بعد أن
فككنا في المقال السابق كيف يُستغل التعاطف الإنساني النبيل عبر هندسة العمى
الوجداني لابتزاز الضمير، ننتقل اليوم إلى الظاهرة الحادية عشرة في هذه السلسلة؛
وهي ظاهرة أكثر قسوة وتتعلق بمحدودية الطاقة النفسية. فالإنسان، بطبيعته، يملك
مخزونا محدودا وقابلا للنفاذ من القدرة على تحمل الضغوط العاطفية ومواجهة الأزمات.
وحين يدرك مهندس
الوعي هذه الثغرة، فإنه لا يسعى لإقناع الجماهير، بل يعمد إلى
استنزاف هذا المخزون حتى يصل بالمجتمع إلى حالة من الاستسلام الذهني؛ وهي القبول
بالواقع المرير كأمر واقع، والتخلي عن مقاومة الظلم خوفا من استنزاف ما تبقى من
رمق نفسي، والانزلاق إلى اللامبالاة كآلية دفاع أخيرة لحماية الذات من الانهيار
الكامل.
وهذه
الظاهرة تفسرها أبحاث عالم النفس روي باومايستر حول ما يُعرف باستنفاد الأنا، حيث
أثبت أن قوة الإرادة والقدرة على اتخاذ القرارات الواعية ومقاومة الضغوط هي موارد
طاقة ذهنية محدودة في الدماغ، تشبه إلى حد كبير العضلات؛ كلما أُجهدت في التعامل
مع أزمات متلاحقة، ضعفت قدرتها على الصمود والمقاومة، وأصبح الفرد ميالا للقبول
بأول خيار متاح أمامه دون تمحيص.
حين يتم
إغراق المجتمع في سيل لا ينقطع من التهديدات الأمنية، والأزمات الاقتصادية،
والمعارك الهامشية المفتعلة، يصاب الوعي الجمعي بما أسماه عالم النفس مارتن
سيليجمان بالعجز المتعلم، في هذه الحالة، تتولد لدى الأفراد قناعة راسخة بأن أي
محاولة للتغيير أو الاعتراض هي محاولة عبثية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الألم
واستنزاف الطاقة. هنا يتدخل العقل البشري بآلية دفاعية غريزية وهي اللامبالاة؛ حيث
يتوقف الفرد عمدا عن الاهتمام بالشأن العام أو ملاحقة الأخبار، ويغلق مفاتيح وعيه
من الواقع كدرع واقٍ لحماية توازنه النفسي من التفتت، وهو بالضبط ما يهدف إليه
مهندس الوعي: مجتمع مستسلم، يرى الظلم والفساد فلا يتحرك، ليس تأييدا له، بل لأن
كلفة الاعتراض تتطلب طاقة نفسية لم يعد يملكها.
وضع ناصر الكتالوج الأساسي لإنهاك الوعي؛ حيث جرى إدخال المجتمع في دوامات عاطفية متداخلة وحالة استنفار نفسي لا تهدأ، ليصحو المواطن على طبول معركة كبرى ضد الإمبريالية، وينام على كشف مؤامرة للرجعية، ويمضي أسبوعه في قلق الحروب والمغامرات الخارجية
وهذا
النمط الممنهج من
السيطرة تلخصه حكاية رمزية بليغة تُعرف في أدبيات السياسة
بإستراتيجية هز القفص:
يحكى أن
أحد أبناء الحاكم طلب من أبيه أن يجعله وليا للعهد، فوافق الأب بشرط أن يأخذ قفصا
مليئا بالكتاكيت إلى ميدان التحرير، ويطلقها هناك ثم يحاول جمعها مرة أخرى داخل
القفص. ضحك الابن مستهينا بالأمر وقال: إذا كان حكم
مصر بسهولة السيطرة على
الكتاكيت في ميدان التحرير فأنا لها بكل تأكيد. لكنه ما إن فتح باب القفص في
الميدان حتى تفرقت الكتاكيت الشابة في كل اتجاه، وعجز تماما عن تجميعها وعاد خائبا
إلى أبيه.
