موائد حزينة وقلوب مثقلة.. أهالي غزة يستقبلون رمضان بالجوع وألم الذكريات

ويستقبل سكان القطاع شهر رمضان هذا العام وسط أوضاع مأساوية ونقص شديد في الغذاء، بعد أكثر سنتين من الحرب والمجاعة التي شهدتها بعض مناطق القطاع- الأناضول
ويستقبل سكان القطاع شهر رمضان هذا العام وسط أوضاع مأساوية ونقص شديد في الغذاء، بعد أكثر سنتين من الحرب والمجاعة التي شهدتها بعض مناطق القطاع- الأناضول
شارك الخبر
في شهر يفترض أن تمتلئ لياليه بالدفء العائلي وروح التكافل، وموائده بما لذ وطاب من طعام، يدخل أهالي قطاع غزة رمضان هذا العام مثقلين بجراح لا تندمل؛ وموائد إفطار متواضعة بالكاد تسدّ الجوع، وأماكن فارغة، تركها من غيّبتهم حرب الإبادة الجماعية إلى الأبد.

وبينما يحاول الآباء والأمهات الحفاظ على ما تبقى من طقوس الحياة لأطفالهم، خصوصا في شهر رمضان، تتداخل مشاعر الصبر مع الحزن، ويصبح الدعاء هو الزاد الأثقل حضورا على موائد أنهكها الفقر وكسرها الفقدان.

"فول ودقّة وزوجة شهيدة"

التف أحمد فريد وأطفاله الثلاثة وأخته، مغرب اليوم الأربعاء، حول مائدة مكونة من طبقين من الفول، و"الدقة" وبعض أرغفة من الخبز، في انتظار سماع الأذان، إيذانا بإفطار أول أيام رمضان داخل خيمتهم المتهالكة في دير البلح وسط  القطاع.

اظهار أخبار متعلقة


ويشعر فريد بغصة كبيرة هذا العام بسبب غياب زوجته عن المائدة المتواضعة، والتي قضت شهيدة في قصف استهدف منزل عائلته في مخيم جباليا في بدايات حرب الإبادة الجماعية، إلى جانب ضعف الإمكانات المادية، وتردي الأوضاع الاقتصادية التي انعكست على أول مائدة إفطار رمضانية في هذا العام. وفق حديثه لـ"عربي21".

ويستقبل سكان القطاع شهر رمضان هذا العام وسط أوضاع مأساوية ونقص شديد في الغذاء، بعد أكثر من سنتين من الحرب والمجاعة التي شهدتها بعض مناطق القطاع.

Image1_220261817029735264456.jpg

ويكشف شهر رمضان في غزة عن جملة كبيرة من الآلام والمعاناة غير مسبوقة، فبينما يشكل الشهر فرصة لاجتماع العائلة اليومي على مائدة الإفطار، يجد الكثيرون أنفسهم محرومون من هذا التقليد بسبب فقدان أفراد من عائلاتهم، ما يجعل وقت الإفطار، مناسبة حزينة لنكئ الجراح، وتذكّر الماضي القريب قبل حرب الإبادة.

ولم تكن معاناة أحمد فريد في فقد زوجته فحسب، بل إن الفقر وقلة ذات اليد، جعلاه كمعظم الأهالي في غزة، يعتمد على ما يقدم لهم من مساعدات، غير أن هذا الوضع يحرمهم من تناول وجبة تأتي بعد ساعات طويلة من الصيام في هذا الشهر الذي تميزه الأنواع المتعددة من الأطعمة والحلويات الرمضانية.

اظهار أخبار متعلقة


"إحياء الطقوس بما تيسر"

ويستقبل الفلسطينيون بقطاع غزة شهر رمضان هذا العام وسط دمار واسع خلفته حرب الإبادة الجماعية استمرت عامين، على بنية تحتية مدمرة وأوضاع معيشية لم تتعاف رغم سريان وقف إطلاق النار منذ 11 من تشرين الأول/ أكتوبر 2025.

وبين خيام النزوح وأنقاض المنازل، يحاول أهالي القطاع إحياء طقوس الشهر بما تيسر، في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتراجع القدرة الشرائية، بينما تتوفر السلع بشكل محدود وبأسعار تتجاوز قدرة كثير من الأسر.

