تركيا والخطوات الكبرى: بين التاريخ والتحالفات المستقبلية

أمية يوسف حسن أبو فداية
"الانخراط في تحالفات استراتيجية جديدة"- الأناضول
"الانخراط في تحالفات استراتيجية جديدة"- الأناضول
شارك الخبر
لطالما كانت تركيا بالنسبة إلى أوروبا وريثةَ الإمبراطورية العثمانية التي أسقطت القسطنطينية عام 1453، وامتدت سيطرتها إلى مناطق واسعة في أوروبا الشرقية والغربية. هذه الوراثة التاريخية لم تمنحها مجرد ثقل سياسي أو رمزي، بل شكلت أساسا لمكانتها الاستراتيجية على مدى قرون، وجعلت أوروبا تتعامل معها باعتبارها دولة غازية، ذات تأثير سياسي وثقافي واقتصادي كبير.

لذلك، واجهت تركيا تحديات كبيرة في علاقتها مع الغرب الحديث، وخصوصا مع الاتحاد الأوروبي. ففي عام 1952، انضمت تركيا إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، لتصبح الحامي الجنوبي والشرقي لأوروبا من أي تهديدات محتملة، خصوصا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين كانت أوروبا منهكة وضعيفة وتفتقر إلى القدرة على الدفاع عن حدودها الشرقية. ومع ذلك، ظل حلم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعيد المنال، رغم استيفاء تركيا للكثير من الشروط الضرورية، ووضعها كدولة مرشحة للعضوية منذ عام 1999، وهي فترة كانت تركيا فيها ضعيفة اقتصاديا وتحتاج بشدة إلى دعم اقتصادي وسياسي واستثماري من أوروبا.

تركيا والاقتصاد الحديث: نمو متسارع ومصداقية عالمية

خلال العقدين الماضيين، شهد الاقتصاد التركي نموا غير مسبوق، حيث تضاعف حجمه أكثر من 10 مرات، ليصبح من الاقتصادات الإقليمية المؤثرة في الشرق الأوسط وأوروبا. هذا النمو الكبير لم يقتصر على الناتج المحلي الإجمالي فقط، بل انعكس على قدرتها التصديرية، وتنويع الصناعات، وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق العالمية.

في عام 2025، أصبحت صادرات تركيا عنصرا استراتيجيا في اقتصادها، حيث تمثل الصناعة والتجارة محورا رئيسيا لتعزيز مكانتها الدولية. ومن أبرز صادرات تركيا في 2025 :

- السيارات والمركبات وقطع الغيار: تعد المركبات، باستثناء السكك الحديدية، من أكبر الصادرات التركية، بقيمة تزيد عن 32.4 مليار دولار. يشمل هذا القطاع السيارات الجاهزة وقطع الغيار والهيكليات، مما يعكس قدرة تركيا على المنافسة في الصناعات المتقدمة.

- الآلات والمعدات (Machinery): تشمل صادرات الآلات والمعدات الميكانيكية والنووية والمراجل عالية القيمة، مما يضع تركيا في مقدمة الدول المصنعة لمعدات صناعية متقدمة.

- الوقود والمنتجات المشتقة (Mineral fuels & oils): تصدير النفط المكرر وبعض المشتقات النفطية يعزز الدور التركي في أسواق الطاقة العالمية ويزيد من عائدات الدولة.

- الأجهزة الكهربائية والإلكترونية: المعدات الكهربائية والإلكترونية تمثل جزءا كبيرا من صادرات الصناعات المتقدمة، وتُظهر قدرة تركيا على المنافسة التكنولوجية.

- المعادن الثمينة والأحجار: تصدير الذهب والمعادن النفيسة والأحجار الكريمة بلغ أكثر من 13 مليار دولار، ويُعد هذا القطاع مؤشرا على القوة الاقتصادية والاستغلال الفعال للموارد الطبيعية.

- البلاستيك ومنتجاته: منتجات البلاستيك جزء مهم من الصناعات التحويلية وتُساهم بشكل فعال في حجم الصادرات التركية.

- الحديد والفولاذ: منتجات الحديد والصلب أساسية في الصناعات التحويلية، وتعكس قدرة تركيا على دعم المشروعات الصناعية الكبرى.

- الملابس والنسيج: الملابس الجاهزة، سواء من القماش أو غيره، تظل من الصادرات المهمة، خاصة إلى الاتحاد الأوروبي، مما يربط الاقتصاد التركي بسوق أوروبا تاريخيا.

- المنتجات الزراعية: تشمل الصادرات الزراعية البندق، التين المجفف، زيت الزيتون، الفواكه، الحبوب والبقوليات، وتستهدف الأسواق الإفريقية والشرق أوسطية بشكل رئيسي.

- الصناعات الدفاعية: تركيا تمتلك قدرات نوعية في صناعة السلاح الخفيف، والدبابات، والمسيرات (الطائرات بدون طيار). تشير التقارير غير الرسمية إلى أن مبيعات السلاح التركية قد تصل إلى نحو 9.8 مليار دولار في 2025، مع إمكانية تجاوز 250 مليار دولار في أقل من خمس سنوات إذا تم توسيع نطاق التعاون والتحالفات الدولية.

