ظاهرة العنف بين الذات الحضارية وعنف الحضارة الغربية.. مشاتل التغيير (58)

سيف الدين عبد الفتاح
"محاولة الغرب لتكريس المشاهد المتعلقة بظاهرة الإسلاموفوبيا يظل أمرا خطيرا ضمن التحيزات"- جيتي
"محاولة الغرب لتكريس المشاهد المتعلقة بظاهرة الإسلاموفوبيا يظل أمرا خطيرا ضمن التحيزات"- جيتي
شارك الخبر
من الأهمية بمكان أن نشير إلى ظاهرتين؛ حَضرت بصددهما ندوتين متتابعتين: الأولى حول تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية، والثانية كانت حول العنف واتهام الإخوان أيضا بارتكاب أعمال عنف هنا وهناك، سواء في التاريخ أو الآن. وهالني بحق أن يقام سوق الندوات حول الأمرين ضمن ثلاثة إدراكات اعتبرها قاصرة:

الأول: يتعلق بسياسات ردود الأفعال يحركنا حدثا غربيا بامتياز سواء التصنيف أو الاتهام بالعنف لنبادر بردود أفعال، وليس فعلا استراتيجيا، تأسيسيا، يحرك في ذات الوقت استراتيجية خطاب إسلامي واع ونقدي متكامل تتحرك ضمن فضاء العلاقات الداخلية والإقليمية والدولية، تخرج عن رد الفعل الذي يتخذ خطابا متراجعا دفاعيا بكل أشكاله وبذات أهدافه وغاياته.

الثاني: الإدراك المفاهيمي الواسع في سياق معارك المفاهيم التي تخوضها الأمة، فنحاول من خلال تصورات جزئية أو إدراكات ثقافية لا نلبث إلا أن ننطلق من تصورات خاطئة حول وسطية الإسلام، مغزاها دائما يعبر عن الموقف بين بين، أو نستسهل ذلك من خلال دفاع واندفاع دون التعرف على مفردات وأرضية التدافع في المطلوبات والواجبات، فبدا الخطاب متمركزا حول الحديث عن مضادات الاتهامات، فنقول إن الإسلام دين الرحمة، وهو حق لا امتراء أو افتراء أو تعسف أو تزيّد فيه، ولكنه حق لا نحسن القيام به، ولكن نستدعيه إذا ما اتهمونا بالعنف والإرهاب، قائلين: الإسلام هو دين السماحة والسلام ودين الرحمة، وإن قالوا إنه دين الإرهاب أو هو كذلك من أتباعه أكدنا أن الإسلام الوسطي يكافح الإرهاب ويقف ضده، وسرعان ما تقام اللجان وتعقد المؤتمرات، التي نظن أنها دفاع عن رؤية الإسلام وجوهر خطابه، ولكنها في حقيقة الأمر ليست إلا امتشاقا لصورة المحامي المدافع عن متهم، وخالت هذه اللعبة ضمن صناعة كبرى من الإسلاموفوبيا، والإخوان فوبيا.

دائما الإسلام والمسلمون في دوائر الاتهام والتجريم، ونظل ضمن هذه الدوامة وفق عناصر استدراج منظمة ومنهجية، نخرج من واحدة لندخل في أخرى

كل ذلك تحت ضغط العقدة التي اصطنعها "مركز جون إم. أولين للدراسات الاستراتيجية" الذي دُشن في هارفارد برئاسة صموئيل هنتنجتون، وابتدر أعماله بمقالة حول نهاية التاريخ لفرانسيس فوكاياما، وتبعه مقال آخر لهنتنجتون حول صدام الحضارات، وقد تحولا من بعد ذلك إلى كتابين بعد صناعة أو اصطناع نقاش حولهما إن شئنا الدقة، وباتت العقدة مثل كل مرة تتحرك من مواقع الفكر الدفاعي الذي يشكل في أصله مراوحة في المكان ومداراة لا تنتهي ونستدرج إليها. ودائما الإسلام والمسلمون في دوائر الاتهام والتجريم، ونظل ضمن هذه الدوامة وفق عناصر استدراج منظمة ومنهجية، نخرج من واحدة لندخل في أخرى.

