في لحظات التحول الكبرى من تاريخ الأمم، لا
يكون السؤال عن القوة وحدها، بل عن المعنى الذي يحكم هذه القوة، وعن القيم التي
تضبط اتجاهها. والأمة الإسلامية، التي امتد تاريخها من سواحل الأطلسي إلى تخوم
الصين، لم تكن يومًا مجرد جغرافيا مترامية الأطراف، بل كانت مشروعًا حضاريًا قام
على وحدة العقيدة، وتكامل الشعوب، وتساند الإرادات. واليوم، ونحن نعيش واحدة من
أكثر اللحظات اضطرابًا في الشرق الأوسط، يعود سؤال الوحدة الإسلامية ليطرق أبواب
الضمير من جديد.
لقد دعوتُ منذ عام 2014 إلى مبادرة تقوم على
توحيد القوى الإسلامية الكبرى، إدراكًا مني أن التشرذم لم يعد ترفًا يمكن احتماله،
وأن النزاعات البينية تستنزف مقدراتنا وتفتح الأبواب أمام تدخلات لا تعبأ بقيمنا
ولا باحترام سيادتنا. كانت رؤيتي آنذاك، ولا تزال، أن تعاون ثلاث دول محورية في
العالم الإسلامي: المملكة العربية
السعودية وتركيا وباكستان، يمكن أن يشكّل نواة
صلبة لاستقرار إقليمي أوسع، بل ولمعادلة دولية أكثر توازنًا.
لقد شهدنا في السنوات الأخيرة كيف تُنتهك سيادة الدول، وكيف تُختطف الإرادات الوطنية، بل وكيف يُختطف رؤساء من منازلهم في مشهد يتنافى مع أبسط قواعد القانون الدولي. هذا الانفلات الأخلاقي في العلاقات الدولية لا يمكن مواجهته بالبيانات وحدها، بل يحتاج إلى كيان متماسك، يستند إلى الشرعية الشعبية والقيم الأخلاقية، ويملك في الوقت ذاته أدوات التأثير السياسي والاقتصادي والأمني.
هذه الدول الثلاث ليست مجرد كيانات سياسية
عابرة؛ إنها تمثل عمقًا روحيًا وجغرافيًا واستراتيجيًا. فالسعودية تحتضن الحرمين
الشريفين، بما يمثله ذلك من رمزية جامعة لمليارَي مسلم. وتركيا تحمل إرثًا
تاريخيًا امتد قرونًا، وكانت في يوم من الأيام مركز الخلافة التي جمعت شتات الأمة.
أما
باكستان، فهي قوة نووية كبرى، وتضم واحدًا من أكبر الجيوش في العالم الإسلامي،
فضلًا عن ثقلها البشري والعلمي. إن اجتماع هذه الأبعاد الثلاثة ـ الروحي والتاريخي
والاستراتيجي ـ كفيل بأن يصنع توازنًا يردع كل من يستخف بحقوق الشعوب أو يتجاوز
الأعراف والمواثيق الدولية.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الدول الثلاث ـ
السعودية وتركيا وباكستان ـ تمثل بمثابة القمر الإسلامي الذي يشع في سماء الدنيا
ويصدّ عن الأمة الأخطار. أما النجوم اللامعة الأخرى من الدول الإسلامية، فهي حاضرة
أيضًا في هذا الفضاء، ومن واجبها أن تشارك هذا الضياء، لتكتمل الصورة وتتحقق
منظومة من التعاون والتكامل، بحيث يكون لكل دولة موقعها الطبيعي في حماية القيم
والأمن والاستقرار للأمة جمعاء.
لقد شهدنا في السنوات الأخيرة كيف تُنتهك
سيادة الدول، وكيف تُختطف الإرادات الوطنية، بل وكيف يُختطف رؤساء من منازلهم في
مشهد يتنافى مع أبسط قواعد القانون الدولي. هذا الانفلات الأخلاقي في العلاقات
الدولية لا يمكن مواجهته بالبيانات وحدها، بل يحتاج إلى كيان متماسك، يستند إلى
الشرعية الشعبية والقيم الأخلاقية، ويملك في الوقت ذاته أدوات التأثير السياسي
والاقتصادي والأمني.