التحالفات الاستراتيجية: خارطة الطريق الجديدة

النمو الاقتصادي الكبير يجعل تركيا بحاجة إلى إعادة التفكير في تحالفاتها، بعيدا عن الانتظار الطويل للاتحاد الأوروبي. فالهدف ليس فقط مضاعفة الصادرات، بل القيام بذلك في غضون خمس سنوات فقط، بدلا من 20 عاما من النمو البطيء السابق.

الحل يكمن في بناء تحالف استراتيجي متكامل مع دول صاعدة أخرى، ليصبح تركيا فيه الدولة القائدة. يشمل هذا التحالف دولا مثل باكستان، والسعودية، وماليزيا، وإيران، وإندونيسيا، والجزائر، ومصر، والسنغال، وقطر، ونيجيريا. هذه الدول تمثل مجتمعا سكانيا يقارب نحو 1.2 مليار نسمة، مقابل 450 مليون نسمة يمثلون سكان الاتحاد الأوروبي، وهو ما يمنح تركيا سوقا ضخمة وفرصا تجارية كبيرة.

تأتي أهمية هذا التحالف أيضا بعد خروج المملكة العربية السعودية من تحالف سابق اعتُبر ضارا بالإقليم، مع الإمارات، ما يجعل المجال مفتوحا لتشكيل تحالف إقليمي جديد، يجمع بين القوة الاقتصادية والسياسية، ولا يتعارض مع تحالفات إقليمية ودولية لتركيا.

القيادة التركية في المرحلة الحالية

الرئيس رجب طيب أردوغان يشكل عنصرا محوريا في هذه الاستراتيجية، خاصة أن ولايته الحالية ستنتهي في عام 2028. هذه الفترة تمنحه الفرصة لتدشين تحالف ثلاثي أولي مع ولي العهد السعودي وأمير قطر، ثم دعوة بقية الشركاء للانضمام، ليصبح التحالف قوة اقتصادية وجيوسياسية مؤثرة.

يمكن لهذا التحالف أن:

1. يضاعف صادرات تركيا إلى 10 أضعاف خلال خمس سنوات.

2. يعزز مكانتها الاقتصادية في الأسواق العالمية.

3. يوفر حماية للتجارة والاستثمارات التركية ضد أي ضغوط سياسية أو اقتصادية محتملة.

4. يمنع الابتزاز الذي يُمارس على كثير من دول المنطقة سياسيا وعسكريا.

5. يدفع المنطقة العربية والإسلامية إلى مزيد من الاستقرار الاقتصادي ومن الاستقرار السياسي.

القطاعات الاستراتيجية للتحالف الجديد

التحالف المقترح لا يقتصر على التجارة فقط، بل يشمل الصناعات والتكنولوجيا:

• صناعة السيارات الكهربائية والطائرات بدون طيار: التعاون مع باكستان وماليزيا وإندونيسيا وإيران في هذه المجالات يعزز القدرات الإنتاجية.

• القطاع المالي والاستثماري: التعاون مع السعودية وقطر والجزائر يوفر دعما كبيرا للمشروعات الكبرى، بما في ذلك الطاقة المتجددة والبنية التحتية.

• الأسواق الأفريقية: التعاون مع مصر، الجزائر، نيجيريا، والسنغال؛ يفتح أبواب أسواق ناشئة واسعة، تعزز الطلب على المنتجات التركية، وتفتح أبواب البلدان الأفريقية للاستثمار التركي.

التحديات المحتملة

رغم الإمكانيات الهائلة، تواجه تركيا عدة تحديات:

1. الاعتماد على أسواق بعينها قد يعرضها لتقلبات اقتصادية.

2. الضغوط السياسية الأمريكية والأوروبية، التي قد تحاول عرقلة أي تحالفات قوية بديلة.

3. التحديات الداخلية، مثل التضخم والسياسات النقدية، والتقلبات السياسية في بعض البلدان، التي تحتاج إلى استقرار طويل المدى لضمان نجاح الخطط الاستراتيجية.

الخلاصة

تركيا اليوم على مفترق طرق تاريخي، فهي دولة ذات إرث تاريخي عميق، وتقف على مفترق اقتصادي وسياسي وجيوستراتيجي. النمو الاقتصادي المتسارع خلال العقدين الماضيين أعطى تركيا القدرة على أن تكون قوة صناعية وتجارية مؤثرة، ويتيح لها الانخراط في تحالفات استراتيجية جديدة تضعها في موقع القيادة.

مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس أردوغان في 2028، تتضح الفرصة لتأسيس تحالف ثلاثي مع السعودية وقطر، وتوسيعه لاحقا ليشمل بقية الدول الصاعدة. هذا التحالف يمكن أن يضاعف صادرات تركيا بسرعة ويعزز دورها في الأسواق العالمية، بعيدا عن الانتظار الطويل للاتحاد الأوروبي.

السؤال الأهم الآن: هل ستلتقط تركيا القفاز وتبدأ تنفيذ هذه الخطة الاستراتيجية قبل انتهاء ولاية أردوغان، أم ستظل رهينة الانتظار الأوروبي؟ الواقع يشير إلى أن تركيا اليوم أقوى وأكثر استعدادا من أي وقت مضى لتكون قوة عالمية قادرة على رسم خريطة تحالفاتها بنفسها.

[email protected]
التعليقات (0)