لعل من الجوانب المحوريَّة، وغير المطروقة بعد في دراسة تاريخنا
الحديث: قياس حجم التزييف الذي ارتكبهُ القوميَّون وأذنابهم، بأطيافهم وتنويعاتهم؛
في كتابة تاريخ هذه الأمة المنكودة. وهي السرديَّات التي تلقَّفتها لاحقا أطياف
الإسلاميين والعلمانيين -سواء بسواء- بجهل شديد لا يخلو من غرض؛ فسعى كل فريقٍ
منهم لإعادة تسكينها -بقضها وقضيضها- داخل أيديولوجيته.
وربما كان من أكثر هذه التُرهات ذيوعا، وأوسعها انتشارا وقبولا
-إبَّان العقود الأخيرة- هي ما تعلَّق بإيران وتاريخها الديني والسياسي،
وبالتشيُّع في عمومه. وهو الانتشار الذي ساهم فيه انتصار الثورة الإسلاميَّة في
إيران، وما أفضى إليه من تحالُف حكام الخليج مع الأمريكان، وتمويلهم شديد السخاء؛
لإيقاف ما سُمي إعلاميّا آنذاك بـ"تصدير الثورة"، والذي عُدَّّ تهديدا
صريحا للاستقرار السياسي لأنظمة "حراس النفط". ثم لعبت دعاية البعث
العراقي مُدَّة الدور الأهم في ذلك، خصوصا إبَّان عدوان صدام على إيران طوال
ثمانينيات القرن العشرين، جنبا إلى جانب النشاط الهدَّام لترسانة الإسلاميين
الإعلاميَّة، والتي موَّلها السعوديون بالأساس!
لم تعرف إيران التشيُّع إلا في مرحلة مُتأخرة نسبيّا من إسلامها، وذلك عن طريق الأشعريين القُميين -لا الأشاعرة- وهم عربٌ أقحاحٌ من قحطان، ولد زيد بن كهلان؛ الذين وفدوا إلى إيران قادمين من الكوفة
وإذا كانت جمهرة الفرق والأيديولوجيَّات "السُنيَّة" اليوم
تبعٌ للسلفيَّة الوهابيَّة -المهيمنة كليّا على الفضاء الثقافي والبحثي والاصطلاحي
العربي، منذ قرابة نصف قرن- في توصيف التشيُّع بأنه: زندقة فارسيَّة، أو
"دينٌ جديد" اخترعه عرقٌ
فارسي موهوم؛ فإن جمهرة الأيديولوجيات
العلمانيَّة، تنزع القشرة الدينيَّة الهشَّة التي يتدثَّر بها الإسلاميون، مُكتفية
بالإطار القومي-العرقي، الذي صيغت فيه تلك المقولات الاختزاليَّة الأوليَّة؛ ليصير
التشيُّع عندها -من ثمَّ- دهاء فارسيّا أو مكرا فارسيّا، أو مؤامرة فارسيَّة على
"أمجاد" العروبة المنكودة بأهلها!
وسنُخصص سلسلة المقالات هذه، لتسليط الضوء -سريعا- على مدى ابتذال
بعض المقولات المهمة للسردية الأسطوريَّة "العربية" الحديثة عن إيران
وفارسيَّتها، والتشيُّع وهويَّته، وطبيعته وتطوره؛ مُحطمين إياها في عُجالة
تُناسِب ضيق المقام، وذلك حتى يتسنى لنا الإفاضة في ذلك في موضع آخر إن شاء الله.
* * *
لعل من الأمور القليلة، التي أجمع عليها المؤرخون الجادون (في كل
عصر، ومن كل ملَّة)، في تاريخ الإسلام الديني هي: عروبة التشيُّع. بل إن هؤلاء
الذين اختلفوا في تاريخ ظهوره المبكر، وسياقه؛ لم يسعهم إلا الإقرار بأنه نشأ
وتطور في محضن عربي خالص، طوال نحو عشرة قرون؛ سبقت وصول الصفويين إلى سُدَّة
الحكم في إيران، مطلع القرن السادس عشر الميلادي. بل ولم تعرف إيران التشيُّع إلا
في مرحلة مُتأخرة نسبيّا من إسلامها، وذلك عن طريق الأشعريين القُميين -لا
الأشاعرة- وهم عربٌ أقحاحٌ من قحطان، ولد زيد بن كهلان؛ الذين وفدوا إلى إيران
قادمين من الكوفة.
