رسالة من صديق هناك..

هشام الحمامي
"تعبير "لعبة" حين يصدر عن الرؤساء، فهو يشير عادة إلى عمليات مخابراتية وأمنية على مستوى خطير"- الأناضول
"تعبير "لعبة" حين يصدر عن الرؤساء، فهو يشير عادة إلى عمليات مخابراتية وأمنية على مستوى خطير"- الأناضول
شارك الخبر
أن يعلن رئيس جمهورية دولة لها مركزيتها التاريخية الموصولة بالحاضر (تركيا) أن الراية التي يجب أن تجتمع عليها كل القوميات المتباينة في عالم الإسلام هي راية "لا اله إلا الله محمد رسول الله"؛ فالموقف يستدعى منا التوقف والتبين والكثير من الاهتمام. فالموقف هنا مختلف، ومختلف جدا، وأيا ما كان الموقف الداخلي من قصة القوميات، فلا ننسى أن الحديث يتم في بلد يتماس مع أوروبا، وله معها تاريخ طويل للغاية في أخطر نقاط التماس التاريخية.. وهو الدين، وما زالت كثير من الجراح لم تندمل بعد، والاتحاد الأوروبي خير شاهد.

* * *

ليس هذا فقط، بل ويتخذ مواقف وارتكازات كلها موصولة بهذه النقطة على المستوى السياسي والأيديولوجي؛ صحيح أنها تتم بطريقة بالغة التعقل والرصانة والهدوء والتدرج الاستراتيجي، وهو ما اكتسبه وتمرن عليه كثيرا في مواجهاته الداخلية الهائلة مع معضلة "الديمقراطية والحكم المدني"،
لكن الجديد أنه يفهم منطق الأشياء بعمق عميق، ففي السياسة كما في الحياة، لن يستمع إليك أحد ولن يتبعك أحد ما لم يكن لديك ما تعطيه.. والعطايا كثيرة، وليس فقط المال المباشر، بل قد يكون المال من الناحية النوعية أقلها، أضف إلى ذلك، أن المساحة الاستراتيجية التي يتحرك فيها هذا الفكر، اعتادت على الحكم الأبوي المستمر من بداية الخمسينيات، لذلك فالعطايا هنا ستكون بالدرجة الأولى تتصل بالقوة النوعية.. العسكرية والعلمية والديبلوماسية والمخابراتية، خصوصا والمنطقة من زمن طويل وهي مسرح كبير لكل الأجهزة.

* * *
حينما يتم تعيين تركيا في "مجلس السلام الدولي من أجل غزة" فلأن تركيا استطاعت فك شفرة "اللعبة" مبكرا وأصبحت أحد "اللعّيبة".. وحين تتولى ملف سوريا وتجهزها لتكون قوة إقليمية كبرى تضبط ركائز المنطقة فلنفس السبب، وحين تتفاهم مع السعودية بشأن اليمن فلنفس السبب، وحين تتفاهم مع مصر بشأن السودان وليبيا فلنفس السبب

".. لقد أوقفنا اللعبة التي تدار في بلادنا، وبإذن الله، سنوقف اللعبة التي تدار في سوريا، سنوقف اللعبة التي تُدار في العراق، وسنوقف اللعبة التي تُدار في ليبيا، وسنوقف اللعبة التي تُدار في الشرق الأوسط".. هكذا تحدث رئيس تركيا، وهكذا تكتسب الكلمات في أفهامنا رنينا جديدا.

فتعبير "لعبة" حين يصدر عن الرؤساء، فهو يشير عادة إلى عمليات مخابراتية وأمنية على مستوى خطير.. ثم إن الرجل سلسل السلسلة، حلقة حلقة، وختم بالشرق الأوسط..!

إذن، حينما يتم تعيين تركيا في "مجلس السلام الدولي من أجل غزة" فلأن تركيا استطاعت فك شفرة "اللعبة" مبكرا وأصبحت أحد "اللعّيبة".. وحين تتولى ملف سوريا وتجهزها لتكون قوة إقليمية كبرى تضبط ركائز المنطقة فلنفس السبب، وحين تتفاهم مع السعودية بشأن اليمن فلنفس السبب، وحين تتفاهم مع مصر بشأن السودان وليبيا فلنفس السبب.. إنه سر اللعبة التي تدار في الشرق الأوسط من 100 سنة.

