مشاركة تركيا في قوة الاستقرار في غزة ضرورة أم خيار؟

رائد أبو بدوية
"قوة الاستقرار في غزة ليست مشروع سلام، بل آلية إدارة مرحلة انتقالية هشّة"- جيتي
"قوة الاستقرار في غزة ليست مشروع سلام، بل آلية إدارة مرحلة انتقالية هشّة"- جيتي
شارك الخبر
مع اقتراب الحديث الدولي عن "اليوم التالي" في غزة وتشكيل قوة الاستقرار، تتكشّف حقيقة أساسية: لا يوجد طرف واحد قادر على قيادة مرحلة الاستقرار دون اعتراض جوهري من بقية الأطراف. في هذا الفراغ، تبرز تركيا بوصفها الخيار البراغماتي الأكثر قابلية للحياة، ليس لأنها الطرف المثالي، بل لأنها الطرف الذي يجمع أكبر قدر ممكن من القبول المتقاطع بين الخصوم.

تقاطع مصالح نادر

قوة الاستقرار في غزة ليست مشروع سلام، بل آلية إدارة مرحلة انتقالية هشّة. ونجاحها لا يقاس بعدالة أهدافها، بل بقدرتها على البقاء دون انفجار. من هذه الزاوية تحديدا، تكتسب مشاركة تركيا أهميتها.

بالنسبة لغزة وحماس، لا تُعدّ تركيا قوة احتلال ولا طرفا معاديا أيديولوجيا، فهي دولة احتفظت، رغم كل البراغماتية السياسية، بخطاب داعم للفلسطينيين، وبحضور إنساني وسياسي في القطاع على مدار سنوات. وجودها ضمن أي قوة دولية يخفف من طابع "القوة العقابية" ويحدّ من تحويل الاستقرار إلى عملية نزاع بالقوة أو إدارة أمنية صرفة.

العلاقات الدبلوماسية والأمنية القائمة، وقنوات الاتصال المفتوحة، تجعل من أنقرة طرفا يمكن ضبطه، وأقل كلفة من وجود قوى تعتبرها إسرائيل معادية صراحة

أما إسرائيل، فتنظر إلى تركيا عموما بوصفها شريكا يمكن التفاهم معه، لا خصما استراتيجيا. فالعلاقات الدبلوماسية والأمنية القائمة، وقنوات الاتصال المفتوحة، تجعل من أنقرة طرفا يمكن ضبطه، وأقل كلفة من وجود قوى تعتبرها إسرائيل معادية صراحة. من هذا المنظور، تمثل تركيا "البديل المقبول" عن أطراف مرفوضة أو محفوفة بالمخاطر.

الرهان الأمريكي

الولايات المتحدة، التي تسعى إلى احتواء الأزمة دون الغرق في مستنقع غزة، ترى في تركيا حليفا قادرا على تقاسم الأعباء. فمشاركة دولة عضو في الناتو تمنح واشنطن غطاء سياسيا، وتخفف الضغط عن الانخراط المباشر، وتنسجم مع مقاربتها القائمة على إدارة الصراع لا حلّه. فتركيا هنا ليست صانعة تسوية، بل ضامنا مؤقتا للاستقرار.

العالم العربي والبحث عن مخرج

في المقابل، يعاني العالم العربي من مأزق حقيقي: فلا يوجد إجماع عربي على إدارة غزة، ولا رغبة لدى كثير من الدول العربية في لعب دور الضامن الأمني الذي قد يُفسَّر كخادم للاحتلال. فمن هنا تأتي مشاركة تركيا لتملأ هذا الفراغ دون أن تحرج العواصم العربية أو تزجّ بها في مواجهة مباشرة مع غزة أو إسرائيل. إنها، ببساطة، "الطرف الخارجي" الذي يخفف العبء دون أن يهيمن.

ضرورة وظيفية لا شرعية كاملة
يمكن فهم الدعوة إلى إشراك تركيا بوصفها اعترافا بشرعية مطلقة لدورها، بل باعتبارها ضرورة وظيفية فرضتها توازنات ما بعد الحرب

من هنا، لا يمكن فهم الدعوة إلى إشراك تركيا بوصفها اعترافا بشرعية مطلقة لدورها، بل باعتبارها ضرورة وظيفية فرضتها توازنات ما بعد الحرب. فتركيا هي الطرف الوحيد الذي لا يرفضه الجميع، حتى وإن لم يرضَ عنه أحد بالكامل.

لكن هذه الضرورة تبقى مشروطة. فالدور التركي، إن لم يُضبط بتفويض دولي واضح، وشراكة فلسطينية حقيقية، وربط صريح بين الاستقرار والمسار السياسي، قد يتحول من عامل توازن إلى غطاء لإدامة واقع بلا سيادة وبلا أفق.

وأخيرا

إن مشاركة تركيا في قوة الاستقرار في غزة لا تنبع من مثاليتها، بل من واقع دولي مأزوم يبحث عن أقل الخيارات سوءا. فهي نقطة التقاء مؤقتة بين حماس وإسرائيل، وواشنطن والعالم العربي. وهذا التقاطع، الهش بطبيعته، هو ما يجعل الدور التركي اليوم ليس مجرد خيار مطروح، بل حلّا اضطراريا في مرحلة انتقالية مفتوحة على كل الاحتمالات.
التعليقات (0)