هنا أحضر
الحاكم قفصا آخر فيه مجموعة جديدة، وقبل أن يفتحه، أخذ يهز القفص بقوة وعنف تارة،
وبرفق ولين تارة أخرى، حتى دارت رؤوس الكتاكيت واستكانت وتخدرت داخله. وعندما ذهب
بها الابن وفتح باب القفص، كانت المفاجأة؛ لم تبارح الكتاكيت مكانها، وبقيت تترنح
في الداخل مستسلمة لدوامتها دون أي رغبة في الخروج. ابتسم الزعيم الأسبق وقال
لابنه: هكذا تحكم الشعب.
وإذا كان
هذا الاستنزاف النفسي إستراتيجية قديمة قدم التاريخ، فإن حقبة حكم الرئيس جمال عبد
الناصر في مصر مثّلت نقطة التأسيس وبداية التدشين الفعلية والمؤسسية لهذا النمط من
هز القفص المصري في تاريخنا المعاصر. فمع صعود ناصر، انتقلت أدوات السيطرة على
المصريين من القمع المادي التقليدي الموروث من عهود الاستعمار والملك، إلى منظومة
سيطرة متكاملة، فبجانب القمع المادي التقليدي؛ كان هناك استراتيجية للغمر والإنهاك
النفسي تديرها -لأول مرة وبشكل مؤسسي دولتي- ترسانة إعلامية وفنية ورياضية ودينية
وتنظيمية فائقة القوة.
ومن
الأمانة بمكان التأكيد على أن هذا التشريح الفكري لا يسعى بحالٍ إلى إنكار أو غض
الطرف عن المنجزات والتحولات الإيجابية العديدة التي حققتها الحقبة الناصرية في
ملفات شتى، أو حتى التناول التحقيقي للإخفاقات والهزائم الناصرية؛ فالتاريخ لا
يُكتب بلون واحد. إلا أن ما يعنينا بالرصد والتحليل في هذا المقام -وضمن سياق
سلسلة هندسة الوعي تحديدا- هو تفكيك الآلية النفسية والسلوكية التي وُظفت لبناء
صرح السلطة المطلقة، وكيف تحولت تلك الممارسات إلى حجر الأساس والمخطط الهيكلي
(الكتالوج) الذي رسّخ للنمط الديكتاتوري، وتلقفته النظم اللاحقة لإعادة إنتاج
السيطرة وتأبيدها.
لقد وضع
ناصر الكتالوج الأساسي لإنهاك الوعي؛ حيث جرى إدخال المجتمع في دوامات عاطفية
متداخلة وحالة استنفار نفسي لا تهدأ، ليصحو المواطن على طبول معركة كبرى ضد
الإمبريالية، وينام على كشف مؤامرة للرجعية، ويمضي أسبوعه في قلق الحروب
والمغامرات الخارجية وسط ضخ مستمر للأناشيد الحماسية التي ترفع الأدرينالين النفسي
إلى ذروته ثم تهبط به إلى قاع القلق الوجودي.
هذا الغمر
المتواصل أدى إلى استهلاك المخزون النفسي للمصريين؛ فأصبح المواطن مستهلَكا
بالكامل في ملاحقة معارك الرئيس وأحلامه، ومحاصرا داخل إطار التهديد الخارجي
الدائم، مما أبعده تماما عن التفكير في محاسبة السلطة على غياب الحقوق والحريات،
ليحدث هذا الاستسلام والتنحّي الطوعي عن التفكير عبر أربع مراحل مرسومة بدقة:
أولا:
صناعة الإنسان الأداة
في هذه
المرحلة، لا يعتمد مهندس الوعي على التخويف الفج فحسب، بل يتدخل في أدق تفاصيل
الاحتياجات البشرية ليعيد صياغة أولويات الفرد، محولا إياه من كائن ذي تطلعات
إنسانية شاملة إلى إنسان أداة يتحرك وفق بوصلة المنظومة. لقد أدركت الحقبة
الناصرية أن الطريق الأسرع لتفكيك استقلالية المواطن هو تحويل حقوقه الأساسية إلى
منح سلطوية تستوجب الولاء المطلق كأداة للتبادل.
