هندسة الوعي (12): الانحياز التأكيدي.. يقدس الأم تريزا وينكر الخالق

مصطفى خضري
جيتي
جيتي
شارك الخبر
بعد أن أبحرنا في محيط البخل المعرفي وكيف يهرب الدماغ من كلفة التفكير، وتوقفنا عند خدعة التكرار التي تحول الكذب إلى ألفة؛ نصل الآن إلى الغريزة الأكثر تغلغلا في حماية الأنا المعرفية. نحن بصدد الحديث عن الحارس الشخصي للأوهام والمصفي العنيد للبيانات وهو ظاهرة الانحياز التأكيدي.

شخصية تاريخية مثل الأم تريزا، التي جرى تكريسها لعقود في الوعي الجمعي الغربي -ومن ثم ترويج ذلك في كل العالم- كأيقونة مطلقة للرحمة والقداسة؛ حين تظهر دراسات موثقة وتقارير استقصائية، مثل التي قدمها الطبيب والكاتب أروب تشاتيرجي وكريستوفر هيتشنز، لتكشف بالوثائق عن إهمال طبي مروع في مراكزها، وعن علاقات مالية مريبة مع ديكتاتوريات قمعية، وصرف تبرعات ضخمة على بناء الأديرة بدلا من علاج المرضى، يرفض المحب بذهول سماع أي كلمة، إنه لا يناقش الوثائق، بل يهاجم الناقل. وحين يُعرض عليه دليل مادي يثبت أن المرضى كانوا يموتون بآلام مبرحة دون مسكنات في حضرة ملايين الدولارات المكدسة، يلتفت المحب بعيدا قائلا إن هذه محاولات لتشويه الرموز. وحين يجد قصاصة قديمة أو عبارة عاطفية مبتورة، يصرخ منتصرا: أرأيتم؟ هذه هي الرحمة الحقيقية.

هذا المحب ليس فاقدا للبصر، وعيناه تقرآن نفس الأرقام والشهادات التي يقرأها المحقق، لكن دماغه يمارس عملية استبداد معرفي. إنه يرى ما يريد أن يراه، ويسمع ما يؤيد هالة القداسة التي رسمها، ويطرد أي معلومة قد تسبب له ألما ذهنيا ناتجا عن اكتشاف زيف معتقده.

ولقد أثبتت تجارب عالم النفس البريطاني بيتر واسون في ستينيات الماضي أن البشر يميلون بشكل غريزي للبحث عن المعلومات التي تؤكد فرضياتهم بدلا من محاولة تفنيدها. وفي تجربة شهيرة بجامعة ستانفورد تم تقسيم الطلاب إلى مجموعتين حول قضية عقوبة الإعدام، وأعطيت لهم دراسات متناقضة النتائج فكانت المفاجأة أن كل مجموعة تمسكت بالدراسة التي تؤيد رأيها المسبق بل ووصفت الدراسة المعارضة بأنها ضعيفة المنهجية، رغم أن الدراستين كانتا مصممتين بنفس المعايير العلمية تماما. هذا التنافر المعرفي هو الشعور المزعج الذي نهرب منه حين تصطدم معلومة جديدة بصنم فكري قديم، ولتجنب هذا الوجع يمنحك الانحياز التأكيدي مكافأة نفسية في كل مرة تجد فيها خبرا يؤيد رأيك، بينما يفرز هرمونات التوتر حين تواجه حقيقة تنقضه.

كيف يستخدم مهندس الوعي الانحياز التأكيدي لصناعة الأنماط البشرية المستلبة؟

أولا: صناعة الإنسان الأداة

في عالم التجارة والترفيه، نجد المستهلك الذي يقع ضحية لولائه الأعمى لعلامة تجارية تحولت لديه إلى يقين لا يقبل التشكيك، ولعل شركة فورد في بدايات القرن الماضي هي النموذج الكلاسيكي الأرقى لهذا الاستلاب. لم يكتفِ هنري فورد ببيع سيارته الشهيرة (Model T) كأداة تنقل، بل استهدف هندسة وعي المستهلك ليجعله جزءا من منظومة قيمية صلبة. لقد استخدم فورد أدوات النمط الواحد والمركزية الاجتماعية؛ فحين أطلق مقولته الشهيرة: يمكن للزبون الحصول على السيارة بأي لون يريده، شريطة أن يكون اللون أسود، لم يكن يفرض قيدا تقنيا فحسب، بل كان يصهر إرادة المستهلك في قالب الضرورة الاقتصادية التي لا تقبل الجدل.

