لا يمكن الحديث اليوم عن نظام دولي، أو عن
قيم إنسانية مشتركة، من دون التوقف طويلاً أمام الجريمة المستمرة في
غزة. فالإبادة
الجماعية بحق الشعب
الفلسطيني لم تتوقف، ولم تتراجع، ولم تُكبح، وكل ما سُمّي
وقفاً لإطلاق النار لم يكن، في أحسن الأحوال، سوى غطاء سياسي هشّ، أُريد له أن
يخدّر الضمير العالمي، بينما استمرت على الأرض سياسات التجريف والقتل والدمار
والاستئصال، بأدوات أكثر هدوءاً أحياناً، وأكثر وحشية في أحيان أخرى.
غزة اليوم ليست ساحة حرب تقليدية، بل مختبر
مفتوح لانهيار القانون الدولي، حيث تُرتكب الجرائم الموصوفة دون خوف من محاسبة،
ودون اكتراث بقرارات محاكم أو بيانات أمم متحدة، ودون اعتبار لمعاهدات ومواثيق
وُضعت أصلاً لمنع تكرار مآسي القرن العشرين. ما يجري هناك يقول، بلا مواربة، إن
القانون لم يعد مرجعاً، وإن القوة وحدها هي الحكم.
لكن المأساة لا تقف عند حدود فلسطين.
فالعالم، سريع النسيان، انشغل عن الفلسطينيين بأزمات أخرى: أوكرانيا، فنزويلا،
غرينلاند، كولومبيا. ملفات تتصدر الشاشات، وتتزاحم في أجندات العواصم الكبرى،
بينما يُترك الفلسطينيون لمصيرهم، كأن دمهم أقل قيمة، وكأن حقوقهم قابلة للتأجيل
إلى ما لا نهاية.
غزة اليوم ليست ساحة حرب تقليدية، بل مختبر مفتوح لانهيار القانون الدولي، حيث تُرتكب الجرائم الموصوفة دون خوف من محاسبة، ودون اكتراث بقرارات محاكم أو بيانات أمم متحدة، ودون اعتبار لمعاهدات ومواثيق وُضعت أصلاً لمنع تكرار مآسي القرن العشرين. ما يجري هناك يقول، بلا مواربة، إن القانون لم يعد مرجعاً، وإن القوة وحدها هي الحكم.
وفي المقابل، انشغل العرب أنفسهم بجراحهم
المفتوحة: أرض الصومال، جنوب اليمن، غرب السودان. ساحات نزف جديدة، لا يتوقف فيها
عدّاد الشهداء، ولا يبدو في الأفق حل عادل أو قريب. حروب استنزاف في كل الاتجاهات،
تُفكك المجتمعات، وتستنزف الدول، وتُغرق المنطقة في دوامة لا تنتهي من العنف
والفوضى.
وسط هذا المشهد، يقف رئيس أكبر دولة في
العالم لا بوصفه حامياً للنظام الدولي، بل كمن يعلن، صراحة أو ضمناً، القطيعة مع
كل ما توصل إليه عقلاء العالم بعد حربين كونيتين. لا يكتفي باستعراض العضلات، بل
يفسخ، واحداً تلو الآخر، القوانين والاتفاقيات التي وُضعت لمنع السطوة والظلم،
ولحفظ حدّ أدنى من العدل والاستقرار في العلاقات بين الدول. ما كان يُعدّ خطوطاً
حمراء بات اليوم مجرد حبر على ورق.
الأخطر من ذلك أن هذه السياسات لا تُمارَس
في الخفاء، ولا تُسوَّق باعتبارها استثناءات اضطرارية، بل تجد دعماً صريحاً من
تيارات يمينية متطرفة، لم تعد تخفي أسماءها، ولا أهدافها، ولا نظرتها الدونية
للآخر المختلف عرقاً أو ديناً أو ثقافة. تيارات ترى في القوة حقاً مطلقاً، وفي
القانون قيداً يجب كسره، وفي العدالة فكرة ساذجة لا مكان لها في “عالم الأقوياء”.
