تشهد
تركيا منذ بدء شهر
رمضان 2026 حالة من الجدل السياسي والثقافي المتصاعد على خلفية التعميم الذي أصدرته وزارة التعليم الوطني في 12 شباط/ فبراير 2026 بعنوان "رمضان في قلب التعليم"، والموجه إلى مديريات التربية في الولايات الـ81، والذي دعا إلى تنظيم أنشطة وفعاليات مدرسية بمناسبة شهر رمضان.
وبينما حظي القرار بدعم مباشر من الرئيس رجب طيب أردوغان وقيادات التحالف الحاكم، أثار اعتراضات واسعة من عدد من الأكاديميين والفنانين والكتاب العلمانيين٬ الذين أطلقوا بيان تحت عنوان "ندافع عن
العلمانية معا"، ما فتح باب سجال حاد حول موقع الدين في التعليم العام داخل الجمهورية التي تأسست على مبدأ العلمانية منذ عام 1923.
وزير التعليم الوطني يوسف تكين أعلن في 12 شباط/فبراير 2026، وفق بيان الوزارة وتصريحاته للصحفيين قبل اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في أنقرة، أن التعميم يأتي في إطار ما يعرف بـ"نموذج التعليم في القرن التركي"، وهو المشروع الذي تتبناه الحكومة لإعادة صياغة المناهج والرؤية التربوية بما ينسجم مع ما تصفه بـ"القيم الوطنية".
وأوضح تكين أن التعميم ينص على تنظيم برامج حوارية للطلبة حول القيم الروحية، وإقامة موائد إفطار لتعزيز التعاون بين المدرسة والأسرة، إلى جانب تهيئة أنشطة تعليمية خارج الصفوف تركز على مفاهيم مثل العدالة، والرحمة، والوحدة، والوطنية، وروح المشاركة.
وشدد الوزير على أن جميع الفعاليات ستنفذ على أساس التطوع، وأنها تستند إلى مواد دستورية تضمن حق المواطنين في تطوير وجودهم الروحي، معتبرا أن الوزارة "تنفذ مسؤوليتها الدستورية".
غير أن البيان الذي صدر عشية حلول شهر رمضان، ووقعه 168 كاتبا وفنانا وأكاديميا وصحفيا، حمل عنوان "ندافع عن العلمانية معا"، اعتبر أن ما يجري يعكس توجها نحو "إقحام الدين في المجال التعليمي"، وأن الدفاع عن العلمانية "ليس جريمة".
وجاء في نص البيان أن "النظام الإسلامي السياسي، من خلال التمسك بحبل الولايات المتحدة وترامب، يدفع تركيا خطوة بخطوة نحو مستنقع الشرق الأوسط الرجعي"، وأن الضغوط ذات الطابع الديني في المجال العام تمثل تهديدا لأسس الجمهورية. ومن بين الأسماء التي وردت في البيان شخصيات معروفة في الأوساط الأكاديمية والفنية والإعلامية التركية.
اظهار أخبار متعلقة
أردوغان: يزعجهم رمضان لا الهالوين
رد الرئيس رجب طيب أردوغان جاء حادا خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية في أنقرة بعد يوم من صدور البيان. فقد أعلن الأربعاء دعمه الكامل لوزير التعليم، مؤكدا أن ما تقوم به الوزارة "يستند إلى الأسس الدستورية"، وأن الدستور ينص بوضوح على حق كل مواطن في تطوير وجوده الروحي.
وقال أردوغان في كلمته إن "مشكلة هؤلاء ليست العلمانية، بل هذه الأمة نفسها"، معتبرا أن الموقعين على البيان يختبئون خلف مفهوم العلمانية لإخفاء موقفهم الحقيقي من القيم الدينية للمجتمع.
وأضاف: "لا ينزعجون عندما يتم تزيين عيد الميلاد، ولا عندما يقدم الهالوين، لكنهم ينزعجون عندما يتعلم أطفالنا الصلاة والصيام". وتساءل بلهجة مباشرة: "لماذا يزعجكم أن يزين أطفالنا رمضان؟ لماذا يزعجكم أن يغنوا الأناشيد بصوت واحد؟".
وفي سياق دفاعه عن سجل حكومته، قال أردوغان إن تركيا خلال الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية لم تتدخل في أنماط حياة أي مواطن، وإنه لا يوجد في البلاد اليوم نقاش حقيقي حول العلمانية، مضيفا: "لن نستمع إلى هذيانات جماعة متعصبة لا تستطيع تحمل أن تعيش أمتنا إيمانها بحرية".
كما شدد على أن بلاده ليست بحاجة إلى "استيراد مفاهيم وقيم أجنبية"، داعيا من يريد رؤية حرية الدين إلى "النظر إلى تركيا والتعلم منها". واستحضر في خطابه شخصيات صوفية وتاريخية، مؤكدا أن القرآن وحب النبي والإيمان شكلت أساس الحضارات التي قامت في هذه الجغرافيا، وأن الأتراك والأكراد والعرب والسنة والعلويين والمسيحيين واليهود عاشوا في هذه الأرض منذ قرون في إطار ميزان تعايش فريد.