لقد ذهب فورد إلى أبعد من ذلك بإنشاء دائرة الاجتماعيات، وهي أداة رقابية وتوجيهية كانت تتدخل في أدق تفاصيل حياة العمال والمشترين، لتمنحهم شعورا بأن امتلاك فورد هو صك غفران للمواطنة الصالحة والالتزام الأخلاقي والنجاح الاجتماعي. هنا تحول المشتري من زبون يبحث عن الجودة إلى مريد في محراب الصناعة الوطنية، يرى في امتلاك السيارة انتماء لهوية أسمى من مجرد قطعة معدنية.

وحين بدأت تظهر عيوب هندسية في تلك الطرازات، مثل ضعف نظام التبريد أو خشونة المحرك، أو حين قدمت الشركات المنافسة -مثل جنرال موتورز- سيارات ملونة وأكثر راحة، واجه أصحاب فورد تمزقا في هويتهم؛ فكيف لرمز الكمال والصلابة أن يكون قاصرا؟ هنا تدخل الانحياز التأكيدي ليقوم بمهمة الحارس الشخصي للصورة الذهنية؛ فبدلا من مراجعة جودة المنتج، بدأ هؤلاء بالبحث المحموم عن أي مقال أو تصريح يمتدح بساطة التصميم التي لا تحتاج لتعقيد الألوان، أو صلابة الهيكل التي تفوق رفاهية المنافسين، معتبرين أن أي نقد لفورد هو طعن في الأصالة التي يمثلونها هم أنفسهم. لقد نجح المهندس التجاري هنا في جعل العميل يقوم بمهمة الدفاع عن عيوب المنتج وتبريرها، محولا الحرمان من الخيارات إلى زُهد عملي، والجمود التقني إلى عراقة راسخة، ليصبح المستهلك في النهاية أداة تروج للوهم وتدفع ثمنه بامتنان مذهل.

ثانيا: صناعة العقل التابع

في غرف صناعة القرار ومراكز الأبحاث الاستراتيجية، نجد النموذج الأرقى للعقل التابع المهندس بالانحياز التأكيدي؛ حيث يتحول المثقف من رادار يستكشف الحقيقة إلى مرآة تعكس أوهام القوة. والسجل الطويل الممتد لأكثر من ثمانين عاما من الحروب الأمريكية شاهد على ذلك، فمن مستنقعات فيتنام وأحراش الصومال مرورا بإيران وكوبا ووصولا إلى جبال أفغانستان وصحاري العراق؛ في كل هذه المحطات، كانت الماكينة تعمل بذات الآلية: تقارير استخباراتية ميدانية تُصاغ لتناسب رغبات القيادة، ومراكز أبحاث تلتقط هذه البيانات المضللة لتقوم بتعبئتها في قوالب أكاديمية براقة تُبشر بانتصارات حتمية.

هنا يقع العقل التابع في فخ الاستدلال المدفوع؛ فهو لا يبحث ليفهم الواقع، بل ليجد مسوغا لما قرره صانع القرار مسبقا. ففي فيتنام، روجت مراكز الأبحاث لسنوات لأسطورة تأثير الدومينو وقرب الانهيار الشيوعي، متجاهلة تقارير الفشل الميداني لصالح إحصائيات وهمية عن عد الجثث. وفي الصومال، سُوِّق للتدخل كعملية جراحية خاطفة لنشر الديمقراطية، حتى اصطدم العقل التابع بحقيقة الواقع في شوارع مقديشو التي لم تكن تشبه أبدا خرائطه النظرية وانتهت بفضيحة سحل جثث المارينز في الشوارع.

