الضفة الغربية كثمن سياسي: منطق المقايضة في حسابات نتنياهو وترامب

رائد أبو بدوية
"ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية دون الإعلان الرسمي عن الضم"- جيتي
"ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية دون الإعلان الرسمي عن الضم"- جيتي
شارك الخبر
مقدمة

لا يمكن فهم استعداد بنيامين نتنياهو للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة ترامب بشأن غزة خارج معادلة المقايضة السياسية التي تحكم بقاء حكومته. فبالنسبة لائتلاف يميني متطرف يرى في غزة ساحة استنزاف لا رصيدا سياديا، يصبح أي التزام بتهدئة أو إعادة ترتيب ميداني هناك تنازلا يحتاج إلى تعويض موازٍ. في هذا السياق، لا تظهر الضفة الغربية بوصفها ملفا تفاوضيا مؤجلا، بل باعتبارها المجال الأكثر قابلية لتحصيل "ثمن سياسي" يرضي اليمين الإسرائيلي، ولو جزئيا، مقابل القبول بالمسار الأمريكي في غزة.

غزة: عبء سياسي لا يمكن تسويقه

منذ بداية الحرب، سعى نتنياهو إلى تقديم غزة باعتبارها ساحة استعادة الردع الإسرائيلي. غير أن طول أمد الحرب، وتآكل الخطاب العسكري، والضغوط الأمريكية المتزايدة، حوّلت غزة تدريجيا إلى عبء سياسي داخلي. فالانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية، بما تتضمنه من تهدئة طويلة أو ترتيبات ما بعد الحرب، يصعب تسويقه داخل اليمين الحاكم باعتباره إنجازا. هنا، يصبح التعويض ضرورة سياسية لا خيارا تكتيكيا، خصوصا في ظل تهديد دائم بانسحاب مكونات ائتلافية ترى في أي تسوية مع غزة مساسا بجوهر المشروع الاستيطاني.

في مقابل مأزق غزة، تبرز الضفة الغربية بوصفها الساحة الأكثر ملاءمة لتعويض نتنياهو سياسيا

الضفة بوصفها مجال التعويض الممكن

في مقابل مأزق غزة، تبرز الضفة الغربية بوصفها الساحة الأكثر ملاءمة لتعويض نتنياهو سياسيا. فهي من جهة تحظى بإجماع إسرائيلي أوسع حول مركزيتها الأمنية والسيادية، ومن جهة أخرى تتيح هامشا كبيرا لإنتاج وقائع جديدة دون الاضطرار إلى إعلان قرارات كبرى. وعليه، فإن "الثمن السياسي" المرجح لا يتمثل في ضم رسمي أو إعلان سيادي صريح، بل في سلسلة خطوات جزئية وتراكمية: كتسريع وتيرة الاستيطان، وشرعنة بؤر قائمة، وتوسيع الصلاحيات الإدارية الإسرائيلية في مناطق "ج"، وتعميق الفصل القانوني بين المستوطنين والفلسطينيين. هذه الخطوات، وإن قُدمت بصيغة تقنية أو أمنية، فإنها تحمل في جوهرها بعدا سياديا واضحا يُقدَّم لليمين الإسرائيلي بوصفه مكسبا مقابل ما اعتُبر تنازلا في غزة.