وقد كشفت معركة طوفان الأقصى مدى انخراط الغرب ورأس حربته التي تتمثل في الكيان الصهيوني في المنطقة وتصوراتهم عن التعامل معنا، وقد كان ارتكابهم لجريمة الإبادة الجماعية التي رآها كل أحد في المعمورة فاضحة عن هذه الرؤى، وتلازمت مع سيطرتهم على الأدوات الدولية والمسارات العالمية، وكيف أن المؤسسات الأممية رغم أنها تحركت صوب التجريم، ولكنها واجهت ضغوطا وخطابا عنصريا فاشيا منفلتا.

أما الإدراك الثالث الذي مثّل قصورا وتقصيرا استراتيجيا يتمثل في ضيق الأفق الذي يحصر الاهتمام في فصيل فينافح عنه، أو ينخرط في الدفاع عن قضية تستنزف فيها الطاقات الذهنية وتحصرها في زاوية لا تخرج عنها، مثلها مثل الملاكم المُستقوي الذي يحاصر خصمه في زاوية الحلبة ويكيل له اللكمات وينوّع الضربات والاتهامات بالأفعال والكلمات، فنظل في حالة الدفاع المقيتة التي لا تحرك رأيا أو رؤية والتي لا تؤصل موقفا استراتيجيا أو رؤية بنّاءة حول الإسلام وعالم المسلمين.

لقد كانت الثورات فعلا تغييريا مهما في مواجهة النظم الاستبدادية وفعل الطوفان في مواجهة الكيان العنصري الصهيوني الفاشي؛ آخر أشكال الاستعمار الاستيطاني الفاجر والفاضح في رعاية وكنف الحضارة الغربية التي دعمته وشجعته في كل سياساته، ثم كانت القاصمة في ملفات إبستين وجزيرته التي شكلت ماخورا يمارس فيه كل عمل مشبوه وكل عنف جنسي من نخبة الغرب؛ بمثقفيه وفنانيه وأكاديمييه وقادته السياسيين ورجال أعماله.

المسألة هنا كانت ترتبط بسقوط مدو لتلك الحضارة وفضيحة للحضارة الغربية لا تخطئها عين، فبرزت هذه الحضارات الفاجرة في إعانة وعون المستبدين والطغاة باعتبارهم وكلاء وعملاء، وفي عنصرية وهمجية ووحشية تمثلت في أخطر إبادة جماعية شهدها التاريخ الحديث والمعاصر، ثم كانت الفضيحة في نموذجها الشهواني الشارد والمتعة التي ارتكبت كل محرم يضاد الفطرة والقيمة الإنسانية.

وارتكبنا نحن القصور الأكبر حينما لم نتحرك في هذه اللحظات الكاشفة والفارقة والناقدة التي تشكل إرهاصا لأن تشكل لحظة فرقانية بانية، فلم نقدم الخطاب اللازم بأستاذية الإسلام والحضارة الإسلامية حينما تقدم المعنى الحق لهذه الأستاذية لعموم الإنسانية؛ في خطاب حضاري متماسك قادر على أن يخرج هذه الأمة من زاوية الاتهام أو من أي إجرام، ليحرر الأمر الذي يتعلق بهذه الحضارة الغالبة في زخرفها وزينتها التي حجبت حقيقتها، وقدمت صورة وهمية لحضارة خالية من قيم حقيقية إلا قيم اصطنعها الشيطان على عينه وفي تحالف متعمد ضد حقيقة الإيمان والعمران. نخوض هذا التدافع ضمن أصول الرؤية التوحيدية الاستخلافية العمرانية الفطرانية.