هنا، لم
يكن قانون الإصلاح الزراعي وتأميم الأراضي وتوزيعها على الفلاحين مجرد عدالة
اجتماعية، بل كان في عمقه السياسي هندسة وجدانية متقنة؛ إذ تحول الفلاح -الذي عانى
تاريخيا من سياط الإقطاع- إلى مدين بوجوده وكرامته لشخص الزعيم. هذا الامتنان
الإنساني النبيل جرى استثماره بذكاء ليصبح القيد الناعم؛ فغدا المواطن أداة طيعة
في ماكينة المشروع القومي، يصفق في المظاهرات، ويسابق الزمن في المصانع لاهثا خلف
أرقام الإنتاج المعززة للبروباغندا، بينما يُقاد ذهنه بالتوازي عبر أزمات معيشية
يومية مصطنعة كطوابير الجمعيات الاستهلاكية. لقد حُصر وعي الإنسان في حيز تأمين
القوت اليومي، مما جعله أداة استجابة فورية لمؤثرات الإعلام: يهتف إذا نادت السلطة
بالزحف، ويرتاب في أقرب الناس إليه إذا حذرته من الجواسيس، متخليا عن سيادته
النفسية ليصبح صدى لصوت الزعيم الذي يهز القفص.
ولم تقف
حدود هذه الأداة داخل القطر المصري؛ بل جرى تمديد القفص ليشمل الوعي العربي
والإفريقي عبر تسويق صورة المخلص الأوحد. فلأجل ترسيخ هذه الكاريزما العابرة
للحدود، جرى تحويل الجيش المصري نفسه إلى أداة في مغامرات إقليمية كبرى كحرب
اليمن، وضُخت الأموال والسلاح في عمق أفريقيا لدعم حركات التحرر، لا لبناء دول
مؤسسية، بل لشراء ولاءات وجدانية وصناعة شعوب تابعة ترى في ناصر زعيمها الأممي،
حتى وإن كان الثمن استنزاف دماء وطاقات الإنسان المصري.
ثانيا:
صناعة العقل التابع
بعد أن
تستهلك الأزمات اليومية طاقة الناس الذهنية، يلتفت مهندس الوعي إلى عقولهم ليقيد
قدرتها على النقد والمحاكمة. يحدث هذا عبر صفقة أو مقايضة كبرى، تضمن السلطة
للمواطن أمانا معيشيا ووظيفة ثابتة، مقابل أن يغلق هو عينيه وعقله عن أي تفكير
مستقل. وفي هذه المرحلة، يختار العقل الاستسلام طوعا، ببساطة لأن التفكير والنقد
في جو مشحون ومضطرب يتحولان إلى عبء ثقيل ومخاطرة قد تحرم الشخص من أمانه، فيصبح
التخلي عن السؤال والبحث مجرد وسيلة غريزية لحماية الذات والعيش في سلام.
هذه
المقايضة ظهرت بوضوح في سياسة الدولة الناصرية عندما التزمت بتوظيف كل الخريجين في
الجهاز الحكومي، فتحولت الوظائف في المكاتب والوزارات المزدحمة إلى مكافأة مضمونة
على الطاعة والولاء، دون أن تكون هناك حاجة اقتصادية حقيقية لكل هؤلاء الموظفين.
