كتاب عربي 21

عقل استراتيجي والتغير القادم.. مشاتل التغيير (53)

سيف الدين عبد الفتاح
"تخطيط استراتيجيات ورسم خطط وتقديم آليات ضمن المقدمات لمعركة التغيير الكبير"- جيتي
"تخطيط استراتيجيات ورسم خطط وتقديم آليات ضمن المقدمات لمعركة التغيير الكبير"- جيتي
شارك الخبر
إن هذه الأمة تحتاج إلى عقل استراتيجي يجمع بين الإرادة والإدارة، وفي هذا المقام يحسن أن نعود إلى هذا المربع الذي يشتمل على أركان مهمة تقدم في تفاعلها رؤية قادرة على التفكير والتدبير والتغيير والتأثير حتى يمكنها تحقيق ذلك، فعليها أن تتعرف على حجم الإشكالات وتبصّر كافة التحديات، وكذلك عليها أن تتعرف على مساحة المتطلبات وقدرات الاستجابات، إلا أن الحاضنة المهمة التي تشكل سندا لهذا العقل الاستراتيجي إنما تتعلق بالتيار الرئيس للأمة الذي يُحسن إدارة الصراع والقدرة التدافعية وإدارة الأزمات وإدارة الفرصة، مما يؤسس المعنى الذي يتعلق بساحات الحركة وإمكانات التغيير وأصول الفاعلية. في هذا السياق وجب علينا أن نشير إلى ما يحيط بهذه الأمة من مخاطر وما يتولد من جوفها من فرص.

إن النظر الذي تحدثنا فيه عن أن الأمة في قلب الخطر إنما يعبر عن ظروف غاية في الاستهداف الاستراتيجي لقضية الأمة "فلسطين"، وكل العناصر الفاعلة في الأمة وكل خمائر مقاومتها. ويرى هؤلاء الذين يضادون الثورات وحقائق التغيير وقد عرفوا ماذا يمكن أن تصنع الثورات ضمن مسارات تغيير كبرى؛ أن المعركة لا بد أن تُخاض الآن من دون تأجيل أو إبطاء، وأن هذا الظرف التاريخي المواتي لعملهم المضاد يجب أن يُستغل بكل طاقة وبأقصى سرعة (القبول الدولي بجرائمهم وعلى أقل تقدير الصمم، مصر الانقلاب، التحريض على تركيا وقطر، استهداف كل عناصر المقاومة)، وذلك من أجل تأمين الكيان الصهيوني في وجوده واستمراره واستقراره بل في التعايش معه والتطبيع في علاقاته. كل ذلك يصاغ ضمن مقولة ذاعت وانتشرت تتعلق بصفقة القرن.

نقول إن المضادين للثورات قاموا بكل عمل من شأنه أن يحقق لهم انتصارا مدويا لمصلحة الكيان الصهيوني، اعتقادا منهم أن البوابة الإسرائيلية هي أفضل طريق يمكن أن يقطعوه لتحقيق أمن كراسيهم وسلطان حكمهم؛ هناك دولة عربية على سبيل المثال لم تعد تخفي علاقتها الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني في مواجهة جميع الدول العربية والإسلامية الأخرى.

وربما في هذا السياق نقول إنه مع التغيير القادم بكثير من المؤشرات، وبعد هذا الحصار الذي فرضته تلك القوى على الثورات واستطاعت بشكل أو بآخر أن تحقق بعض الانتصارات هنا وهناك، إلا أن هذه الانتصارات لم تكن في هذه المنطقة إلا في جو من الفرقة والفوضى وخطة للتقسيم والتفتيت والتجزئة. ونظن أن هذه الأوضاع التي لا يمكن التحكم بها هي التي ستشكل في ذلك الوقت مقدمات لتغيير أكبر، التغيير القادم قد يكون علينا ولكن التغيير الكبير سيكون لمصلحة إرادة الشعوب وإرادات التغيير والثورة، وغاية في الأهمية أن نتعرف ونتجهز لذلك التغيير بوعي حاد وسعي مديد. إن الفعل الاستراتيجي عمل يبدأ تأسيسه من الآن على طريق التفعيل والفاعلية حتى يمكننا أن نحدث التغيير القادم، ليكون في مصلحتنا وحتى يرتاد كافة المجالات الحيوية للحركة والفاعلية.

في هذا التغيير الذي اجتمعت فيه تلك القوى والذي أشرنا إلى أن بعض آثاره قد تكون علينا وليست لنا، فإن الأمر يتطلب منا العمل في أربعة محاور:

المحور الأول: الوعي بالتحديات واستثمار الفرص الكامنة فيها. آن الأوان أن نتعلم تلك الرؤية التي تبيّن الفرصة والقدرة على اقتناصها والعمل على تعظيمها وإرادتها، وإلا سنظل أسرى في سجون إهدار الفرصة تلو الفرصة ولا نحقق أي تقدم على طريق التغيير المأمون الجذري والشامل.

أما المحور الثاني فإنه يتعلق بالحفاظ على الخمائر، خمائر العزة والكرامة والمقاومة. إن مشروع المقاومة يمكن أن يتقدم أو يتأخر في إطار التعرف على فن التقدم والتأخر فيتخير مسارا أفضل للحفاظ على خمائر القوة والمقاومة، خمائر الوعي وخمائر المواجهة وتراكم كل هذه الأمور على طريق استثمار ذلك في جنبات الأمة إعدادا لمشروع التغيير الكامل.