ومن هنا يمكن النظر إلى الظاهرة الإسلامية خاصة في بعدها الحركي وبعض الصور السلبية هي ربط الظاهرة الإسلامية بالعنف، مع الإقرار بأن هناك بعض الشواهد والمؤشرات التي تتعلق بارتكاب بعض هؤلاء من أعمال العنف، وتبني هذه الأعمال فيظل هذا مهما في إطار لماذا تقفز القاعدة وداعش -دائما- إلى صدارة المشهد ولا تظهر النماذج التي تتعلق بالتعارف الحضاري كعناصر من تلك الصورة.

نظن أن محاولة الغرب لتكريس المشاهد المتعلقة بظاهرة الإسلاموفوبيا يظل أمرا خطيرا ضمن التحيزات في معالجة هذه الظاهرة كذلك، فإن الموضوع المتعلق بالعنف يحتاج منا لمداخل لتفكيك هذه الظاهرة والتعرف على سياقاتها ومداخلها المختلفة التي يمكن أن تقوم بدور في تشكيل هذه الظاهرة وتراكمها بل وتطورها.

ومن هنا فإننا نشير إلى ظواهر تتعلق بالعنف الهيكلي، أي العنف الكامن في السياقات المجتمعية والثقافية والعنف المتعلق بالدولة والسلطة حينما تمارس عنفا غير مسبوق في تعاملها مع المعارضين ضمن أساليبيها الأمنية والبوليسية والفاشية، وهي غالبا ما تصنع ظواهر مستقبلية للعنف رغم أنها فيما يبدو تنظر إلى ذلك باعتباره مداخل للهيمنة والسيطرة وأن الأمور تحت تصرفها وتحت يديها، وفي حقيقة الأمر أن هذه التصور العليل بالنسبة لمثل تلك الظواهر التي تتولد عن هذه التصورات والإدراكات إنما يشكل مداخل لعنف مستقبلي محتمل؛ تكون فيه هذه الظواهر ضمن أشكال مستجدة لا تقوم السلطة بأي دور في فهم متغيراتها من منظور السياقات الاجتماعية والثقافية.

كما تمارس الدولة عنفها في الساحات والمساحات من الميادين إلى السجون من خلال تكميم الأفواه في مصر المخروسة وفي سياق استراتيجية بناء سجون جديدة تحكم سيطرتها عليهم في مصر المحبوسة، خصوصا بيئة السجون التي تشكل في حقيقة الأمر أكثر البيئات قابلية ومناسبة لصناعة العنف مستقبليا، وذلك ضمن سلوكيات خطيرة صارت تمارسها الدولة من باب إذلال المسجونين السياسيين والمعتقلين ضمن أشكال مختلفة، بالإضافة للجمع بين المتشددين وغيرهم، وكذلك المسجونين السياسيين والجنائيين، وغير ذلك من أمور قد تؤدي في النهاية إلى نشأة ظواهر مستجدة كامنة لا يُعرف مداها، وضمن سياقات معينة ينظر كذلك إلى أنماط من السلوك ضمن معادلات إقليمية ودولية لا تأبه بأي حال من الأحوال بمصالح المواطنين ومعايشهم، فيمكنها أن تقوم بمشروعات وتوافقات غالبا ما تكون على حساب المواطن العادي، وهو أمر أشارت إليه التقارير الحقوقية عن حالة سيناء على سبيل المثال، وما ترتب عليها من أشكال تتعلق بممارسة السلطة لكل أشكال العنف غير المبرر في مواجهة المواطن، وهو أمر أدى إلى صناعة ساحات محتملة للقيام بعنف أو على الأقل الانحياز لجماعات تمارس العنف.

هذه الرؤية أثرت على عسكرة الثورات؛ حيث اتخذت ظاهرة العسكرة شكلين خطيرين:

الأول، تحول الثورات إلى مواجهة مع العسكر تتعلق بمحاولة العسكر الاستئثار بالسلطة والتخطيط لذلك في ظل انعدام أي قواعد أو محاولات لما يسمى بالانتقال العسكري؛ وضبط العلاقات المدنية-العسكرية. ولا شك أن الحالة المصرية أوضح ما تكون في هذا المقام؛ بعد الحالة الانقلابية وفي ظل تخطيط الثورات المضادة لمواجهة الثورات بالحصار أو الالتفاف، وفي أحيان أخرى بالاستيلاء كما هو الحال في أحداث 30 حزيران/ يونيو والانقلاب العسكري في الثالث من تموز/ يوليو في الحالة المصرية تحت دعوى التحرك بغطاء شعبي؛ ومحاولة محاكاة ذات النموذج في ليبيا ضمن أدوار لخليفة حفتر.