وقد قصَّ ياقوت الحموي -في مُعجم بُلدانه- قصَّة تأسيس مدينة قُم على
يد الأشعريين، وأنها أول مدينة عربيَّة صرفة، وأول مدينة شيعيَّة صرفة؛ فليس فيها
سُني واحد! وبذلك، يتجلَّى أن جمهرة "الإيرانيين" الذين دخلوا في دين
الله أفواجا، مع الفتح الميمون؛ إنما أسلموا على صور مختلفة من التسنُّن، ثم غلب
عليها التصوف تدريجيّا؛ قبل أن يأخذ في الامتزاج بالتشيُّع فيما تلا الغزو
المغولي. وهي البوتقة عينها التي تشكَّل فيها المذهب الشافعي كما نعرفه اليوم، في
تزاوجه بالاعتقاد الأشعري، والتصوف السُّني. إذ لم يتبلور المذهب على صورته هذه في
الشام ولا في مصر، وإنما في نيشابور؛ أهم مدن إيران وزهرة حواضر الإسلام قبل الغزو
المغولي.
لقد حطَّمت كارثة الغزو المغولي بُلدان المشرق الإسلامي تحطيما،
وأسهمت بالتالي في خلق حالة من السيولة الدينيَّة والمذهبيَّة، خصوصا زمان
الإلخانيين والتيموريين. ورغم استعمال الصفويين الموثَّق للحديد والنار لاحقا، في
محاولة فرض التشيُّع على إيران؛ إلا أن هذا ليس هو السبب الحقيقي
لـ"تحول" القطاع الأكبر من الإيرانيين السنَّة عن مذهبهم. ولم يكن القهر
سببا أبدا في تحول أي إنسان عن مذهبه، أو دينه أو مُعتقده، إذ على العكس تماما؛
يؤدي القهر والاضطهاد غالبا إلى العض على المذهب والديانة وإنعاش المعتقد في
النفوس، خصوصا في نطاق الإسلام. لكن يُعَدُّ أهم أسباب التحول الديني/ المذهبي؛
هو: استعداد الشخص/ المجتمع نفسه لذلك، خصوصا عَقِب تحطُّم الملاذات الروحيَّة
والبنى المذهبيَّة والمؤسسات الدينية القديمة -في الواقع أو في النفس، أو فيهما معا-
وتمكُّن الشعور بخذلان تلك البنى المنهارة من المتدين، مما يُفضي به إلى حالة
سيولة دينية/ مذهبيَّة/ اعتقاديَّة؛ تؤهله للتحول إلى مُعتقد جديد، يُلبي
احتياجاته في المرحلة الجديدة. وهو ما لم يكُن هاهُنا معتقدا غريبا، خصوصا إذا
كانت خيوطه قد تشابكت أصلا بنسيج المعتقد القديم؛ في طريقها لإزاحته بحيويتها
الاجتماعيَّة ومقدرتها على التجدُّد الواعد -نظريّا وحركيّا- بغير خبرات مؤلمة.