على أن
هذه السياسة لم تكن في بداياتها خالية من مبررات تنموية واجتماعية مشروعة؛ فقد
كانت هناك حاجة حقيقية لبناء جهاز إداري للدولة الوليدة بعد عقود من التهميش تحت
الحكم الملكي، لكن هذه المبررات المشروعة سرعان ما تحولت مع الزمن إلى أداة من
أدوات هندسة الوعي؛ فما بدأ كحق للمواطن في العيش الكريم، انتهى إلى منّة من
السلطة تُمنح مقابل السكوت، وتُسحب لحظة التفكير في النقد. وبذلك، تحول العقد
الاجتماعي من ضمانة للكرامة إلى قيد للتبعية، وأصبحت البيروقراطية المكدسة ليست
فقط عبئا على الاقتصاد، بل شبكة عنكبوتية من المصالح الصغيرة التي تختار طوعا ألا
ترى الحقيقة كاملة.
هذا
الاتفاق الضمني غير المكتوب جعل المواطن يرى في ترديد كلام السلطة وتبني روايتها
ثمن أمانه الوظيفي واستقراره المعيشي. ومع الوقت، وبسبب الخوف من خسارة هذا
الاستقرار، أصبح العقل التابع يتقبل التناقضات الواضحة دون أي شعور بالضيق؛ فصار
يرى في غياب الحريات والمحاكمات العسكرية وإعدام المعارضين أمرا لا بد منه لحماية
المكتسبات، وبات يرى في الأزمات المعيشية الطاحنة ثمنا طبيعيا للكرامة، لأن السلطة
أقنعته بأن الفرد العادي لا يمكنه رؤية اللوحة كاملة، وأن الزعيم وحده هو من يملك
الرؤية الشاملة.
ولم يقف
هذا النمط عند حدود مصر، بل جرى تصديره بذكاء شديد إلى الشعوب العربية من خلال آلة
إعلامية قوية قادتها إذاعة صوت العرب. كانت الإذاعة تخاطب الوجدان العربي وتطالبه
بالتنازل عن خصوصياته السياسية وقياداته المحلية لصالح حلم الوحدة الفورية السريعة،
وتحت تأثير هذا الشحن، اندفعت الجماهير في الشام لتقبل شروط الوحدة الصعبة مع مصر،
وتحمست شعوب أخرى في المنطقة لمشروعات وحدوية متلاحقة. لقد تنازل العقل العربي في
تلك الحقبة عن حقه في السؤال والتمحيص، وسلم قياده الفكري لمهندس الوعي في
القاهرة، مدفوعا بوعود قطار القومية والزحف المقدس الذي لا وقت لديه لترف الأسئلة
أو مراجعة طريقة الحكم.
ثالثا:
صناعة النفس الهشة
في هذه
المرحلة، ينتقل التلاعب من العقول إلى العواطف والمشاعر؛ حيث يضع مهندس الوعي
الجماهير فوق أرجوحة نفسية حادة تتنقل بهم بانتظام بين شعور هائل بالفخر والزهو،
وبين خوف مرعب على المصير من مؤامرات الأعداء. هذا التأرجح المستمر ينتج شخصية هشة
تفقد اتزانها الداخلي وتعتمد بالكامل على السلطة لتشعر بالأمان.
كان
النظام يستهلك طاقة الناس العاطفية بإبقائهم في حالة استنفار دائم وقلق لا ينتهي؛
فيصحو المواطن في الصباح على أناشيد النصر وأمجاد بناء السد العالي أو تأميم
القناة ليمتلئ قلبه بالفخر، ولينام في المساء نفسه على أخبار مرعبة عن مؤامرات حلف
بغداد، ودسائس الاستعمار، وخيانات قوى الرجعية ومحاولات اغتيال الزعيم. هذا الضغط
العاطفي المتواصل يفرغ النفس من أي قدرة على التوازن، ويصيبها بإنهاك شديد يدفعها
في النهاية إلى الصمت والانكفاء على الذات كآلية دفاعية أخيرة. يصبح الإنسان هنا
خائفا من أي محاولة لإصلاح أو تغيير الواقع، لأنه يعتقد أن أي حركة قد تتسبب في
انهيار السقف فوق رؤوس الجميع؛ وهكذا يتحول الخوف من الفوضى إلى حارس نفسي يحمي
الوضع القائم، ويفضل الفرد البقاء مستكينا في مكانه على المخاطرة بالخروج إلى واقع
غير مضمون.