أما إيران وبعد تضخيم لأسطورية الجيش الأمريكي الذي لا يقهر؛ فقد فشلت عملية مخلب النسر (سنة 1980) والإنزال الأمريكي لتحرير الرهائن في طهران، وهو نفسه ما حدث في كوبا، حيث انتهت عملية خليج الخنازير (سنة1961) وإنزال المعارضين الكوبيين بدعم أمريكي بالفشل، وتم أسر القوات بالكامل، في حين كان العراق حالة كلاسيكية لاستغلال التحيز التأكيدي، فقد تم تضخيم أقوال مخبرين مشكوك في مصداقيتهم حول أسلحة الدمار الشامل، وتجاهل الباحثون عمدا شهادات المفتشين الدوليين القاطعة، ليخرجوا للعالم بدراسات تؤكد أن الاستقبال بالورود هو القدر المحتوم للغزو.

هذا العقل، برغم ذكائه الأكاديمي المتقد، يمارس عملية إعماء ذاتي مذهلة؛ ففي أفغانستان، انحاز الباحثون لتقارير بناء المدارس وتدريب الجيوش المحلية، وأسقطوا من حساباتهم تجذر الخصم في الوجدان الشعبي وفساد النخبة الحليفة. وعندما تقع اللحظة الصفرية، ويحدث الانهيار الكبير الذي يراه العالم أجمع، لا يراجع العقل التابع مقدماته الفكرية، بل يختلق أعذارا نرجسية تزعم أن الخطة كانت عبقرية ومثالية، لكن الواقع والشركاء لم يكونوا جديرين بها. إنه يفضل تزييف التاريخ واتهام الحقيقة بالقصور على أن يغير قناعاته التي بنى عليها نفوذه ومكانته، ليظل في النهاية تابعا أمينا للسردية التي استلبته، مبررا الفشل ببراعة تضاهي براعته السابقة في تسويق الوهم.

ثالثا: صناعة النفس الهشة

في 1798م عاش العالم لحظات من الصدام الحضاري، حيث يقع الفرد في شباك الانبهار بالنموذج الغازي بصفته منبع التنوير والمدنية، تماما كما حدث إبان الحملة الفرنسية على مصر. وبخلاف المقاومين الذين كانوا من كل فئات المجتمع المصري وعلى رأسهم علماء الأزهر؛ برزت فئة من العوام والمنتسبين لبعض الطرق الصوفية الذين تماهوا مع المحتل، ووقعوا في شباك دعايته البارعة، التي صُممت بدقة لاختراق وجدانهم. لقد استسلم هؤلاء لعملية استلاب عميقة جعلتهم يرون في نابليون بونابرت صديقا للمسلمين بل وحاميا للإسلام،

وعندما كانت المدافع الفرنسية تدك الجامع الأزهر وتنتهك حرماته؛ واجه أصحاب هذه النفوس المأزومة تمزقا وجدانيا بين هويتهم الأصلية وبين الصنم الثقافي الجديد الذي روج له مهندس الوعي الفرنسي. هنا تدخل الانحياز التأكيدي كمخدر لهذه الهشاشة فبدلا من رؤية دماء المصريين بني جلدتهم؛ ذهبوا يبحثون بلهفة عن أي قرينة تؤيد أوهامهم، فالتقطوا لا إراديا تصريحات نابليون التي ادعى فيها إسلامه، وتقرب فيها لعلماء الديوان، بل وصدقوا الفرية التي شاعت بأن جنرالاته قد اعتنقوا الإسلام، ولُقبوا بأسماء إسلامية مثل عبد الله مينو.

لقد انتقوا من مشهد الاحتلال الدامي تلك الأخبار التي تداعب رغبتهم في الشعور بالأمان، تحت الظل القوي، وأغمضوا أعينهم عن المشانق وإذلال الأهالي وانتهاك المقدسات. مهندس الوعي الفرنسي حينها غذى هذه الهشاشة بتقديم روايات تفتتن بالعلم والتقدم، وتصور نابليون بصفته الحاكم العادل الذي جاء ليخلصهم من ظلم المماليك، فالتقطتها تلك النفوس المستلبة كطوق نجاة، لأن الاعتراف بسقوط القناع عن المحتل يعني انهيار جدران عالمهم الجديد، والذي استمدوا منه طمأنينة زائفة، وبالتالي سيضطرون للانضمام إلى المقاومة ضد المحتل، وهي عملية ثقيلة على قلوبهم وأرواحهم. وهكذا تم تحييد الحساسية القيمية؛ عبر انتقاء الأعذار التي تجعل من تدنيس المسجد وجهة نظر سياسية، ومن موالاة المحتل ضرورة واقعية، لتنتهي هذه النفس بلا عمود فقري أخلاقي، تقبل سحق تاريخها بشرط أن يظل المرجع الأجنبي في عينها منزها عن صفات الوحشية التي يمارسها عيانا.

