هندسة الوعي (18): الحاجة لتبرير الفشل وسقوط الدولة العثمانية

مصطفى خضري
"الاستلاب للوعي لا يحدث صدفة، بل يمر بمراحل مرسومة، وليس كل ما سيُذكر ينطبق بالضرورة على كل حقبة أو مؤسسة في الدولة العثمانية"- جيتي
"الاستلاب للوعي لا يحدث صدفة، بل يمر بمراحل مرسومة، وليس كل ما سيُذكر ينطبق بالضرورة على كل حقبة أو مؤسسة في الدولة العثمانية"- جيتي
شارك الخبر
بعد أن كشفنا في المقالات السابقة كيف يُساق الناس إلى تفكير القطيع خوفا من النبذ الاجتماعي، نصل اليوم إلى نقطة ضعف بشرية يتقن مهندس الوعي استغلالها؛ وهي الحاجة لتبرير الفشل. فالنفس البشرية بطبعها تكره الاعتراف بالخطأ، وتضيق ذرعا بمواجهة تقصيرها، وهنا يتدخل المهندس ليقدم لها مخرجا مريحا: أنت لست فاشلا، بل أنت مظلوم. وبدلا من أن يكون الإخفاق فرصة للمراجعة والتصحيح، يتحول إلى وسام شرف وذريعة لإلقاء اللوم كله على عدو خارجي يتربص بالحق وأهله.

تستند ظاهرة تبرير الفشل إلى جذور عميقة في علم النفس السلوكي، وتفسرها نظريات عالمية أثبتت أن العقل البشري يمتلك جهاز مناعة نفسي يعمل أحيانا بشكل خاطئ لحماية الكبرياء. من خلال عدة آليات أهمها ما يسمى بانحياز الخدمة الذاتية: وهي نزعة بشرية رصدها علماء النفس في آلاف التجارب؛ حيث يميل الإنسان بطبعه إلى نسب النجاح لنفسه (ذكائي، تخطيطي، جهدي)، بينما ينسب الفشل فورا إلى ظروف خارجة عن إرادته (الحظ، المؤامرة، سوء الأحوال). وفي نظرية الإسناد لهايدر، وجد أن الأفراد يميلون لرمي المسؤولية على العوامل الخارجية عندما تكون النتيجة مؤلمة للكرامة، وذلك لكي لا يضطروا لتغيير صورتهم الإيجابية عن أنفسهم.

والآلية الثانية هي التنافر المعرفي، والذي يحدث عندما يصطدم ما نؤمن به (أننا على حق) مع الواقع المرير (الهزيمة والفشل). هنا ينشأ ألم نفسي حاد، وللتخلص من هذا الألم، أثبت العالم ليون فيستنجر أن العقل لا يغير معتقداته الخاطئة في الغالب، بل يلجأ إلى تعديل الواقع عبر اختلاق مبررات. فبدلا من القول: لقد أخطأنا في الحسابات، يقول العقل: لقد تآمر الجميع لإسقاطي. هذه الحيلة النفسية تحول الفشل من عيب في الذات إلى شرف في الخصومة، مما يريح الضمير القلق.

وثالث الآليات هي حيلة الإسقاط: وهي من أشهر حيل الدفاع النفسي التي صاغها علم النفس التحليلي؛ حيث يقوم الفرد بنقل عيوبه أو أسباب إخفاقه وإسقاطها على الآخرين. وفي البيئات المغلقة مثل الإمبراطوريات والممالك التاريخية والتيارات والجماعات السياسية الهرمية، حيث يتم تدريب الأتباع على أن الآخر (سواء كان دولة ما أو جماعة ما) هو المسؤول الوحيد عن تعطل مشروعهم بغض النظر عن أخطاء القيادة وعيوب التخطيط.