هذا
الارتباط العاطفي تجاوز الداخل المصري ليعلق شعوب المنطقة كلها في شباك النفسية
الهشة ذاتها. فقد نجحت خطابات الزعيم في منح المواطن العربي من المحيط إلى الخليج
شعورا عارما بالكرامة والانتصار على القوى التقليدية، لكنها في الوقت نفسه زرعت
فيه خوفا جماعيا من أن غياب ناصر يعني ضياع الأمة كلها وانكشافها أمام العدو وسقوط
قضية فلسطين. هذا الخوف المصنوع حوّل ملايين العرب خارج مصر إلى مدافعين شرسين عن
النظام الناصري، مستعدين لتبرير كل أخطائه وقمع الحريات فيه، مفضلين البقاء داخل
الدوامة العاطفية المريحة للزعيم على مواجهة الواقع الحقيقي والاعتراف بإخفاقات
التجربة.
رابعا:
صناعة الكائن الوظيفي
تكتمل
الحلقة ويصل مهندس الوعي إلى مبتغاه حين يتطوع الفرد بنفسه، سواء كان مواطنا بسيطا،
أو مثقفا معروفا، أو مسؤولا في الدولة، ليتحول إلى كائن وظيفي يمارس بنفسه وحرصه
دور حارس البوابة لصالح النظام، مدفوعا بغريزة الخوف على المكاسب الصغيرة التي حصل
عليها ثمنا لولائه وطاعته.
في العهد
الناصري، لم يعد الولاء مجرد مشاعر حب في القلوب، بل تحول إلى وظيفة حقيقية داخل
مؤسسات الدولة، مثل الكوادر التابعة للتنظيم الطليعي، أو الكتّاب والمثقفين الذين
سخروا أقلامهم لخدمة الرواية الرسمية، أو الموظفين المستفيدين من شبكات المصالح
السياسية. وهنا، يتصرف الكائن الوظيفي بحماس كبير يفوق أحيانا ما يطلبه النظام
نفسه؛ فهو لا يكتفي بالسكوت عن الأخطاء والتجاوزات، بل يتحرك من تلقاء نفسه
لمراقبة جيرانه وزملائه، ويتطوع بتخوين المخالفين وكتابة التقارير الأمنية وإسكات
أي صوت يطالب بالمحاسبة أو يتحدث عن تداول السلطة.
المأساة
الحقيقية هنا هي أن الكائن الوظيفي يدافع عن بقاء القفص والوضع الحالي دفاعا عن
وجوده ومصلحته المباشرة؛ فهو يعرف جيدا أن نظام المنح والمزايا الذي أعطاه أرضا
زراعية خصبة، أو مكتبا حكوميا مريحا، أو مكانة ثقافية رفيعة، سينتهي تماما إذا
استعاد المجتمع عافيته النفسية وبدأ يطبق معايير العدالة والكفاءة والحرية. ولهذا
السبب، تمددت هذه الصناعة لتخترق النخب الثقافية والسياسية في العالم العربي كله؛
حيث تحول فنانون وشعراء وسياسيون عرب إلى حراس للوعي يتلقون الدعم من القاهرة
ليقوموا بدور شرطة الفكر في بلادهم، فيسكتون الأصوات التي تطالب بالحرية تحت شعار
أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لينتهي الأمر بالجميع، وبسبب استنزاف طاقتهم
النفسية، إلى التحلّق حول السلطة وحراسة القفص وإغلاق بابه بإحكام.