رابعا: صناعة الكائن الوظيفي

يظهر الانحياز التأكيدي في أبهى صوره لدى الكائن الوظيفي الذي حصر وجوده في المادة الصرفة، ولعل المثال الأبرز يتجسد في تلك الشريحة من العلماء والمختصين الذين يغرقون في تفاصيل السبب ويذهلون عن المسبب، فتجد عالم البيولوجيا أو الفلك الذي يقضي عمره في دراسة القوانين المحكمة والدقة المتناهية التي تحكم الخلية أو حركة الأفلاك، وحين يبصرهما يمارس دماغه عملية إغلاق قسري لأي تساؤل يشير إلى وجود الخالق سبحانه.

إنه يمارس العمى الاختياري المنحاز؛ ففي الوقت الذي يرى فيه التقدير الإلهي في الشفرة الوراثية، يصر على التقاط أي فرضية مادية متهافتة ليسميها تراكما عشوائيا، وحين يشهد آيات الإعجاز في خلق الإنسان، يبحث بنهم عن أي ورقة بحثية تحصر الأمر في تفاعلات كيميائية صماء. مهندس الوعي العلماني أقنعه بأن العلم هو ما ينفي الغيب فقط، فصار عقله ينحاز بضراوة لكل ما هو مادي، ويستبعد كل ما هو إيماني، ليس لضعف الدليل الفطري القائم أمام عينيه، بل لأن الدليل الذي يشير للخالق يفرض عليه مسؤولية أخلاقية وعبودية لله تخرجه من غيبوبته الوظيفية وتجبره على تغيير نمط حياته.

لقد تحول هذا العالم إلى كائن وظيفي يمارس الانحياز التأكيدي كأداة حماية لغفلته؛ فهو يجمع التفاصيل التي تؤيد استغلال المادة ليحمي عالمه الداخلي من سطوع الحقيقة. إنه يرفض رؤية الآيات الكبرى لا لأنها غائبة، بل لأن عقله صار مصفاة لا تمرر إلا ما يطابق النمط المادي الذي ألفه، ليظل في النهاية غافلا عن الغاية من وجوده، محولا العلم من وسيلة لتعظيم الخالق إلى غطاء كثيف يحجب عنه نور اليقين، مصداقا لقوله تعالى: "يَعْلَمُونَ ظَاهِرا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ".

ولا يعني معرفتنا بهذه الظاهرة أننا محصنون منها؛ فالاستبصار بالعواقب لا يمنع وقوعنا في الأخطاء. وقد بين لنا الله سبحانه ذلك في قوله تعالى: "وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ". ولذلك فإن الانحياز التأكيدي هو الثغرة الكبرى التي يسكنها مهندسو الوعي في مراكز الدراسات الدولية والشركات الكبرى وغرف الأخبار وحتى الباعة في الشوارع، حيث يستخدمونه في إعادة التوجيه الذهني للمجتمعات المستهدفة، فيحولون عقل المستهدف من البحث عن الحقيقة إلى محامٍ عن الرواية المسبقة. إنه المرشح الذي يضعه المهندس على عينيك لتصبح أنت من يقوم بمهمة التضليل لنفسك دون حاجة لمجهود إضافي منه.

والتحرر من سطوة ظاهرة الانحياز التأكيدي لا يكون بمزيد من المعلومات بل بمزيد من التجرد والشجاعة الأخلاقية، فالوعي الحقيقي هو الذي يجعلك تبحث عن المعلومة التي تزعجك وتنقض رأيك قبل تلك التي تريحك وتؤيدك. لقد نبهنا الله تعالى إلى ضرورة العدل في الإدراك حتى مع الخصوم فقال سبحانه: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"، والعدل هنا يبدأ من عدل الرؤية الذي لا يدفعك فيه كرهك لجهة أو حبك لأخرى إلى تزييف الحقائق أو غض الطرف عن البيانات الصادقة. التحرر يبدأ حين تقرر أن تكون باحثا عن الحقيقة لا محاميا للشيطان.




المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)