"الضم الوظيفي" والضوء الأخضر الأمريكي

يميل هذا المسار إلى ما يمكن وصفه بـ"الضم الوظيفي"، أي ترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية دون الإعلان الرسمي عن الضم. فبدل المواجهة المباشرة مع القانون الدولي والمجتمع الدولي، يجري نقل الصلاحيات تدريجيا من الإطار العسكري إلى الوزارات المدنية الإسرائيلية، وإعادة تعريف العلاقة مع الأرض والسكان بوصفها مسألة إدارة داخلية لا نزاعا سياسيا. غير أن هذا المسار لا يستبعد، بل قد يفتح المجال أمام منح ضوء أخضر أمريكي لضم جزئي ومحدود، يتناسب مع التصور الذي طرحته إدارة ترامب في ولايتها الأولى ضمن ما عُرف بـ"صفقة القرن". فهذه الخطة لم ترفض الضم من حيث المبدأ، بل أعادت هندسته على نحو مجزأ، يعترف بالسيادة الإسرائيلية على الكتل الاستيطانية الكبرى وغور الأردن، مع الإبقاء على كيان فلسطيني منزوع السيادة ومفتت جغرافيا. وفي هذا الإطار، يمكن للضم الجزئي أن يُقدَّم لا كخطوة استثنائية، بل كتنفيذ تقني لخارطة سياسية قائمة، بما يسمح لنتنياهو بإرضاء اليمين الإسرائيلي المشكّل للحكومة، من دون تجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية المعلنة أو التسبب بانفجار إقليمي واسع.

ترامب ومنطق المقايضة غير المعلنة
تعميق "الضم الوظيفي" أو تمرير ضم جزئي يعني عمليا تسريع تفكيك المجال الفلسطيني سياسيا وجغرافيا، وتحويل ما تبقى من الأرض إلى جيوب منفصلة تُدار بمنطق أمني-إداري. ومع تآكل دور السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى أداة ضبط محلي، تتراجع أي إمكانية لتمثيل سياسي فعلي، بينما تتوسع منظومة السيطرة

تندرج هذه الدينامية ضمن منطق أوسع يميز مقاربة ترامب للملف الفلسطيني، حيث لا تُدار القضايا بوصفها عناصر حل شامل، بل كملفات قابلة للتجزئة والمقايضة. فالتهدئة في غزة لا تُشترط بتقدم سياسي في الضفة، بل قد تُستثمر لتوسيع الهامش الإسرائيلي فيها. بهذا المعنى، تصبح خطة غزة إطارا يسمح بتبادل غير متكافئ: استقرار مُدار في القطاع مقابل تعميق السيطرة الإسرائيلية في الضفة، دون إعلان صفقة رسمية أو التزام سياسي متبادل.

خاتمة

في المحصلة، لا يبدو حصول نتنياهو على ثمن سياسي في الضفة الغربية احتمالا هامشيا، بل مسارا مرجحا تحكمه اعتبارات البقاء السياسي وإدارة الائتلاف. غير أن هذا الثمن سيظل جزئيا وتراكميا، ومغلفا بخطاب إداري وأمني، تجنبا لانفجار سياسي أو قانوني واسع. وهكذا، لا تُستخدم الضفة كبديل لغزة، بل كمساحة لتعويض الخسائر السياسية الناجمة عنها، في إطار سياسة لا تهدف إلى حل الصراع، بل إلى إعادة توزيعه جغرافيا ووظيفيا بما يضمن استمرار السيطرة الإسرائيلية بأقل كلفة ممكنة.

في مقابل هذه المقايضة غير المعلنة، يجد الفلسطينيون أنفسهم خارج معادلة القرار، لا بوصفهم طرفا خاسرا فحسب، بل باعتبارهم موضوعا لإعادة هندسة السيطرة. فتعميق "الضم الوظيفي" أو تمرير ضم جزئي يعني عمليا تسريع تفكيك المجال الفلسطيني سياسيا وجغرافيا، وتحويل ما تبقى من الأرض إلى جيوب منفصلة تُدار بمنطق أمني-إداري. ومع تآكل دور السلطة الفلسطينية وتحويلها إلى أداة ضبط محلي، تتراجع أي إمكانية لتمثيل سياسي فعلي، بينما تتوسع منظومة السيطرة التي تُقيّد الحركة، وتعيد توزيع الأرض، وتُخضع السكان لقانون عسكري دائم. وفي هذا السياق، لا يُعرض على الفلسطينيين أفق سياسي بديل، بل يُدفعون نحو واقع من اللا دولة: لا سيادة، ولا حقوق جماعية معترفا بها، بل إدارة يومية للأزمات تحت سقف أمر واقع يتعمق تدريجيا ويُقدَّم بوصفه قدرا لا سياسة قابلة للتغيير.
التعليقات (0)