المحور الثالث يتعلق بتقليل الخسائر، ذلك أننا لو خضنا معركة لا تتمتع بكثير من قواعد الندية والتكافؤ، فإنه من الواجب علينا حينما تأتي هذه القوى العاتية في ظل ظروف غير مواتية أن تقلل الخسائر إلى حدها الأدنى، وتفتح الطريق لصناعة كل عناصر الإرادة والقوى في إطار يسمح بالحفاظ على تلك القوى ضمن معركة المصير والتغيير الكبير.

أما المحور الرابع فإنه لا بد أن يصنع بيئة من الوعي والسعي والفعل والتفعيل والفاعلية لتحقيق شروط الإقلاع، والانطلاق للتعرف على مسارات التغيير القادم وقدراته والعمل من أجل بلوغ أهدافه ومقاصده.

لم يكن حدث وحديث الثورات هو الحادث الفارق الوحيد، بل بعد أكثر من عشرة سنوات برز حدث آخر فارق، بل "حدث فرقاني" ألا وهو طوفان الأقصى؛ حيث باتت عملية السابع من أكتوبر 2023 والمعروفة باسم "طوفان الأقصى" من الأحداث التي يمكن أن نطلق عليها "من أيام العرب والمسلمين"، وهي التسمية التي طالب المفكر المصري الراحل الحكيم طارق البشري بإطلاقها على الأحداث العربية والإسلامية المهمة، سعيا منه ألا ندور في فلك الغرب ونفكر بمنطقه في أحداثنا المهمة والمصيرية.

وانطلاقا من هذا الهم وهذه المسؤولية نستهدف تناول هذه العملية من منطلق التحديات والفرص؛ عبر قراءة رأسية تتضمن رصد خريطة التحديات، ومسار الاستجابات، ومدركات السياقات، واستكشاف الفرص والقدرات، وبناء الاستراتيجيات، والتعرف على المآلات، تترافق معها قراءة أفقية تتضمن المستويات والأطر والإشكالات كل بحسب طبيعته ومتطلباته. فالتحديات تستلزم منا رسم مجموعة من الخرائط تختلف عما نحتاجه في مسار الاستجابات، أو السياقات أو الفرص.. الطوفان بمكانته ومقامه في النموذج الانتفاضي لحظة نماذجية بامتياز؛ لحظة كاشفة فارقة؛ لحظة فرقانية دافعة رافعة.

إن عملية الطوفان (طوفان الأقصى/ السابع من أكتوبر) وما تبعها من صمود من المقاومة الفلسطينية بأطيافها المتنوعة، ومن الشعب الفلسطيني بتنوعاته المتعددة على مدى عامين كاملين، لهي أمر يستدعي من الباحثين والمتخصصين والمنشغلين بالعمل العام كل في مجاله أن يفكر ويتدبر في هذه المعركة.

أدرك العالم أجمع أن هذه الأمة لديها من الإمكانات والممكنات ما يجعلها قادرة على أن تؤثر في مسار الإنسانية ككل. ولعل الاستجابات المتنوعة من أركان العالم المختلفة، ليس فقط على مستوى الدول والمؤسسات وإنما حتى على مستوى الأفراد سواء بالمظاهرات أو الاهتمام بالدين الإسلامي، تجعلنا نفكر في الحدث وما تسبب فيه من إحياء للقيم الإسلامية الحضارية.

هذه المحاور التي سبقت الإشارة إليها تحتاج إلى تخطيط استراتيجيات ورسم خطط وتقديم آليات ضمن المقدمات لمعركة التغيير الكبير؛ التي عليها ألا تغفل التوعية والاستعداد والتثقيف وبناء البرامج المقنعة واستخدام وسائل التواصل الحديثة، من أجل جيل جديد يتبنى الحكم الراشد كمقصد عمراني والسلمية الإيجابية والتعددية المنفتحة على قاعدة الاستيعاب لا الاستبعاد، ويؤسس لعناصر التغيير الناضج لعلم مراحل الانتقال ومتطلباتها، خاصة في بناء نخبة شبابية جديدة آن الأوان أن تتقدم وتتصدر المشهد وتحمل رؤى واضحة في بناء منظومات الحكم الرشيد وسياسات التمكين المجتمعي، وبناء استراتيجية للعدالة بمعناها الواسع والعدالة الاجتماعية بمعناها الراسخ. هنا فقط نكون قد استطعنا أن نقدم مشروعا يرتبط بالشارع ويتلمس مطالبه وضروراته ويؤسس لمعاني الشرعية الحقيقية من الرضا والقبول الشعبي، هنا فقط يمكن أن نقدم رؤية واعدة وواعية للتغيير القادم.

إن أحداثا مثل الثورات العربية التي انفتح بها قوس التغيير بلا رجعة عنه أو فيه، أو مثل الطوفان، تمثل طاقة دفع للأمة ولشعوبها؛ وعلى الأمة أن تتخلى عن أحوال إحباطها ومظاهر خذلانها؛ فتشكل بذلك تجليات غاية في الدفع والحفز والاستنفار للتغيير ضمن مشاتل الفاعلية والتأثير: "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد: 11)، بشرط بناء الإرادة والإدارة لبناء عقل استراتيجي في الأمة ولها؛ "وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً" (التوبة: 46)، وهو مقام نؤكد فيه إلى أهمية أن نواصل في أمر السبيل الى بناء عقل استراتيجي إلى مزيد من بيان وتبيين.

x.com/Saif_abdelfatah
التعليقات (0)