ويعتمد كثير من الفلسطينيين غزة على المساعدات الإنسانية المحدودة التي يُسمح بدخولها للقطاع، إضافة إلى مبادرات فردية ومجتمعية تقدم وجبات الطعام عبر التكايا، ودعم من مؤسسات خيرية تحاول سد جزء من الاحتياجات الأساسية في ظل غياب مصادر الدخل وتراجع النشاط الاقتصادي.



وتسببت حرب الإبادة الجماعية في خلق واقع بالغ الصعوبة من تفشي الفقر، مع تسريح عشرات آلاف الموظفين والعمال من وظائفهم وأعمالهم، والتي كانت تمثل مصدر دخل رئيس لهم، وذلك على إثر تدمير مئات المنشآت الصناعية والتجارية، وحالة التراجع والانكماش التي أصابت مؤسسات دولية عاملة في غزة.

"عزوف وجيوب فارغة"

بدوه، قال تاجر في سوق مخيم الشاطئ لـ"عربي21" إن الزبائن يأتون إلى خيمته التي حولها إلى محل تجاري، ويسألون عن أسعار البضائع، خصوصا تلك الخاصة برمضان، لكنهم لا يشترون منها شيئا بسبب ضيق الحال والظروف الصعبة التي يعيشونها.

وأكد ياسر حسين أن السوق شبه فارغ من المتسوقين، فيما البضائع متكدسة في المحال وعلى البسطات، دون أن يتمكن الناس من شرائها بسبب الأزمات الاقتصادية المركبة، وتبعات الإبادة التي حولت معظم سكان القطاع إلى فقراء.

اظهار أخبار متعلقة


"انهيار في الأسواق"

وقال المحلل الاقتصادي، أحمد أبو قمر في حديث خاص لـ"عربي21" إن أسواق غزة تعيش حالة من "الركود التضخمي" بسبب عدم وجود دخل لدى الأسر وانعدام القدرة الشرائية. مؤكدا أن الفلسطينيين في غزة في حاجة ملحة  لشراء السلع والحاجيات الرمضانية، ولكن للاسف لا يوجد قدرة مالية. 

وشدد على أن معدلات البطالة في قطاع غزة تقترب من 80 في المئة، فيما نسبة من يعتمدون على المساعدات تناهز الـ95 في المئة، ما خلق حالة عزوف عن شراء احتياجات شهر رمضان من الأسواق، حيث ينتظر الأهالى الحصول على هذه المستلزمات الرمضانية عبر المساعدات.

ولفت أبو قمر إلى أن قطاع غزة دخل في مرحلة أشد قسوة، عنوانها الانهيار الواسع لسوق العمل وتفكك مصادر الدخل لآلاف الأسر. فما بين بنية تحتية مدمرة واقتصاد شبه مشلول، شهدت غزة موجة غير مسبوقة من تسريح الموظفين والعمال في مختلف القطاعات، ما فاقم من هشاشة الواقع المعيشي بشكل خطير. 

وحذر من أن ما يجري في سوق العمل بغزة ليس أزمة عابرة، بل مسار خطير يتطلب تدخلا عاجلا لحماية ما تبقى من فرص العمل، وضمان الحد الأدنى من الأمان الوظيفي، قبل أن تتحول البطالة إلى واقع دائم يدفع المجتمع بأكمله نحو الانهيار.



ويعيش نحو 1.9 مليون نازح من أصل 2.4 مليون فلسطيني في القطاع ظروفا قاسية داخل خيام تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، بعد أن دمرت قوات الاحتلال منازلهم خلال الحرب.

وخلال سنتين من حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، عاش أكثر من مليوني فلسطيني موجات نزوح متكررة من مناطق سكنهم إلى أخرى داخل القطاع، في ظل أوامر نزوح قسري فرضتها دولة الاحتلال بالتزامن مع قصف مكثف طال الأحياء السكنية والبنى التحتية، ما دفع مئات الآلاف إلى الاحتماء بالمدارس والخيام ومراكز الإيواء وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.
التعليقات (0)

خبر عاجل