خال هاني شاكر من القيادة الإخوانية التاريخية.. ما الدرس؟!

عصام تليمة
صرح هاني شاكر بكلام شديد ضد الجماعة، وربما لو كان خاله حيا لوبخه على كلامه، فلم يسمع من هاني طوال حياة خاله كلاما ضد الإخوان..
صرح هاني شاكر بكلام شديد ضد الجماعة، وربما لو كان خاله حيا لوبخه على كلامه، فلم يسمع من هاني طوال حياة خاله كلاما ضد الإخوان..
شارك الخبر
توفي الفنان المصري المعروف هاني شاكر، ولأن المجال العام في كل حالة وفاة، كل يبحث عن الجانب الذي يغلب عليه النظر والموقف من المتوفى، فإن كان سياسيا أو فنانا أو صاحب موقف، ينظر لموقفه من السلطة والمظالم، وهاني شاكر فنان اشتهر طوال حياته بفنه الغنائي، ورحلته مع السلطة بوجه عام، لم يكن ضدها، بل إن أشهر أغانيه التي اشتهر بها كانت عن مصر، ومبارك، وكانت بالاشتراك مع الفنان محمد ثروت.

وإن كان المطربون والمغنون هم الفئة الأقل التي تبرز مواقفها مع السلطة، بخلاف الممثلين، فمساحة استخدام السلطة لهم أكبر، وبخاصة بعد الانقلاب العسكري وفض رابعة، سوى مواقف زاعقة بأغاني مرفوضة من البعض، كأغنية تسلم الأيادي، والتي غنيت ورددت في كل سياق كانت فيه مجازر تمارس ضد المدنيين المتظاهرين الرافضين للانقلاب العسكري، وأغنية: أنتو شعب واحنا شعب، والتي غناها المطرب علي الحجار، ولم يعرف لهاني أغاني في هذا السياق، لكن رصد له الناس لقاءات وفيديوهات هاجم فيها بظلم شديد الدكتور محمد مرسي والإخوان.

نموذج الصلة والعلاقة بين صلاح شادي وهاني شاكر، لا تخلو منه عائلة مصرية، وقد كانت في عائلتي هذا التنوع: كان لي عم من الإخوان، وعم من التجمع، وعم من الماركسيين، وعم من المشايخ الصوفية، وعم من الحزب الوطني، كل هذه التنوعات في كل عائلة، وفي كل مجتمع، يكون تنوعا مقدرا لو حكمه الخلق والأعراف التي تمنع من التجاوز المرفوض شرعا وعرفا وخلقا، وهو ما افتقدناه في المرحلة السياسية الأخيرة البائسة للأسف.
ثم كانت المفاجأة التي لا يعلمها كثيرون، سواء من الإخوان، أو من كتاب وإعلاميي السلطة، أن هاني شاكر ينتمي من جهة أمه لرمز إخواني كبير، وليس مجرد رمز عادي، فخاله شقيق أمه، هو اللواء صلاح شادي، وهو أحد رموز الإخوان المسلمين، من الرعيل الأول للإخوان، ولم يكن مجرد رمز، بل كان المسؤول عن أحد تنظيمات الإخوان السرية، وقد صدم الإخوان المسؤولون عن عزاء صلاح شادي، حين رأوا هاني شاكر حاضرا العزاء باكيا بحرقة، فلما جلس بجواره أحد إعلاميي الإخوان، وسلم عليه ظانا منه أنه يعزي ربما لصلة تربط شادي بوالد هاني، أو سكنى قديمة، فوجئ به يخبره بأنه ابن أخته!!

صلاح شادي شخصية لها تاريخ مهم في جماعة الإخوان، فقد تعرف عليه الشيخ حسن البنا حين كان ضابطا في وزارة الداخلية مسؤولا عن نقطة أمنية في إحدى قرى مصر، وأعجب بطريقته في التعامل مع الجريمة، وكيف أن منطقته قد خلت من الجريمة، وهو ما لفت نظر مفتش الداخلية حين تعجب من ذلك، وكتب حسن البنا القصة كاملة، في مقال بعنوان: بهذا وحده يكون الإصلاح، وقد نشرها في مجلة الإخوان المسلمين نشرت في مجلة (الإخوان المسلمون) في العدد (34) من السنة الثانية الصادر في 13 من جمادى الثانية سنة 1363هـ ـ 6 من مايو سنة 1944م.

