زوال، كما قال سبحانه: "أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ". وبذلك يضع الطوفان العالم أمام حقيقة كبرى؛ وهي أن عصر الانحناء أمام صنم القنبلة قد ولى، وأن السيادة الحقيقية لا تُكتب بلهيب الذرّة، بل بصدق التوكل على من بيده ملكوت كل شيء.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)