وأبلغ مثال يمكن استعراضه على دولة استخدمت فيها هندسة الوعي لتبرير الفشل هو الدولة العثمانية؛ فهذه الإمبراطورية لم تكن مجرد دولة عابرة، بل كانت أعظم كيان سياسي إسلامي في التاريخ الحديث، امتدت رقعتها على ثلاث قارات، وحكمت لأكثر من ستة قرون متواصلة، وكانت في أوج قوتها تُمثل الرادع الحضاري والعسكري أمام العالم شرقه وغربه. لقد أظهرت الدولة العثمانية قدرة استثنائية على الحشد والتنظيم والإدارة، وورثت عن الخلافة الإسلامية هيبتها الرمزية والدينية، مما جعلها في وجدان الملايين أكثر من مجرد دولة، بل رمزا للإسلام ذاته.

إلا أن هذا الإرث الضخم والهيبة التاريخية الطاغية لم يحصّنا الدولة من أشد ما يُهلك الأمم؛ وهو العجز عن مراجعة الذات. فحين بدأت إشارات الضعف تتراكم منذ القرن الثامن عشر، ولم تتوقف هزائم الجيوش وتفكك الأطراف، لم تكن الاستجابة المؤسسية السائدة هي النقد الصريح والمراجعة الجذرية، بل كانت في أغلب الأحيان سردية جاهزة ومريحة: نحن لم نُهزَم، بل تآمر علينا العالم.

لقد أتقن المتنفذون في الدولة صياغة وعي الرأي العام والنخب بحيث يصبح الإخفاق العسكري دليلا على حجم المؤامرة الغربية، وتغدو المطالبة بالإصلاح الجذري خيانة للهوية وتذللا للعدو. هذا الربط العجيب بين الهزيمة الواقعية والاستعلاء الهوياتي جعل من نقد المؤسسة العسكرية أو الإدارية أمرا مرادفا للوقوف في معسكر أعداء الدولة والملة. وهكذا لم تعد المظلومية من الغرب مجرد وصف لحدث عابر، بل تحولت إلى حصن نفسي يحمي القيادة من المساءلة، ويُبقي المجتمع في حالة من انتظار العودة المجيدة بدلا من شجاعة المراجعة والبناء. وهذا الاستلاب للوعي لا يحدث صدفة، بل يمر بمراحل مرسومة، وليس كل ما سيُذكر ينطبق بالضرورة على كل حقبة أو مؤسسة في الدولة العثمانية، فالحديث هنا عن الديناميكيات العامة التي تنتجها البنى الهرمية المغلقة في مراحل أفولها، والدولة العثمانية نموذج دراسي بارز لها، لا حكم مطلق على كل رجالها، كما سنبينه فيما يلي:

أولا: صناعة الإنسان الأداة

المرحلة الأولى في هندسة وعي الأتباع والمنتسبين للمؤسسة الحاكمة لا تبدأ بالسياسة، بل تبدأ بتفكيك الفرد وإعادة بنائه من الداخل. فالمؤسسة الهرمية المغلقة لا تحتاج إلى إنسان يفكر ويسأل ويراجع، بل تحتاج إلى أداة تُحرَّك في الوقت المناسب نحو الهدف المناسب.

وقد كان النظام العثماني بارعا في هذه الصناعة منذ البداية؛ إذ قام منذ تأسيسه على نظام "دِوشِرْمِه" -في بداية الدولة- وهو نظام تجنيد الأطفال من الأسر المسيحية في البلقان وتربيتهم من الصغر تربية مؤسسية كاملة داخل القصر أو الثكنات العسكرية. فهؤلاء الأطفال الذين صاروا لاحقا كبار رجال الدولة وقادة الجيش، كانوا يُعرِّفون أنفسهم لا بانتمائهم لأسرهم أو مجتمعاتهم الأصلية، بل بانتمائهم المطلق للسلطان والدولة. وهذه الهوية المُصنَّعة مؤسسيا كانت أداة ضبط بالغة الفاعلية، لأن الفرد الذي لا يملك وجودا خارج المؤسسة لن يجرؤ على تحدي المؤسسة.