بدت الحركات الإسلامية في الشكلين ترتكب جملة من الأخطاء التي مثلت أثرا سلبيا على مسيرة الثورات العربية في معظمها؛ من مقايضات ومساومات وتدخلات خارجية خضعت لتقديرات في ذلك الوقت شكلت منفذا لتدخلات خارجية واستخدام القوة المفرطة

والثاني، يتعلق بمواجهة النظم محل الثورات من قبل الشعوب وبعض الذين انشقوا من المؤسسات الأمنية للنظام بما فيها الجيش، إضافة إلى ما اصطنعته بعض التكوينات التي نشأت بمناسبة الثورات من ملحقات ذات طابع عسكري اتخذ مسار تسليح الثورات، وأدى ذلك إلى بروز لغة السلاح في معادلة التغيير، وهو أمر استُغل من قبل النظم المستبدة للاستعانة بدول خارجية واستخدام السلاح الذي تملكه تلك السلطات الطاغية بلا حد أو قيد، واستدرجت الثورات إلى حالة من الحروب الداخلية وفرضت على الثورات شكلا معينا من التعامل المعسكر، كما في الحالة السورية واليمنية والليبية، على اختلاف ما بين هذه الخبرات في مسألة العسكرة ومآلاتها وآثارها في تحول شكل هذه الثورات إلى حروب داخلية استغلها المستبدون. وهنا لا بد أن نشير إلى التقاء المصالح والعمل لحساب الخارج بين الداخلي والإقليمي والدولي، لتُحكم حلقة الاستبداد والطغيان في طبعة يتفاعل فيها الداخلي مع الخارجي.

بدت الحركات الإسلامية في الشكلين ترتكب جملة من الأخطاء التي مثلت أثرا سلبيا على مسيرة الثورات العربية في معظمها؛ من مقايضات ومساومات وتدخلات خارجية خضعت لتقديرات في ذلك الوقت شكلت منفذا لتدخلات خارجية واستخدام القوة المفرطة وإقامة عملية تهجير واسعة، فضلا عن خيارات الانقلابات العسكرية التي أسهمت في إجهاض الثورات كما في الحالة المصرية كنموذج في هذا المقام، وحروب داخلية كما في سوريا وليبيا واليمن والسودان.

إنها المشاتل التي يجب أن نتعلم منها وعليها وأن نسبر أغوارها، فإن المرء قد يتعلم من الخطأ أكثر من الصواب؛ المشاتل مساحة وساحة للاختبار، والمختبر تتسع مساحاته بحجم الحدث واتساع مناطق تأثيره وامتداد آثاره. إن هذا الدرس يجعلنا دائما على وعي ناضج ومتكامل من معامل ومشاتل التغيير في العلاقة بين ظواهر لا يمكن الفصل فيها بين الداخل والخارج؛ ذلك أن الخارج لا يتمكن من الداخل إلا بمقدار ما يمُكّن له الداخل، وأن تغلب الخارج دائما مرهون بقانون الغلبة الخلدوني "المغلوب مولع أبدا بتقليد الغالب"؛ فهل تعلمنا منهج النظر لظواهر نحسبها داخلية محضة فإذا بها تصنع مادة وصورة في مصانع الغرب، وكذا من الظواهر ما تحسبه خارجيا تماما ولها من معاملات داخلية مثل ظواهر التبعية والذيلية؟ تدبروا في الإدراك والتصور من ممكنات الوعي، وأقبلوا على حركة ومسالك السعي الراشد.. استقيموا يرحمكم الله.

x.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)