الشرق الأوسط بلا تحالفات: من يملأ الفراغ ومن يصوغ القواعد؟

رائد أبو بدوية
"ما يجمع هذه الدول ليس مشروعا موحدا، بل إدراك مشترك بأن الإقليم يتغير، وأن البقاء خارج هذا التغير ليس خيارا"- الخارجية الباكستانية
"ما يجمع هذه الدول ليس مشروعا موحدا، بل إدراك مشترك بأن الإقليم يتغير، وأن البقاء خارج هذا التغير ليس خيارا"- الخارجية الباكستانية
شارك الخبر
لم يعد الشرق الأوسط ذلك الفضاء الذي تُحسم فيه التوازنات عبر تحالفات صلبة أو اصطفافات أيديولوجية واضحة؛ ما يتشكل اليوم أقرب إلى مسرح مفتوح، تتحرك فيه الدول بحذر، تقترب دون أن تلتصق، وتتباعد دون أن تقطع. في قلب هذا المشهد تقف إسرائيل، لا كطرف في نزاع تقليدي فحسب، بل كفاعل يسعى إلى إعادة تعريف قواعد اللعبة نفسها، بحيث يصبح وجودها ليس مجرد حقيقة جغرافية، بل مركزا وظيفيا تدور حوله شبكات الإقليم.

لم تعد المسألة تتعلق بإدارة صراع، بل بإعادة إنتاجه في صورة أقل حدّة وأكثر قابلية للتطبيع. تتحرك إسرائيل على إزاحة مركز الثقل من القضية الفلسطينية بوصفها قضية تحرر سياسي، إلى ملف إنساني وأمني منزوع التأثير الاستراتيجي، بينما تُعاد صياغة العلاقات الإقليمية عبر أدوات تبدو محايدة في ظاهرها: الطاقة، والتكنولوجيا، والممرات الاقتصادية. هكذا، لا تُفرض الهيمنة بالقوة المباشرة، بل تُبنى تدريجيا عبر شبكة تجعل التكيف معها خيارا أقل كلفة من معارضتها.

لكل دولة حساباتها، ولكل منها تعريفها الخاص للتهديد، وحدودها الخاصة في التعامل معه. هنا، يتبدد وهم التحالف، ليحل محله نمط أكثر تعقيدا من العلاقات، حيث تتقاطع المصالح دون أن تتطابق، وتلتقي المسارات دون أن تندمج

في هذا السياق، لا يمكن فهم سلوك تركيا والسعودية ومصر وباكستان بوصفه سعيا إلى تشكيل محور مضاد، بل كمحاولات متزامنة للتموضع داخل واقع جديد يتشكل دون انتظار أحد.

تركيا، التي لطالما سعت إلى دور يتجاوز حدودها الجغرافية، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى موازنة خطابها السياسي مع ضروراتها الاستراتيجية، فهي لا تتخلى عن دعمها العلني للقضية الفلسطينية، لكنها في الوقت ذاته تدرك أن عزل نفسها عن ترتيبات شرق المتوسط أو معادلات الطاقة لن يخدم طموحها كقوة إقليمية صاعدة.

أما السعودية، فتخوض تحوّلا أعمق، تحاول من خلاله إعادة تعريف موقعها ليس فقط كقوة مالية، بل كصانع استقرار إقليمي. انفتاحها الحذر على احتمالات جديدة لا يعكس قبولا غير مشروط، بل محاولة واعية لضبط إيقاع التغير، ومنع تحوّل إسرائيل إلى مركز احتكار اقتصادي وأمني. هي تدرك أن الدخول إلى اللعبة بشروطها الخاصة قد يكون أكثر فاعلية من البقاء خارجها.

مصر، من جهتها، تتحرك وفق منطق مختلف، أكثر تحفظا وأشد ارتباطا بفكرة التوازن. فهي لا ترى في التحولات الجارية فرصة بقدر ما تراها اختبارا لقدرتها على حماية موقعها في شرق المتوسط، وضمان ألا يختل ميزان القوى على نحو يهدد أمنها القومي. لذلك تحافظ على علاقة منظمة مع إسرائيل، تفتح فيها أبواب التعاون حيث تفرض الضرورة، وتغلقها حيث يبدأ الخلل في التوازن.

بعيدا عن هذا المسرح، تقف باكستان في موقع أقل انخراطا، لكنها ليست غائبة بالكامل. فهي تحمل وزنا رمزيا في العالم الإسلامي، وتحتفظ بمسافة سياسية من إسرائيل، غير أن أولوياتها الداخلية تجعلها أقرب إلى مراقب حذر منها إلى فاعل يسعى لإعادة تشكيل المشهد.

ما يجمع هذه الدول ليس مشروعا موحدا، بل إدراك مشترك بأن الإقليم يتغير، وأن البقاء خارج هذا التغير ليس خيارا. ومع ذلك، فإن هذا الإدراك لا يكفي لبناء تحالف. فلكل دولة حساباتها، ولكل منها تعريفها الخاص للتهديد، وحدودها الخاصة في التعامل معه. هنا، يتبدد وهم التحالف، ليحل محله نمط أكثر تعقيدا من العلاقات، حيث تتقاطع المصالح دون أن تتطابق، وتلتقي المسارات دون أن تندمج.

في هذا العالم المتحول، لم تعد التحالفات هي اللغة السائدة، بل الشبكات. شبكة من العلاقات المرنة، تُبنى وتُفكك وفق الحاجة، وتُدار بمنطق الربح المرحلي لا الالتزام الطويل. في مثل هذا السياق، تصبح القدرة على المناورة أهم من قوة الاصطفاف، ويغدو التوازن هدفا بحد ذاته، لا مجرد نتيجة لصراع.

من هنا، لا يبدو أن تركيا والسعودية ومصر وباكستان تتجه نحو تشكيل جبهة موحدة في مواجهة إسرائيل، بل نحو صياغة توازن معقد يقيّد قدرة إسرائيل على التحول إلى مركز مهيمن، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة معها. إنه توازن هش، لكنه حتى الآن الخيار الأكثر واقعية في إقليم لم يعد يحتمل مغامرات كبرى.

في النهاية، لا تكمن أهمية ما يجري في احتمال قيام تحالف جديد، بل في طبيعة النظام الذي يتشكل. شرق أوسط بلا مركز واحد، وبلا محاور ثابتة، حيث تحاول كل قوة أن تبقى داخل اللعبة دون أن تبتلعها قواعدها. وفي هذا المشهد، لا يكون السؤال: من ينتصر؟ بل: من ينجح في ألا يُعاد تعريفه ضمن نظام لم يصنعه.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)