وإذا كان التشيُّع -في إيران- قد ارتبط خطأ بالصفويين، بوصفهم أول
دولة تُحكم قبضتها على كامل مساحة ما يمكن اعتباره "فارس التاريخيَّة"،
وتتخذ التشيُّع "مذهبا رسميّا" لها، وإن لم يكونوا أول دولة شيعيَّة في
إيران بعد الغزو المغولي؛ فإن السمات الجديدة التي اكتسبها التشيُّع تحت الحكم
الصفوي، تجعل مقدرة التسمية التي سكَّها علي شريعتي (التشيُّع الصفوي) أكثر
تفسيريَّة لفهم طبيعة المنتج، وإن كانت هي الأخرى إشكاليَّة لأسباب يضيق المجال
عنها، لكن لعل أهمها هي أن مذهب الصفويين الفعلي -خصوصا في أول مئة سنة تقريبا من
حكمهم- قد غلب عليه التصوف المشبع بالغلو. لهذا، فهي تسمية لا تفترض بالضرورة
اتساق هذا "
التشيع الصفوي" مع التشيع الإثني عشري "المدرسي"
بالضرورة،
الفرس" الأقحاح، الذين يفترض فيهم احتفاظهم بنقائهم "العرقي" إلى اليوم؛ فإنهم ظلوا على دين زرداشت المجوسي، وهاجر قطاع كبير منهم إلى شبه القارَّة الهنديَّة إبَّان الفتح الإسلامي لفارس، وبعده مباشرة، في حين بقيت أقلية صغيرة داخل إيران
وإنما تعني أن المذهب الذي اتخذه الصفويون قد حوى -من بين ما حوى-
ديباجات شيعيَّة، وظَّفتها الطريقة الصفويَّة -سياسيّا وروحيّا- بوصفها حركة
مهدويَّة ألفيَّة. وربما لهذا، لم يعد الارتباط "الحتمي" المفترض، بين
الهيمنة السياسية للتشيُّع في إيران ودولة الصفويين؛ من المسلّمات في حقل الدراسات
الإيرانيَّة اليوم، وخصوصا بعد أن ظهرت دراسات تاريخيَّة عديدة، خلال العقود
الأخيرة؛ تفكك الصورة النمطيَّة لهذا الارتباط المتوهَّم ومآلاته، على الأقل خلال
القرن الأول من عُمر الدولة الصفويَّة!
وحتى مع استقرار الحكم الصفوي، فإن تشيُّع سكان إيران لم يكتسب صفة
فارسيَّة أبدا بهذا الإطلاق الساذِج، الذي يتوهَّمه قطاع كبير من المثقفين العرب؛
فقد كان الصفويون أنفسهم أتراك العرق (قد اختلط نسبهم بالأكراد عند كثير من
المؤرخين!)، تحدَّروا من الأناضول، هُم وكل قبائل القزلباش التي حملتهم إلى
السلطة، وحكمت إيران بعدهم (ومنها آفشار وقاجار)؛ قبائل تُركمانيَّة صوفيَّة
(سُنيَّة وشيعيَّة). بل من المثير أن إيران التاريخيَّة نفسها -بحدودها شديدة
السيولة والتغيُّر- لم يحكُمها "فارسي" واحد -تقريبا- منذ الفتح
الإسلامي وإلى اليوم؛ إذ تفرَّغ الفرس للعلوم الإسلاميَّة وتطويرها، وجرى لبلدهم
ما جرى لشتى بُلدان المسلمين، حين ضعفت العصبيَّة العربيَّة؛ فتسلَّطت شتَّى
الأعراق التركيَّة فوق حكم ديار الإسلام -تدريجيّا- ربما منذ تمكَّنوا -أولا- في
عهد المعتصم العباسي. وهذا ينطبق حتى على آل بهلوي، أصحاب الأصول التُركمانيَّة؛
كما ينطبِق على المرشد الحالي -سيد علي خامنئي- الآذري الأصل، ومن قبله على
مُفجِّر الثورة وقائدها -الإمام الخميني- الذي اختلطت أصوله العربيَّة مع سُكان
شبه القارة الهنديَّة، التي استقرَّت أسرته في شمالها عقودا، قبيل عودتها إلى
إيران.
وإن نحنُ أردنا الدقة والإنصاف -مع بعض التجوز- في تتبع مسار
المتحدرين من العرق الفارسي بعد الإسلام؛ فإنهم قد ذابوا كُليّا في الهويَّة
الجديدة، إذ أقبلوا على علوم الإسلام والعربية؛ حتى صاروا أئمتها المتبوعين. أما
"الفرس" الأقحاح، الذين يفترض فيهم احتفاظهم بنقائهم "العرقي"
إلى اليوم؛ فإنهم ظلوا على دين زرداشت المجوسي، وهاجر قطاع كبير منهم إلى شبه
القارَّة الهنديَّة إبَّان الفتح الإسلامي لفارس، وبعده مباشرة، في حين بقيت أقلية
صغيرة داخل إيران إلى اليوم..
وللحديث بقية إن كان في العمر بقيَّة.
x.com/abouzekryEG
facebook.com/abouzekry