مراجعات المقاومة ومحورها مستمرة: أفكار جديدة لمواجهة التحديات الكبيرة

قاسم قصير
"تكتفي الإجابات النمطية بالتمسك بحسابات المواجهة المفتوحة والاعتماد على أنماط التفكير القديمة التي لا تراعي حجم التحولات في المنطقة"- عربي21/ علاء اللقطة
"تكتفي الإجابات النمطية بالتمسك بحسابات المواجهة المفتوحة والاعتماد على أنماط التفكير القديمة التي لا تراعي حجم التحولات في المنطقة"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
تستمر المراجعات الداخلية من أجل تقييم مسيرة المقاومة ومحورها، سواء في لبنان أو فلسطين أو على الصعيد الإيراني، ورغم أن كل الأنظار لا تزال تتجه حاليا إلى إيران بانتظار ما ستؤول إليه التطورات بين إيران وأمريكا، فإن الأوضاع في لبنان وفلسطين تنال اهتماما كبيرا من المراجعات الجارية، إن من خلال عقد الندوات واللقاءات المغلقة أو عبر مراكز الدراسات والأبحاث والتي تعقد المؤتمرات التقييمية أو تصدر أوراق العمل المتنوعة.

وفي إطار عملية التقييم الداخلية التي أجراها عدد من قادة المقاومة في المرحلة الأخيرة في لبنان وفلسطين، توصل هؤلاء إلى خلاصات مهمة، ومن أبرز هذه الخلاصات أن المقاومة اليوم تمر بمنعطف تاريخي يتجاوز في تعقيداته المراحل السابقة التي مرت بها المقاومة في العقود الماضية، والتي ساهمت في تحرير الأرض أحيانا أو الانتقال إلى دور اللاعب العابر للحدود والمؤثر في التطورات المختلفة، وصولا إلى المرحلة الراهنة التي يتمحور فيها الصراع تحت عنوان: صراع الوجود في ظل بيئة شديدة التعقيد، حيث تواجه المقاومة في لبنان وفلسطين مخاضا صعبا وحادا يتحول فيه شعار حماية الوجود لأولوية قصوى في ظل سلطات محلية غير صديقة وتحولات إقليمية جذرية؛ أبرزها التغيير الحاصل في سوريا، وفي ظل الحرب أو الضغوط التي تواجهها إيران والدول الداعمة للمقاومة، وفي ظل تطورات دولية وإقليمية مهمة.

الواقع يفرض التمييز بين الفعل المقاوم الذي قد يكون كامنا أو ناشطا، وبين الإدارة المقاومة التي تمثل جوهر الثبات والاستمرارية وعلاقتها بماهية الوجود، في حين يواجه المشروع المقاوم تحديات كبرى تتمثل في هشاشة الدولة أو السلطة القائمة، في ظل الانقسام الداخلي والانهيار الاقتصادي

وعلى ضوء هذه المعطيات والمتغيرات الحاصلة منذ معركة طوفان الأقصى إلى اليوم، فإنه حسب بعض قيادات المقاومة، هذا الواقع يفرض التمييز بين الفعل المقاوم الذي قد يكون كامنا أو ناشطا، وبين الإدارة المقاومة التي تمثل جوهر الثبات والاستمرارية وعلاقتها بماهية الوجود، في حين يواجه المشروع المقاوم تحديات كبرى تتمثل في هشاشة الدولة أو السلطة القائمة، في ظل الانقسام الداخلي والانهيار الاقتصادي الناتج عن السياسات الأمريكية الهادفة لإفقار المقاومة وبيئتها، فضلا عن اختلال التوازن العسكري والضغط الدولي الهائل، وتحول البيئة العربية إلى بيئة معادية للمقاومة وتتبنى الخيار الأمريكي أو تدعو إلى التطبيع مع العدو الصهيوني.

ويعتبر بعض قادة المقاومة أن ما نحتاج إليه إعادة تقييم المتغيرات والتمييز بين الرؤية التقليدية للمقاومة والرؤية الفكرية المعاصرة من خلال التباين في فهم الواقع والأدوات، حيث تكتفي الإجابات النمطية بالتمسك بحسابات المواجهة المفتوحة والاعتماد على أنماط التفكير القديمة التي لا تراعي حجم التحولات في المنطقة، بينما ينطلق الفكر المقاوم المتجدد من ضرورة المواءمة بين المبادئ والمتغيرات، فيرى أن حماية الوجود تتطلب اليوم تعزيز البعد الوطني والتمسك بالمشروع الوطني في كل بلد كإطار لا بديل عنه؛ في ظل تعثر المشاريع الوحدوية الكبرى العربية أو الإسلامية، وتعتبر أن قوة المقاومة تستمد مشروعيتها من إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة والانخراط في قضايا الإصلاح الأساسية، بدلا من الاكتفاء بالدور العابر للحدود في بيئة داخلية وإقليمية مضطربة.