والأخطر
من ذلك أن هذا النمط السلوكي لم يرحل برحيل زعيمهم؛ فبعد وفاة عبد الناصر، استمر
الكثير ممن جرى تشكيل وعيهم وصناعتهم ككائنات وظيفية في ممارسة الدور نفسه عبر
الأجيال. لم يقف هؤلاء عند حدود ولائهم القديم، بل تحولوا هم أنفسهم مع الوقت إلى
مهندسين جدد للوعي، يعيدون إنتاج الكتالوج ذاته لتهيئة عقول الشباب والأجيال
الجديدة وزرع العجز والتبعية فيهم. هذا الإرث النفسي والسياسي لم ينحصر داخل حدود
مصر، بل انتقل وتوارثته تجمعات ونخب في عدة دول عربية تحت اسم الناصريين، ليتحول
الانتماء لهذه الفكرة لدى بعضهم من مشروع سياسي قابل للنقد والمراجعة، إلى أداة
سيكولوجية موروثة لحراسة قضبان الماضي، وتخوين المخالفين، وإغلاق باب القفص أمام
أي محاولة للتجديد أو التحرر الفكري.
بعد وفاة عبد الناصر، استمر الكثير ممن جرى تشكيل وعيهم وصناعتهم ككائنات وظيفية في ممارسة الدور نفسه عبر الأجيال. لم يقف هؤلاء عند حدود ولائهم القديم، بل تحولوا هم أنفسهم مع الوقت إلى مهندسين جدد للوعي
إن هذه
الأنماط الأربعة التي هندستها الحقبة الناصرية لم تكن مجرد إجراءات استثنائية
فرضتها ظروف الخمسينيات والستينيات الصاخبة، بل كانت بمثابة التدشين الفعلي
والتدوين التاريخي لكتالوج الديكتاتور المريض بالسلطة؛ تلك الشفرة التأسيسية
لإخضاع الوعي التي تلقفتها النظم الحاكمة في مصر من بعده كإرث سياسي جاهز للتطبيق.
غير أن هذا الكتالوج لم يظل ساكنا؛ بل أعاد كل حاكم متعاقب صياغته وتأهيله ليتواءم
مع مقتضيات زمنه والملامح النفسية لشخصيته، متحولا من الشحن الأيديولوجي العروبي
الصاخب، إلى التخدير الاستهلاكي والإنهاك الاقتصادي تارة، أو الترويع الأمني
والبيروقراطي تارة أخرى.
ومع تسارع
عجلة الزمن، فرضت الثورة التكنولوجية والمعلوماتية طفرة وتطويرا قسريا على آليات
هز القفص؛ ففي عصر الفضاءات المفتوحة وشبكات التواصل، لم يعد بإمكان مهندس الوعي
إغلاق المنافذ أو كتم الصوت كما كان يفعل أحمد سعيد خلف ميكروفون صوت العرب. بدلا
من ذلك، تطورت الاستراتيجية من المنع إلى الإغراق؛ حيث جرى استغلال المنصات
الرقمية لإنتاج سيل لا ينقطع من المعارك الوهمية، والترندات المصطنعة، والاستقطاب
الحاد، وتوجيه اللجان والذباب الإلكتروني الممنهج، بهدف تشتيت العقل الجمعي
وإيصاله لذات النتيجة الناصرية: التشتت العاطفي، والإنهاك الذهني، والاستسلام
التام لدوار القفص.
ولم يكن
هذا التحديث محلي الصنع بالكامل، بل جاء ثمرة للتحالف والتنسيق مع القوى العالمية
والمنظومات الدولية العابرة للحدود، والامتثال لما تمليه وتنصح به شركات إدارة
السمعة الدولية ومكاتب الاستشارات الأمنية والنفسية الكبرى؛ حيث تحولت هندسة
الاستبداد من ممارسة ارتجالية إلى علم مدفوع ببيانات الخوارزميات وتقنيات المراقبة
اللامرئية التي تُمليها متطلبات النظام الدولي للحفاظ على مصالحه. لقد تسلم الحكام
اللاحقون من ناصر هيكل القفص وبنيته السيكولوجية، لكنهم زودوه بقضبان رقمية خفية
تناسب القرن الحادي والعشرين، ليظل الإنسان المصري محاصرا داخل الدوامة ذاتها،
مستنزف الطاقة، وإن تغيرت مسميات المعارك واللاعبين.