في اليوم نفسه الأربعاء، أعلن وزير التعليم يوسف تكين أنه تم رفع دعوى قضائية ضد الموقعين على البيان، معتبرا أن ما ورد فيه يشكل إساءة وتشهيرا.
اظهار أخبار متعلقة
وقال في تصريحاته: "168 شخصا يفسرون معتقدات مجتمع يتكون 99% منه من المسلمين من منظورهم الخاص، ويضعون أنفسهم في موقع وصاية فكرية"، مضيفا أن من يتعرض للإهانة أو يرى حقوقه منتهكة "يجب أن يلجأ إلى القضاء". وأكد أن الوزارة اتخذت هذه الخطوة "لحماية حقوق الطلاب وأولياء الأمور والمعلمين الذين شاركوا في هذه الفعاليات".
زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الشريك في التحالف الحاكم، عبر خلال اجتماع الكتلة البرلمانية لحزبه عن دعمه الصريح للتعميم الصادر في 12 شباط/فبراير 2026، واصفا إياه بأنه "خطوة صحيحة في مكانها وفي وقتها".
وتساءل: "هل هناك من يرى أدنى علامة على أن تركيا أصبحت طالبان؟ أليس الذين يثيرون الضجة حول طالبان والتخلف في فعاليات رمضان هم في الحقيقة متعصبون؟". واعتبر أن إثارة الجدل حول العلمانية تعكس استمرار "ردود فعل تركيا القديمة"، في إشارة إلى مرحلة ما قبل إصلاحات حزب العدالة والتنمية.
من جهتها، أصدرت نقابة الموظفين العموميين "ممور-سن" بيانا شديد اللهجة ردا على بيان المثقفين، حمل عنوانا جاء فيه: "لا يمكنكم تغطية عدائكم للإسلام بالعلمانية". واعتبرت النقابة أن ما ورد في البيان لا يندرج ضمن حرية الرأي بل يمثل "ديماغوجيا" ومحاولة لإحياء ذهنية الوصاية، مؤكدة أن الشعب لا يرى مشكلة تتعلق بالعلمانية.
وأضافت في بيانها: "المشكلة ليست في العلمانية بل في المتعصبين لها"، مستحضرة مرحلة 28 شباط/فبراير 1997 التي شهدت قيودا على المحجبات في الجامعات، ومعتبرة أن تلك الحقبة "انتهت".
أغنية دينية تشعل مواقع التواصل
تزامن هذا الجدل مع انتشار واسع لأنشودة "Kabenin hacıları hu der Allah" (الحجاج في الكعبة يقولون الله) بصوت المنشد جلال كاراتور، التي تحولت إلى ظاهرة في
المدارس، حيث رددها الطلاب في ساحات المؤسسات التعليمية ضمن فعاليات رمضان.
وتضمنت كلمات الأنشودة عبارات ذات طابع صوفي مثل "الحجاج في الكعبة يهتفون هو يا الله"، في إشارة إلى لفظ "هو" المستخدم في الأدبيات الصوفية للدلالة على الذات الإلهية.
وقد اعتبر مؤيدو الفعاليات أن انتشار الأنشودة يعكس تفاعلا طبيعيا مع الهوية الدينية للمجتمع، فيما رأى منتقدون أن ترديدها في المدارس الرسمية يطرح تساؤلات حول حياد الفضاء التعليمي.
اظهار أخبار متعلقة
أعاد الجدل الراهن إلى الواجهة النقاش التاريخي حول طبيعة النظام التعليمي التركي منذ إقرار قانون "توحيد التدريس" عام 1924 في عهد مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية الحديثة٬ الذي رفع لواء العلمانية في وجه الدين٬ والذي وضع جميع المؤسسات التعليمية تحت إشراف الدولة وألغى المدارس الدينية التقليدية، مؤسسا لنهج علماني صارم في التعليم.
ومع مرور أكثر من قرن على تأسيس الجمهورية، يبدو أن مسألة التوازن بين الهوية الدينية للمجتمع والطابع العلماني للدولة لا تزال حاضرة بقوة في النقاش العام.
وبينما تؤكد الحكومة أن فعاليات رمضان تستند إلى التطوع والدستور ولا تمثل إكراها على أحد، يرى معارضوها أن المسار الحالي يعكس تحولا متدرجا في طبيعة المجال العام والتعليم الرسمي.
ومع انتقال السجال إلى ساحات القضاء، وتواصل التصريحات المتبادلة بين المسؤولين والموقعين على البيان، تبدو المدارس التركية هذا العام ساحة جديدة لصراع رمزي أوسع حول تعريف العلمانية وحدود حضور الدين في مؤسسات الدولة.