وتعمل الدولة في مراحل ضعفها على تضييق دائرة المراجع الفكرية المسموح بها؛ فالمدارس الدينية (المدارس العثمانية) التي كانت في أوج ازدهارها تُدرِّس الفقه والكلام والفلسفة والرياضيات، أصابها تصلب متزايد في مناهجها، وانكمشت تدريجيا على الفقه والتفسير دون سواهما. وأصبحت المعرفة القادمة من خارج هذا الإطار مشبوهة بطبيعتها، وما يأتي من الغرب محفوفا بتهمة التبعية. وبهذا يُحوَّل العقل المؤسسي إلى نظام مغلق يعيد إنتاج ما يُغذَّى به دون أن يملك أدوات المراجعة المستقلة.

ثم تأتي مرحلة اختبار الولاء؛ وهي أخطر المراحل لأنها تُقدَّم في ثوب الدين والوطنية معا. وأبلغ مثال تاريخي على ذلك ما جرى مع الانكشارية أنفسهم؛ فهذه المؤسسة العسكرية العريقة التي فتحت القسطنطينية وصنعت أمجاد الدولة لقرون، حين بدأت في الانحلال الداخلي وفقدان الكفاءة القتالية، حوّلت ولاءها المفرط للمؤسسة إلى سلاح ضد الإصلاح. فكل من دعا إلى التحديث كان يُواجه باتهام الخيانة للموروث، وكل من أشار إلى الخلل كان يُتهم بالتذلل للعدو وخدمة أجنداته. وبكل اختبار ولاء ناجح، يتعمق إحساس المنتسب بأنه استثمر كثيرا في هذا الكيان، فيصعب عليه لاحقا أن يقبل أي تشكيك فيه، لأن التشكيك سيعني بطلان كل ما قدَّمه.

ولعل أبلغ تجليات ذلك تاريخيا ما رصده المؤرخون من أن جنود الانكشارية في مراحل ضعف الدولة لم يكونوا يرفضون الإصلاح العسكري لأنه خاطئ تقنيا، بل كانوا يرفضونه لأن قبوله كان سيعني ضمنيا الاعتراف بأنهم أصبحوا عبئا لا قوة، وهو اعتراف يهدد هوياتهم الوجودية الكاملة لا مجرد وظائفهم.

وهكذا يكتمل تشكيل الإنسان الأداة: كائن فقد إرادته النقدية المستقلة، ويعتقد في الوقت ذاته أنه يتصرف بحرية كاملة وانتماء صادق.

ثانيا: صناعة العقل التابع

إذا كانت المرحلة الأولى قد أفرغت الفرد من استقلاليته الفكرية، فإن المرحلة الثانية تملأ هذا الفراغ بنظام تفكير جاهز، يُقدَّم على أنه الفهم الصحيح للدين والسياسة والتاريخ معا.

يعتمد هذا النظام على ما يمكن تسميته التفسير الاحتكاري للواقع؛ أي أن المؤسسة الحاكمة تُقدِّم نفسها المرجع الوحيد لتفسير الأحداث وقراءة المشهد. فلا يُسمح بوجود قراءة موازية مستقلة، لأن السماح بذلك يفتح الباب أمام مراجعة جذرية لا تُريدها القيادة. والمرجع الداخلي للمؤسسة ليس مجرد قائد عسكري أو إداري، بل هو حارس الهوية والإرث الذي يملك مفاتيح فهم ما خفي عن سائر الناس.

وقد تجلى هذا بوضوح في إحدى أشهر المفارقات التاريخية العثمانية: قصة المطبعة. فحين أراد إبراهيم متفرقة عام 1727م إنشاء أول مطبعة عربية في إسطنبول، لم يكن العائق تقنيا ولا ماليا، بل كان عائقا في هندسة الوعي المؤسسي. فقد تأخرت المطبعة أكثر من 260 عاما عن نظيرتها الأوروبية، بسبب ثلاثة أسباب مترابطة كشفها المؤرخون: مقاومة الخطاطين الذين كانوا يعيشون على نسخ الكتب يدويا وكانت هويتهم المهنية كلها مرتبطة بهذه الحرفة، ومقاومة العلماء المتشددين الذين لبسوا هذه المقاومة ثوبا دينيا بحجة أن المطبعة قادمة من الغرب الكافر، وأخيرا عدم رغبة الدولة في انتشار الأفكار على نطاق واسع خارج سيطرتها.