إن التحصن
من هذه الهندسة النفسية التي تسعى لإنهاك الطاقات وإدخال الشعوب في نفق اللامبالاة
والاستسلام، يبدأ من إعادة ربط النفس بمصدر طاقة مطلق لا ينفد، والتحرر من أسر
الأزمات المصطنعة التي يغزلها مهندسو الوعي.
وقد وضع
القرآن الكريم منهجا بليغا لحماية الوعي الإنساني من التفتت والانهيار أمام سيل
التخويف والضغط المستمر. ففي مواجهة حالة العجز المتعلم والقبول بالهزيمة كواقع
حتمي، يفكك القرآن الكريم تلك الآلية النفسية الخطيرة التي تدفع الإنسان لليأس
والانسحاب من الحياة والشأن العام. ففي سورة يوسف، يعطينا القرآن المفتاح الذهبي
لكسر هذه الدائرة النفسية المغلقة التي يصنعها الإحباط المتراكم، وذلك في قول الله
تعالى: "يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا
تَيْأَسُوا مِن رَّوحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ".
تأتي هذه
الآية الكريمة في ذروة أزمة يعقوب عليه السلام، بعد سنوات طويلة من الفقد والإنهاك
العاطفي وتلاحق النكبات، لتثبت أن اليأس والاستسلام ليسا مجرد مشاعر عابرة، بل هما
آلية انسحاب ذهني خطيرة تعطّل طاقة الحركة. والنهي عن اليأس هنا هو دعوة صريحة
لرفض منطق العجز الذي تحاول الاستبداديات زرعه في النفوس؛ فالرَّوْح الإلهي يعني
الفرج والاتساع والتغيير الممكن في أي لحظة. والتمسك بهذا اليقين يمنع مهندس الوعي
من إغلاق أفق المستقبل أمام الإنسان، ويبقيه في حالة فاعلية ترفض الاستكانة لدوار
القفص.
وفي
مواجهة الغمر المستمر بالأزمات وحملات الترويع التي تسعى لتشتيت الوعي واستنزاف
الطاقة النفسية للأفراد حتى تصل عقولهم إلى مرحلة استنفاد الأنا، يقدم القرآن في
سورة الأنفال مشهدا عبقريا لعملية إعادة الشحن النفسي واسترداد الثبات بعد
الإنهاك، في قوله تعالى: "إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَة مِّنْهُ
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ
عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ
الْأَقْدَامَ".
هذا النص
يعبر بعمق مذهل عن سيكولوجية استعادة التوازن؛ فالمؤمنون كانوا في حالة خوف شديد
واستنزاف عصبي ونفسي هائل، فجاء التدخل الإلهي ليعالج هذا الإنهاك عبر النعاس الذي
يمنح السكينة ويهدئ ضربات القلب الخائفة، وعبر الربط على القلوب وهو الترياق
المباشر ضد التشتت والاضطراب.
وحين يربط
الله على قلب الإنسان، فإنه يفصل وعيه تماما عن الشحن العصبي الزائد والدوار الذي
يمارسه مهندسو الخوف، ويذهب عنه رجز الشيطان المتمثل هنا في الوساوس واللامبالاة
والانسحاب، مما يؤدي في النهاية إلى تثبيت الأقدام؛ أي استعادة القدرة على الفعل
والمواجهة والتحرك الواعي على الأرض.
إن
استعادة السيطرة على طاقتك النفسية هي الخطوة الأولى والأساسية لاسترداد حريتك
وإرادتك المعطلة. والتحصن بالمنهج القرآني يمنح النفس مخزونا لا ينضب من القوة،
ويجعل الفرد قادرا على رؤية اللوحة الكاملة وتفكيك الخداع، دون أن تبتلعه الدوامات
المصطنعة التي تبقيه سجينا مستسلما لغيره.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.