* * *

في مقال سابق أشرنا الى تصريحات وزير الخارجية التركي التي تأتي من ذات المعين، وقد يُحمل كلام وزراء الخارجية على محمل التصريحات التي تساعد على مد الجسور، لكن الحديث حين يصدر عن رئيس الجمهورية فإنه يشير إلى أن هناك ما يستدعي قول ذلك بالذات، وفي هذا التوقيت بالذات، ولأطراف مقصودة بالذات.

فحين يتحدث السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام قائلا إن ما يجري الآن "حرب دينية ستحدد مصير الشرق الأوسط لألف عام"؛ لا يؤخذ هذا الكلام على أنه مجرد اجترار إعلاني أو دعائي.. هذه حقيقة تدور في كثير من الرؤوس في الغرب، ليس فقط لأن مشروع الدولة الصهيونية هو بالأساس مشروع ديني، وليس فقط لأن إيران لها مرجعية مذهبية راسخة، وليس فقط لأن المقاومة التي كسرت هيبة إسرائيل مقاومة إسلامية..

طبعا هذه الأسباب لها وجاهتها القوية، ولكن السبب الحقيقي هو لأن علاقة الغرب بالشرق من تاريخ التاريخ علاقة دينية، كانت كذلك، وهي كذلك، وستظل كذلك، ومن يريد قصرها على أنها مصالح وما إلى ذلك فالرد عليه سهل، ذلك أن الحركة بالدين وسط الأمم والمجتمعات عبر التاريخ، تتلبس بالمصالح بدرجة كبيرة، وسنجد دائما أن الدين والسياسة والمصالح، كل متصل وموصول، دينا ودنيا.

* * *

سنسمع رئيس تركيا يقول أيضا ويكرر وفي هذا التوقيت بالذات: "دمشق، ديار بكر، حلب، الموصل، كركوك.. مدننا المشتركة، ومعركتنا واحدة، الأتراك والعرب والأكراد إذا تحالفوا انتصروا، وإذا تفرقوا أُكلوا فرادى. خضنا المعارك معا، وتقاسمنا الجوع واللقمة معا رايتنا: لا إله إلا الله محمد رسول الله".

الحديث عن العالم الإسلامي في عبر أزمان التاريخ هو حديث "الأمة الواحدة".. فالدين هو أساس تكون عالم الإسلام

وهو كلام صحيح تماما، وصادق كل الصدق، من الناحية التاريخية والموضوعية والمنطقية، والحديث عن العالم الإسلامي في عبر أزمان التاريخ هو حديث "الأمة الواحدة".. فالدين هو أساس تكون عالم الإسلام.

ولن نتفرع ونتحدث عن الأديان الأخرى التي في "ذمة" الأمة، فالتاريخ شاهد على أن مجرد المساس بهم وبدور عبادتهم مخالفة إسلامية خطيرة. لكن الحديث عن القوميات التي ذكرها الرئيس التركي هي "لعبة" بريطانية قديمة، وملولة، وكان الراحل الكبير د. إدوارد سعيد، صاحب كتاب "الاستشراق"، يسخر من المستشرق الإنجليزي برنارد لويس كثيرا، لأسباب علمية بالطبع، ولكن أيضا لقوله الدائم إنه ليس هناك في الشرق الأوسط إلا مجموعات متناثرة من القبائل والقوميات المتحاربة..!! وهو قول يفتقر الى المنهج العلمي تاريخيا.

* * *

ستظل المدرسة السياسية التركية نموذجا مثاليا في الزحف البطيء الهادئ نحو الأهداف، ويستحق أن يدرس في التاريخ، لكل الحركات الإصلاحية والسياسية.. وقد أرسلت رسالة واضحة ومفصلة وموصولة بدنيا الناس والسياسة وصلا وثيقا.. وهي رسالة جديرة بالانتباه والاهتمام بتركيز واهتمام.. في توقيته وضرورته وخطورته.

x.com/helhamamy
التعليقات (0)