وبرغم ذلك، فإن المنع لم يكن مطلقا، فالمطبعة أُدخلت للجماعات غير المسلمة (المطبعة العبرية والمطبعة الأرمنية) قبل المسلمين، مما يشير إلى أن المقاومة كانت ثقافية- دينية مرتبطة بالهوية الإسلامية للدولة.

 وهكذا تحولت المطبعة من وسيلة تقدم إلى مسألة ولاء وهوية، وجُعل الإصلاح التقني في ذاته اختبارا لمدى الانتماء للموروث.

ثم تأتي الآلية الأكثر فاعلية في البنى الهرمية المغلقة: وهي ربط الطاعة المؤسسية بالشرعية الدينية والقومية. فحين تُصاغ مخالفة التوجه السائد على أنها طعن في الدولة والدين معا، وحين يُقنع الفرد بأن رأيه المغاير انعكاس لضعف انتمائه لا لعمق تفكيره، عندها يصبح التفكير المستقل نفسه مصدرا للقلق والخوف. ويتحول الموالي إلى من يبحث عن الطمأنينة لا في الحقيقة، بل في مطابقة رأيه لما تقوله المؤسسة.

وثمة آلية أكثر انتشارا ولا تقل خطورة: وهي حرب المصطلحات. فكلمات مثل التفرنج والتشبه بالكفار ونقض الموروث أصبحت أسلحة تُستخدم لإسكات أي صوت إصلاحي من الداخل. وأبلغ مثال موثق على ذلك ما جرى مع السلطان سليم الثالث حين أنشأ جيشه الإصلاحي المعروف بالنظام الجديد عام 1792م؛ ومن العجيب أن هندسة الوعي ذاتها التي بنتها المؤسسة لحماية نفسها انقلبت عليها، حيث تحولت هندسة الوعي داخل الدولة العثمانية من أداة في يد الحاكم إلى خنجرٍ في ظهره كرد فعل عكسي غير متوقع، فقد تحالفت الإنكشارية مع عدد من العلماء المتشددين وحصلوا على فتوى بإبطال هذا الإصلاح العسكري بحجة أنه مستورد من الغرب. والمفارقة المأساوية أن هذا الجيش الجديد أثبت كفاءته القتالية بوضوح في صد حصار نابليون لعكا، غير أن المؤسسة التقليدية المتشبثة بموروثها آثرت الفشل المُبرَّر على النجاح الذي يعني الاعتراف بخطئها. وانتهى المطاف بعزل السلطان سليم الثالث وقتله عام 1808م، وإلغاء إصلاحاته كلها، في مشهد مأساوي يُلخص كيف تُصبح حرب المصطلحات سلاحا يُدمر أصحاب الرؤية قبل أن تُدمر الأعداء.

والنتيجة النهائية عقل مؤسسي يفكر، لكنه لا يُنتج إلا ما سبق أن أُذن له بإنتاجه.

ثالثا: صناعة النفس الهشة

ما يُخشى قوله عادة في تحليل الإمبراطوريات في مراحل أفولها هو أن أشد ما يُصيب أبناءها ليس ما يُصيب عقولهم، بل ما يُصيب مشاعرهم وتكوينهم العاطفي. فالعقل التابع قد يتحرر يوما ما بمجرد التعرض للمعلومة المغايرة، لكن النفس التي أُعيد تشكيلها عاطفيا على إرث المجد الغابر تبقى أسيرة حتى حين تعرف الحقيقة.

ويبدأ ذلك بزرع الإحساس المزمن بالمحاصرة؛ فالرعية والجنود والنخب كانوا يُغذَّون باستمرار بصورة عن عالم يتربص بالدولة ويريد بها الشر. أوروبا عدو حضاري يريد إسقاط الخلافة، والأقليات الداخلية طابور خامس يخدم الخارج، وكل مطالبة بالإصلاح مدسوسة من أعداء الدولة. هذا الإحساس لم يُنتج يقظة صحية، بل أنتج هشاشة كامنة؛ فالفرد كان يشعر دائما بأنه يعيش في حصار وجودي، ولا نجاة له إلا بالتمسك بالموروث والثقة الكاملة بالمؤسسة.