هذا الانحدار الحقوقي ليس شأناً فلسطينياً
فقط، ولا عربياً فحسب، بل خطر عالمي شامل. فحين يُسمح بالإبادة هنا، وبالاحتلال
هناك، وبالعدوان السافر في مكان ثالث، دون محاسبة، فإن الباب يُفتح أمام فوضى
دولية سيدفع الجميع ثمنها، عاجلاً أو آجلاً، بما في ذلك أولئك الذين يظنون اليوم
أنهم في مأمن.
من هنا، فإن المسؤولية التاريخية تفرض
استنهاضاً حقوقياً وقانونياً عاجلاً، لا يقتصر على البيانات والشعارات، بل يُعيد
الاعتبار لفكرة القانون الدولي بوصفها خط الدفاع الأخير عن إنسانية الإنسان.
استنهاض يشارك فيه الحقوقيون، والقضاة، والأكاديميون، والمجتمع المدني، وكل أصحاب
الضمائر الحية، قبل أن نجد أنفسنا في عالم بلا قواعد، حيث لا صوت يعلو فوق صوت
السلاح، ولا قيمة تعلو فوق منطق الغلبة.
لم يعد الأمر يقتصر على تجاهلٍ مزمن للقانون الدولي أو إبقائه في حالة موت سريري بفعل الانتقائية والنفاق السياسي، بل تطور اليوم إلى مرحلة أخطر: مرحلة الاغتيال المتعمّد. فالقوة الكبرى التي يفترض بها أن تكون أحد أعمدة النظام الدولي، باتت تقود بنفسها عملية تصفية هذا القانون، لا باعتباره معطلاً فحسب، بل باعتباره عبئاً يجب التخلص منه نهائياً. ولم يعد ذلك يتم في الكواليس، بل على الملأ، عبر تشريعات ومواقف رسمية تُعلن القطيعة الصريحة مع منظومة العدالة الدولية.
لم يعد الأمر يقتصر على تجاهلٍ مزمن للقانون
الدولي أو إبقائه في حالة موت سريري بفعل الانتقائية والنفاق السياسي، بل تطور
اليوم إلى مرحلة أخطر: مرحلة الاغتيال المتعمّد. فالقوة الكبرى التي يفترض بها أن
تكون أحد أعمدة النظام الدولي، باتت تقود بنفسها عملية تصفية هذا القانون، لا
باعتباره معطلاً فحسب، بل باعتباره عبئاً يجب التخلص منه نهائياً. ولم يعد ذلك يتم
في الكواليس، بل على الملأ، عبر تشريعات ومواقف رسمية تُعلن القطيعة الصريحة مع
منظومة العدالة الدولية.
ويتجلى هذا الانحدار بصورة صارخة في إقدام
12 عضواً في الكونغرس الأمريكي على إصدار قرار يدين المحكمة الجنائية الدولية، لا
بسبب فشلها، بل بسبب قيامها بواجبها في الملاحقة والمساءلة.
في منطق مقلوب كهذا، يصبح من يطالب بالعدل
مجرماً، ومن يلاحق مرتكبي الجرائم هدفاً للعقاب، بينما يُفترض أن يُكرَّم كل من
يدافع عن العدالة لا أن يُلاحق أو يُخوَّن. هذا الصلف السياسي والقانوني لا يدمّر
فقط ما تبقى من مصداقية النظام الدولي، بل بدأ يرتد سلباً حتى على الداخل الأمريكي
نفسه، عبر تعميق الانقسام، وتقويض الثقة بالمؤسسات، وترسيخ صورة دولة ترى في
القانون أداة للهيمنة لا مرجعية للعدل. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: عالم يُغتال
فيه القانون بقرار سياسي، ويُترك فيه مصير الإنسانية رهناً بإرادة الأقوى.