سعى حسن البنا لتأسيس ثلاث تنظيمات سرية، تنيظم مدني، وتنظيمين عسكريين، أما التنظيم المدني، فكان التنظيم الخاص، أو السري، وكان أعضاؤه مدنيين، ومسؤولهم مدني، وهو عبد الرحمن السندي، والذي يكثر الحديث عنه وعن أعمال التنظيم في أحداث العنف السياسي قبل الحكم العسكري وبعده في عهد عبد الناصر.

أما التنظيم الثاني العسكري، فكان داخل الجيش، وهو تنظيم الضباط الأحرار، في بداياته، وقد كتب تفاصيل علاقة هذا التنظيم بالإخوان وحسن البنا تحديدا، الرئيس جمال عبد الناصر، حين قال: إن من أوحى له بالتنظيم وأعانه عليه: محمود لبيب، وهو رمز إخواني عسكري، وانضم للتنظيم عسكريون انضموا للإخوان، ثم غادروها وتم تأسيس تنظيم الضباط الأحرار، وكان الإخوان جزءا منه، وكتب التفاصيل الرئيس أنور السادات في كتاب مهم بعنوان: صفحات مجهولة، وقد كتب مقدمته جمال عبد الناصر، فيه تفاصيل مهمة عن دور حسن البنا وعلاقته بالضباط الأحرار، وهو تنظيم يعمل على الضباط داخل الجيش.

أما التنظيم الثالث، فيعمل داخل وزارة الداخلية، وسمي بقسم الوحدات، وكان مسؤوله صلاح شادي، وقد كتب كتابين عن تاريخه في الجماعة، وتاريخ قسم الوحدات، والتنظيم السري للجماعة، في كتاب بعنوان: صفحات من التاريخ، صدر في جزئين، كان الجزء الثاني منه، عبارة عن مقالات ردود على كتاب الدكتور عبد العظيم رمضان بعنوان: التنظيم السري لجماعة الإخوان، وقد كان الجزء الثاني من كتاب شادي مقالات منشورة في مجلة كويتية، هي من نشرت مقالات رمضان.

لماذا أكتب هذا المقال عن خال مطرب توفي؟ لا تكمن أهمية المعلومة هنا في مكانة صلاح شادي، أو علاقته بابن أخته هاني شاكر، بل الأمر له مرامي أخرى مهمة، للأسف تغيب في ظل الصراع الصفري الذي يسعى إليه النظام الغاشم في مصر، والجهلة بالتاريخ والمجتمع ممن حوله، وكذلك جهلة من معارضي النظام، لا تراعي هذه العلاقات والسنن المجتمعية في الحياة.

نعم صرح هاني شاكر بكلام شديد ضد الجماعة، وربما لو كان خاله حيا لوبخه على كلامه، فلم يسمع من هاني طوال حياة خاله كلاما ضد الإخوان، ولم تكن خؤولة شادي لشاكر هي العلاقة الأولى بين شخصيات تنضم للسلطة، وفي نفس العائلة علاقات أخرى مع الإخوان، ففي عائلة عودة، كان عبد القادر عودة الشهيد الذي أعدم على يد عبد الناصر، وكان أخوه عبد الملك عودة مع النظام، وابنه جهاد عودة أحد رجال الحزب الوطني في عصر مبارك، وكان أخوهما نقيب الممثلين الفنان عبد الغفار عودة، والذي تعهد بتربيته عبد القادر عودة رحمه الله.

وكذلك كانت صلة الداعية عمرو خالد بإبراهيم عبد الهادي الذي قام بالتنكيل بالإخوان بعد وفاة النقراشي، فقد كان جدا لعمرو خالد من جهة والدته، فكان عما لأمه، وابن القيادي الإخواني نبيل مقبل تزوج ابنة الفنان عادل إمام، وعقد القران وشهد عليه مرشد الجماعة محمد مهدي عاكف رحمه الله، والفنان نور الشريف تربطه صلة قرابة بزوجة الشيخ القرضاوي الراحلة أم محمد رحمه الله، وكان مجيد البهي الخولي ابن أحد قيادات الإخوان ضابطا في السجن الحربي، وكان عندما يحقق مع أحد الإخوان ويسأله: لمن تقرأ؟ فيجيب: لوالدك البهي الخولي، فيصمت، وقد حدثني بعض المعتقلين من قدامى الإخوان، أنه كان يخفف عنهم في السجن.