ثم تُستثمر هذه الهشاشة عبر آلية الثواب والعقاب العاطفي، فالمنتسب الموالي للتوجه السائد يحظى بالترقي والاعتراف والشعور بأنه حارس الأمانة وصاحب الرسالة. لكنه يشعر بالعزلة والاتهام حين يبدأ بالتشكيك، ومصير المصلحين الذين صدموا الجدار المؤسسي أبلغ دليل على ذلك. وفضلا عن سليم الثالث الذي دفع حياته ثمنا لإصلاحه، كان مآل كثير من المفكرين والمصلحين العثمانيين الذين رفعوا أصواتهم النفيَ أو السجن أو التجاهل التام، ومنهم أحمد رضا ونامق كمال الذي رأى قبل السقوط بسنوات أن المشكلة في البنية الفكرية للدولة، فلم يُسمع صوته إلا بعد فوات الأوان.

هذا التأرجح العاطفي يُرسِّخ ارتباطا نفسيا عميقا؛ فالدولة لا تصبح مجرد كيان سياسي ينتمي إليه الفرد، بل تصبح مصدر هويته الوجودية كلها، ومن يتشكك فيها يتشكك في نفسه.

أما المرحلة الأشد خطورة فهي ما يمكن تسميته استثمار الجراح الكبرى. وليس معنى هذا أن الأطماع الأوروبية لم تكن حقيقية، فالتاريخ يشهد بفداحة ما تعرضت له الدولة من ضغوط خارجية واستنزاف ممنهج، ولكن الإشكال يبدأ حين يتحول هذا الألم المشروع إلى عكاز تُبرَّر به كل الأخطاء الداخلية، وحين يُصادر حق أبناء الدولة في أن يسألوا: هل أخطأت قيادتنا أيضا؟

فكل هزيمة عسكرية كانت تُفسَّر على أنها مؤامرة دولية، وكل إخفاق إداري كان يُعزى إلى التدخل الأجنبي، حتى إن حروب البلقان الكارثية عام 1912م التي خسرت فيها الدولة شبه جزيرة البلقان كلها في أسابيع، فُسِّرت في الوعي الرسمي والشعبي السائد باعتبارها خيانة وتآمرا أكثر مما فُسِّرت باعتبارها نتيجة طبيعية لعقود من الجمود المؤسسي والتردد في الإصلاح.

والمفارقة المأساوية الأعمق أن سردية المظلومية المزمنة التي غذَّتها الدولة لم تحمِها من الخصوم، بل أسهمت في صناعتهم. فحين عامل الوعي المؤسسي كلَّ صوت ساخط باعتباره خائنا لا شاكيا، وحين وصلت الرسائل بين الشريف حسين والسلطة العثمانية إلى طريق مسدود، إذ لم يجد مظالمه الحقيقية المتعلقة بالحكم والاستقلالية آذانا صاغية في إسطنبول لتحتويه، وجد تلك الآذان في لندن. ولم يكن التحالف مع الإنجليز خياره الأول، بل كان نتيجة منطقية لمؤسسة أغلقت أبواب الاحتواء والمراجعة الداخلية حتى ارتمى الشريف حسين في حضن الأعداء ليستخدموه، وحين اندلعت الثورة العربية الكبرى عام 1916م، لم تكن الدولة تفتقر إلى المعلومات المبكرة عن احتمال وقوعها، بل كانت تفتقر إلى الأداة النفسية التي تُميِّز بين الخطر الحقيقي الذي يستحق الاحتواء والخيانة التي تستحق العقاب. وهذا العجز التشخيصي هو ثمرة طبيعية لعقود من تغذية الشعور بالمحاصرة؛ فالمؤسسة التي تظن نفسها محاصرة دائما تفقد القدرة على التمييز بين الصديق الساخط الذي يمكن احتواؤه والعدو الحقيقي، فتحوِّل الأول إلى الثاني بيدها.