ويضيف هؤلاء أن علينا اليوم مقاربة استراتيجية التحرير برؤية جديدة تركز على الاختلاف الجوهري في إعادة النظر في نظرية تحرير فلسطين، عبر الانتقال من المبادرة الكلية إلى دور المؤازرة لقوى الداخل، وهو ما يعكس جوهر العقلانية الثورية التي تجمع بين ثورية الأهداف وواقعية الأدوات، فالمعيار الحقيقي للنجاح في هذا الطور هو القدرة على تحقيق الأهداف بناء على الإمكانات المتاحة والظروف الراهنة، وليس الانجرار وراء الشعبوية أو الأيديولوجيات الجامدة التي قد تؤدي إلى الانكفاء أمام الضغوط الدولية ومحاولات الإفقار الممنهج، وبذلك تتحول المقاومة من مجرد فعل عسكري إلى إرادة واعية تستشرف آفاق المستقبل من خلال الموازنة الدقيقة بين ماهية الوجود وتحديات البيئة المعادية.

وتستوجب هذه التحولات حسب بعض القادة والمفكرين المتابعين لعمل المقاومة؛ الانتقال إلى مرحلة جديدة من النضج الفكري والسياسي الذي يضمن للمقاومة ديمومتها بعيدا عن الأنماط التقليدية التي لم تعد تتلاءم مع حجم المخاطر الراهنة، حيث إن ترسيخ العقلانية الثورية كمنهج عمل يتيح الموازنة بين نقاء الأهداف وصلابة الواقع، مما يجعل من تعزيز الحاضنة الوطنية وإصلاح مؤسسات الدولة أو السلطة حصنا منيعا أمام محاولات الحصار والإفقار،
هذه الأفكار الجريئة التي يجري تداولها في بعض الأوساط المقاومة يمكن أن تشكل مدخلا أوليا من أجل مراجعة مسيرة المقاومة وتقييم دورها وإنجازاتها في هذه المرحلة الخطيرة، ووضع استراتيجيات جديدة تتناسب مع ظروف المرحلة
وبذلك لا يعود الرهان في المواجهة مجرد رد فعل عسكري بل يتحول إلى استراتيجية شاملة تعيد تموضع المقاومة كقوة عاقلة قادرة على تطويع الظروف الإقليمية القاسية لخدمة البقاء والاستمرار، مع الحفاظ على جذوة القضية الفلسطينية حية من خلال إسناد الداخل الفلسطيني بوصفه صاحب المبادرة الأساس في معادلة التحرير القادمة.

ويدعو هؤلاء القادة إلى اعتماد استراتيجية جديدة تركز على تبني وحماية الفكر المقاوم وتكيّفه مع المرحلة الراهنة، مع التمسك بالهوية الوطنية كإطار واقعي للعمل خاصة مع تراجع المشاريع الوحدوية الكبرى، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة كحاجة لاستقرار قوة المقاومة، ومراجعة نظرية التحرير بالاعتماد على الداخل الفلسطيني كقوة أساسية، والخارج كقوة مؤازرة، وتكريس العقلانية الثورية في الموازنة بين ثورية الأهداف وواقعية الأدوات، وجعل شعار جعل حماية الوجود والبيئة أولوية قصوى لضمان الاستمرارية سواء في لبنان أو فلسطين.

هذه الأفكار الجريئة التي يجري تداولها في بعض الأوساط المقاومة يمكن أن تشكل مدخلا أوليا من أجل مراجعة مسيرة المقاومة وتقييم دورها وإنجازاتها في هذه المرحلة الخطيرة، ووضع استراتيجيات جديدة تتناسب مع ظروف المرحلة دون التخلي عن الأهداف الكبرى في مواجهة المشروع الإسرائيلي- الأمريكي.

فهل ستحظى هذه الأفكار والمراجعات بالاهتمام المطلوب؟ أم التطورات القادمة قد تفرض مواجهات جديدة تتعدى كل الساحات والقوى الفاعلة وتتحول إلى معركة كبرى على مستوى المنطقة كلها؟

x.com/kassirkassem
التعليقات (0)

خبر عاجل