من أكبر الجرائم التي ارتكبها السيسي ونظامه وأعوانه، هذا السلخ الذي قاموا به مع الشعب، فلأجل ربح المعركة السياسية، قاموا بتمزيق أواصر الشعب، وتجاوز أتباعه أعرافا وأخلاقا كان من الصعب جدا أن يمارسها الشعب ضد شريحة أخرى منه من قبل.
هذه المساحة للأسف يتجاهلها من ينظر للصراع السياسي في مصر بين السيسي ومعارضته بكل ألوانها، وهي أن الناس مهما طغى الجانب السياسي هناك جانب اجتماعي إنساني، من أكبر المصائب أن يمحى هذا الجانب لصالح السياسي، الذي يتغير بدون أسباب أو مقدمات، ولكن تبقى الجراحات والمعارك التي أقامها الناس دون هذه المراعاة، ويبقى أثرها جرحا غائرا، وهو ما لا بد من مراعاته.

كثيرون ينظرون لتاريخ الإخوان، ويتعجبون من قامات فكرية ودينية، لماذا كان موقفها من الإخوان سيئا، رغم أنه ربطتهم من قبل صلات طيبة بالجماعة؟ فالشيخ أحمد شاكر عالم سلفي وكان صديقا لحسن البنا، لماذا يصدر فتوى شديدة في الإخوان بعد مقتل النقراشي؟ ولماذا يكتب كاتب كبير كالعقاد مقالا يطعن في نسب حسن البنا، وأنه يهودي مسلط على مصر، وقد كان حسن البنا قبل مقال العقاد قد قدم كتابه: الفلسفة القرآنية، في مقال مهم في مجلة (الشهاب) التي يصدرها حسن البنا، وقد أهداه العقاد له، ولماذا يتحول ثروت أباظة لكاره للإخوان، وقد كانت بداياته الأدبية في مجلة الدعوة الإخوانية؟

الإجابة السهلة التي يطلقها من لا يسبر غور الأمور: إنهم يعادون الدعوة! متناسين جوانب إنسانية واجتماعية، تحكم الفكر والعقل، قبلنا بذلك أم لا، فالشيخ شاكر والعقاد كانا صديقين للنقراشي، وكان كلما مر العقاد بضائقة مالية، كان يساعده النقراشي وإبراهيم عبد الهادي، وثروت أباظة، أخوه: شامل أباظة متزوج من هدى النقراشي، فهذه الروابط الاجتماعية من الصعب بمكانة أن ينتزع منها الإنسان ليصدر عنه رأي أو فكر، دون التأثر بها، وهو ما قاله أحد الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين، وهو سيدهم، فقال: يا رسول الله، إنما أنا رجل من قومي.

هذه حسابات ومؤثرات العقلاء فقط من يتدبرونها، ويراعونها، لأنه يصعب فصلها عن علاقات الناس، ومن أكبر الجرائم التي ارتكبها السيسي ونظامه وأعوانه، هذا السلخ الذي قاموا به مع الشعب، فلأجل ربح المعركة السياسية، قاموا بتمزيق أواصر الشعب، وتجاوز أتباعه أعرافا وأخلاقا كان من الصعب جدا أن يمارسها الشعب ضد شريحة أخرى منه من قبل. ومن أكبر الأخطاء التي تقع فيها شرائح من المعارضة المصرية، أو الرافضين للانقلاب العسكري، أن يجاروا هؤلاء في توجههم، سواء في المواقف، أو في تحليل مواقف المخالفين، التاريخية منها، والمعاصرة، والمبادرة باتهام من يحلل هذه المواقف، ويسعى للبحث عن عوامل مشتركة ترد الشارد من المعسكر الآخر للحق، أو لعدم تجاوز هذه الأصول، فيتهم بأنه يهادن، أو يبرر.

نموذج الصلة والعلاقة بين صلاح شادي وهاني شاكر، لا تخلو منه عائلة مصرية، وقد كانت في عائلتي هذا التنوع: كان لي عم من الإخوان، وعم من التجمع، وعم من الماركسيين، وعم من المشايخ الصوفية، وعم من الحزب الوطني، كل هذه التنوعات في كل عائلة، وفي كل مجتمع، يكون تنوعا مقدرا لو حكمه الخلق والأعراف التي تمنع من التجاوز المرفوض شرعا وعرفا وخلقا، وهو ما افتقدناه في المرحلة السياسية الأخيرة البائسة للأسف.

[email protected]


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)