وقد كان لأهل الشام دور في هذا المشهد لا يمكن إغفاله؛ فالنخب الشامية التي انحازت للثورة العربية لم تفعل ذلك في الغالب حبا في الإنجليز، بل فعلته لأن السياسة العثمانية المتأخرة، ولا سيما في عهد الاتحاد والترقي، راكمت جراحا عميقة في وجدانهم عبر سياسات التتريك والإعدامات الشهيرة التي نفَّذها جمال باشا بحق أعيان الشام ومثقفيها. فلم يكن أهل الشام يؤيدون ثورة الشريف حسين ابتداء من فراغ، بل كانوا يُفرِّغون جراحا تراكمت لسنوات دون أن تجد قناة مشروعة للتعبير داخل المنظومة العثمانية ذاتها. وهنا بالضبط تتجلى المأساة الكاملة لهندسة الوعي المؤسسي المغلق: أنه لا يكتفي بأن يُخفق في احتواء معارضيه، بل يصنع منهم أعداء ثم يستشهد بعدائهم دليلا على أن سردية المؤامرة كانت صحيحة من البداية.

رابعا: صناعة الكائن الوظيفي

في المحطة الأخيرة من مراحل هندسة الوعي المؤسسي، لا يعود الأمر مجرد تشكيل فكري أو عاطفي، بل يصبح تحويل الإنسان إلى كائن يستمد معنى وجوده كله من وظيفته داخل المنظومة الكبرى. وهذا أخطر ما في المشروع، لأنه يلمس السؤال الأعمق في الوجود الإنساني: لماذا أنا هنا؟

الكائن الوظيفي في الدولة العثمانية المتأخرة هو من أجابت عنه المؤسسة على هذا السؤال قبل أن يطرحه، فهو موجود لخدمة الخلافة وصون الدولة، ومعنى حياته مستمد من موقعه في الهيكل المؤسسي الضخم. وهذا في بادئ الأمر منحه طاقة هائلة وإحساسا بالرسالة الكبرى، وهو ما يفسر الإنجازات الحضارية الحقيقية التي حققتها الدولة العثمانية في مجالات العمارة والقضاء والأمن والتعايش بين الأقوام، والتي لا ينكرها منصف. لكن هذه الطاقة كانت مقيَّدة بشرط خفي: أن تبقى داخل الحدود الوظيفية المرسومة، وأن تُقدِّس الموروث لا أن تتجاوزه.

والفارق بينه وبين الإنسان المؤمن الفاعل فارق جوهري: فالمؤمن الحقيقي يعمل لغاية تتجاوز المؤسسة وتتجاوز الدولة ذاتها نحو مبدأ أعلى، وحين تخطئ المؤسسة يسأل ويراجع ويبني من جديد. أما الكائن الوظيفي فهويته مُلحَقة بالكيان إلحاقا كاملا، فإن اهتز الكيان اهتز هو معه، وإن تراجع لم يجد لنفسه تعريفا خارجه.

وهذا يظهر بجلاء في الفترة الحرجة الممتدة بين مطلع القرن التاسع عشر وسقوط الدولة عام 1924م؛ فبينما كان المصلح الفاعل الحقيقي يرى في كل هزيمة فرصة للمراجعة ومراكمة الدروس، كان الكائن الوظيفي يجد نفسه أمام أزمة وجودية حقيقية كلما اقترح أحدهم إصلاحا جذريا؛ فإذا كان معنى وجوده مربوطا ببقاء المنظومة كما هي، فماذا يعني الاعتراف بحاجتها للتغيير الجوهري؟ وهنا بالضبط يتدخل مهندس الوعي بالحل الجاهز: المظلومية التاريخية. فالتراجع لم يكن نتيجة قصور في الرؤية أو خللٍ في البنية، بل كان ثمن التمسك بالأصالة. والهزيمة لم تكن خطأ استراتيجيا، بل كانت دليلا على أن العالم يتآمر على الإسلام وحضارته. وبهذا يستمر الكائن الوظيفي في اشتقاق معنى وجوده من الانتماء، لكن هذه المرة لا من النجاح، بل من الاستمرار في رواية المظلومية الكبرى.