إنني لا أدعو إلى محور صدامي، ولا إلى
اصطفاف أيديولوجي ضيق، بل إلى تعاون يقوم على مبدأ قرآني جامع: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. فالأخوة في الإسلام ليست شعارًا عاطفيًا، بل مسؤولية
تاريخية تفرض نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وصون الكرامة الإنسانية. وهي أخوة
تتجاوز العرق واللغة والقومية، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل
الصالح. ومن هنا، فإن أي مشروع وحدوي ينبغي أن يكون مشروعًا جامعًا، لا يُقصي
أحدًا، ولا يُميز بين عربي وأجنبي، بل يحتكم إلى معيار الكفاءة والعدل.
إن الحديث عن وحدة إسلامية لا يعني تجاهل
التعقيدات السياسية أو الفوارق في المصالح، لكنه يعني إدارة هذه الاختلافات بروح
الشراكة لا بروح المغالبة. وقد آن الأوان لأن ننتقل من منطق رد الفعل إلى منطق
الفعل، ومن سياسة الدفاع المتأخر إلى صناعة المبادرة. إن تشكيل كيان دولي يضم هذه
القوى الثلاث، بدعم من بقية الدول الإسلامية، يمكن أن يكون منصة للتنسيق في
القضايا الكبرى: من حماية القدس ومقدساتها، إلى تأمين الممرات البحرية، مرورًا
بتعزيز الأمن الغذائي والتكامل الاقتصادي.
إن الحديث عن وحدة إسلامية لا يعني تجاهل التعقيدات السياسية أو الفوارق في المصالح، لكنه يعني إدارة هذه الاختلافات بروح الشراكة لا بروح المغالبة. وقد آن الأوان لأن ننتقل من منطق رد الفعل إلى منطق الفعل، ومن سياسة الدفاع المتأخر إلى صناعة المبادرة.
ويكتسب هذا الطرح زخماً خاصاً في ضوء
التقارب الأخير بين السعودية وتركيا وباكستان، حيث تتجه هذه الدول نحو تعزيز
التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني في مواجهة تحديات متصاعدة في المنطقة، في
مقدمتها تمدد محور إسرائيلي يسعى إلى فرض معادلات جديدة على حساب الحقوق العربية
والإسلامية. إن هذا التقارب ليس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مؤشر على وعي متنامٍ
بأن زمن العمل الفردي قد انقضى، وأن المصالح المشتركة لا تُحمى إلا بجبهة موحدة.
إن العالم لا يحترم الضعفاء، ولا يصغي إلى
المشتتين. لكنه يحسب حسابًا للتكتلات المتماسكة التي تعرف ماذا تريد، وتملك
الإرادة لتحقيقه. وإذا كانت أوروبا قد استطاعت، بعد قرون من الحروب الدامية، أن
تؤسس اتحادًا يحفظ مصالحها المشتركة، فلماذا نعجز نحن ـ وأساس وحدتنا قائم على
عقيدة واحدة وقبلة واحدة وكتاب واحد ـ عن بناء صيغة تعاون فعالة تحفظ أمننا
وكرامتنا؟
إن دعوتي اليوم ليست سياسية فحسب، بل هي
أخلاقية وإنسانية. إنها دعوة لاستعادة الثقة بين الشعوب الإسلامية، ولإعادة
الاعتبار لفكرة التضامن التي صنعت أعظم فترات ازدهارنا. وهي دعوة كذلك إلى
القيادات، بأن ترتفع فوق الخلافات الظرفية، وأن تستحضر مسؤوليتها أمام الله وأمام
التاريخ.
قد لا يكون الطريق سهلاً، لكن الأمم لا
تُقاس بطول الطريق، بل بصدق العزم. وإذا صدقت النيات، وتلاقت الإرادات، فإن بإمكان
أمتنا أن تستعيد دورها المؤثر في صياغة معادلات الشرق الأوسط الاستراتيجية، وأن
تقدم للعالم نموذجًا في التعاون القائم على القيم، لا على الهيمنة.
ذلك هو الأمل، وتلك هي الرسالة: وحدة تتجاوز
الخلافات، وتضامن يعلو فوق الجراح، وأخوة صادقة تعيد للأمة مكانتها بين الأمم.