وهذا ما يفسر المفارقة التاريخية المؤلمة: أن الدولة العثمانية في مراحل ضعفها أنفقت من طاقتها السياسية والعاطفية على إسكات المصلحين من الداخل أكثر مما أنفقته على مواجهة التحديات الحقيقية من الخارج. فبينما كانت روسيا وأوروبا تُحدِّث جيوشها وتبني أسطولها وتُطور اقتصادها، كانت بنية الوعي المؤسسي العثماني منشغلة بمحاربة كل صوت يُشير إلى الخلل.

والنتيجة المأساوية لكل هذه المراحل الأربع هي دولة فقدت القدرة على سؤال نفسها: هل نحن على صواب؟ لأن هذا السؤال أصبح مرادفا عندها للتردد والضعف وربما الخيانة. وبذلك تُغلَق الدائرة ويكتمل مشروع هندسة الوعي، وتسقط الدولة لا لأن أعداءها كانوا أقوى منها بالضرورة، بل لأنها أعياها الدفاع عن صورتها في مواجهة أبنائها أكثر مما أعياها الدفاع عن حدودها في مواجهة خصومها.

وحين نتأمل هذه المراحل كلها، ندرك أن القرآن الكريم لم يكن غافلا عن هذه الأمراض البشرية العميقة، بل جاء بتشخيص دقيق وعلاج ناجع لكل منها. ففي آياته تحذير صريح من الاستسلام لسردية المظلومية المتكاملة التي تُقعد عن العمل وتُعطِّل المراجعة.

يقول الله تعالى: "وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"، فالآية الكريمة تربط الاستعلاء الحقيقي بالإيمان لا بالمظلومية، وتدعو إلى الفاعلية لا إلى الاسترخاء في التشكي.

ويقول سبحانه: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، وهي آية تحطم جذر سردية المظلومية من أساسها؛ إذ تجعل التغيير مشروطا بالمراجعة الداخلية لا بالتذمر من الخارج.

أما التحذير من الاستسلام للقيادة المطلقة دون محاسبة، فيجده المؤمن في قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا، وفي قوله عز وجل: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا"، وهي آية تُنبِّه صراحة من خطر استبدال الحق بالولاء للموروث الجماعي.

والأعمق في هذا السياق قوله تعالى حكاية عن المنهزمين الذين يبحثون عن ملاذ في لوم الآخرين: "الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا"، فمنطق إلقاء اللوم على الآخرين وادعاء الحكمة بعد الفشل هو منطق قرآني مدان بوضوح.

والحصن الأعمق من كل ذلك هو الأمر الرباني بالشورى الحقيقية والنقد البنّاء؛ فقوله تعالى: "وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ" والشورى المقصودة في الآية الكريمة ليست مظهرا شكليا، بل هي نظام مناعة حقيقي يحمي الدول من أن يستفرد أحد بهندسة وعيها.

وقبل أن نختم، لا بد من كلمة لمن وجد نفسه في هذه الصورة أو وجد فيها من يحب سواء أتباع الدول أو الجماعات السياسية: الاستلاب لا يعني الضعف، بل يعني في الغالب أن إنسانا صادقا في بحثه عن المعنى وجد من استثمر صدقه قبل أن يجد هو نفسه. والخروج من هذا الاستلاب ليس خيانة لماضٍ، بل أمانة لمستقبل.

وانطلاقا من هذا كله، فإن المجتمع الذي يتحصن من هذه الهندسة النفسية ليس من يرفض الامتثال للدولة بشكل مطلق أو يُعادي العمل الجماعي بشكل وجودي، بل من يُربي في أفراده شجاعة السؤال، ومن يجعل المراجعة فريضة لا خيانة، ومن يفهم أن الفشل لا يُغسل بالمظلومية، بل يُصحَّح بالاعتراف والتعلم والبناء من جديد. وهذا هو جوهر العقل الحر الذي يُغرِّد خارج سرب مهندسي الوعي.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)