إن تورط
الإمارات في
تخريب الوضع السياسي والأمني
العربي ليس ادعاء
إعلاميا صرفا، بل موضوع تقارير أممية، وتسريبات، وشهادات ميدانية، وقد انكشفت
للإعلام شبكات التمويل والتسليح التي يصعب إنكارها. تبلورت هذه السياسة بالخصوص بعد
الربيع العربي الذي فتح الباب كبيرا لقيام وضع ديمقراطي. لقد رأينا الإمارات تحشر
أنفها في دول الربيع وتخرب ثوراتها، وقد اشتغلت بمنهج موحد على اختلاف الأقطار عبر
استقطاب أطراف داخلية وتمويلها ودفعها إلى منع تشكل أي وضع مستقر قد يفضي إلى قيام
دولة فاعلة، ونسمي هذا العمل تجويف الدولة من الداخل عبر الإفشال الممنهج. ونحن لا
نشارك هنا في حرب أو ننحاز إلى جهة، بل نعمل على محاولة فهم هذا السلوك وأهداف
الخطة ونمذجتها ونتساءل عن أفقها.
الفشل
ليس عبثا بل أداة وهدف
تقدم لنا الإمارات نمطا جديدا من الفاعلين الإقليميين، فهي لا
تصدّر أيديولوجيا (لا ديمقراطية ولا استبدادا عادلا)، ولا تسعى لبناء أنظمة تابعة
مستقرة (كما فعلت قوى كبرى زمن الحرب الباردة)، بل تعمل بمنطق إدارة المخاطر بمنع
التحوّل نحو الديمقراطية والاستقرار السياسي، أي أن الهدف هو إبقاء المشهد العربي
مكسور التوازن لا يؤدي إلى برنامج حكم بديل لأن
المشروع ليس مشروع دولة أصلا.
الفشل الوظيفي، أي إبقاء الدولة العربية في حالة ضعف مزمن، تتجلى في مجال مقسم وسيادة منقوصة، وقابلية دائمة للاختراق والتوجيه. فالدولة الفاشلة ليست فراغا، بل مساحة مفتوحة للذهب والنفط، وللنفوذ الأمني غير المعلن، فضلا عن استغلال موانئ بلا حماية وممرات بحرية مفتوحة
لا نرى الإمارات تعمل "للفشل من أجل الفشل" بمعناه
العدمي، بل الفشل الوظيفي، أي إبقاء الدولة العربية في حالة ضعف مزمن، تتجلى في مجال
مقسم وسيادة منقوصة، وقابلية دائمة للاختراق والتوجيه. فالدولة الفاشلة ليست فراغا،
بل مساحة مفتوحة للذهب والنفط، وللنفوذ الأمني غير المعلن، فضلا عن استغلال موانئ
بلا حماية وممرات بحرية مفتوحة.
هكذا يظهر عداء الإمارات الحقيقي ليس
للديمقراطية فحسب، بل للسياسة نفسها في حالة الدول الأربع التي انكشف فيها دورها (السودان
وليبيا واليمن والصومال)، وقد حاولت في تونس أيضا. نقدر إن العداء في العمق موجّه
إلى السياسة المدنية والفاعلين الاجتماعيين وكل إمكان للتفاوض/ التوافق الوطني، لذلك
تشتغل الإمارات بحماس مع أمراء حرب يمكن شراؤهم، وفصائل مسلحة بلا أفق وطني أو عسكر
بلا عقد اجتماعي. وهذا ينسجم مع نموذج "الدولة الأمنية التجارية" التي
ترى العالم شبكة مصالح لا فضاء شرعية.
ممن
تعلمت الإمارات درس التجويف؟
لا تبدو لنا الإمارات أول من سار على هذه الطريق، بل نراها
تستنسخ درسا سبقتها إليها القوى العظمى زمن الحرب الباردة في حالتين بارزتين على
الأقل، إنما تبدو الإمارات أكثر وضوحا وحماسا في هذا النمط لأنها تملك المال، وتتحرك
بلا قيود أيديولوجية، ولا تتحمل كلفة سياسية داخلية، بينما تحرضها قوى إقليمية
ودولية أخرى تشارك بالصمت أو بالتواطؤ أو بالاستفادة.
الدرس الأول ما عاشته أمريكا الوسطى في
الثمانينيات من حالة "الدولة الممنوعة" في نيكاراغوا والسلفادور وغواتيمالا
وتشيلي، لم يكن هدف الإفشال الأمريكي حينها بناء ديمقراطيات على النمط الغربي، ولا
حتى فرض ديكتاتوريات مستقرة طويلة الأمد، بل منع تشكّل دولة سيادية راديكالية على النموذج الكوبي قد تعيد توزيع الثروة، أو تخرج عن النظام الإقليمي المرغوب (نمط
التدخل السوفييتي). وقد أدت تلك السياسة هناك إلى نزاعات أهلية طويلة، بمليشيات
متناحرة، وانتهت إلى دول ضعيفة تعتمد على المعونة، واقتصاد عنف دائم، وهي السياسة
التي يستعيدها طرمب في اللحظة في فنزويلا.
الدرس
الثاني تستعيده الإمارات من أفريقيا ما بعد الحرب الباردة، ونتذكر"إدارة
الفوضى" في الكونغو (زائير سابقا) وليبيريا وسيراليون، فقد جرى دعم أمراء حرب
محليين وتشجيع تفكك السلطة المركزية على هشاشتها، وإبقاء الصراع منخفض الوتيرة لكن
دائما. وكان الهدف غير المعلن هو السيطرة على الموارد ومنع قيام دولة مركزية قوية،
بما حوّل تلك البلدان إلى فضاء مفتوح للشركات والوسطاء(نمط التدخل الفرنسي).
الدرس الذي تكرره الإمارات هو أن تترك الدولة
حيّة بما يكفي كي لا تنهار كليا، وميتة بما يكفي كي لا تستقل عن إرادتها. وتبدو
لنا الإمارات الآن أذكى من الولايات المتحدة زمن الحرب الباردة، فالولايات المتحدة
كانت تتحرك ضمن أيديولوجيا كبرى (محاربة الشيوعية)، بينما تتحرك الإمارات اليوم بلا
سردية كونية، بل بمنطق ضبط المخاطر لمنع كل احتمال إفلات أو إعادة تشكل قويم.
نعتقد جازمين أن الحالة التي تسعى إليها الإمارات عربيا هي
اللبننة الدائمة، أي استعادة حالة لبنان ما بعد
الطائف عبر إدامة حالة من الاستقرار المُعطَّل وهذه حالة مختلفة شكليا لكنها شديدة
الأهمية؛ حيث لم يُسمح بالحرب، ولم يُسمح بالسلام الحقيقي، فبقيت الدولة قائمة لكن
بلا سيادة مكتملة وبلا قرار مركزي وبلا قدرة على الإصلاح. أي تحويل السياسة إلى
إدارة شلل دائم، مع ضرورة التنسيب، فلبنان بقي حالة مضبوطة بينما تبدو ليبيا
والسودان والصومال واليمن قابلة لانفجار عظيم قد يفلت من كل تقييد أو ضبط.
كيف يمكن توصيف (نمذجة) نمط سياسة الإمارات؟
يمكن
تسمية هذا النمط بالتجويف السياسي عبر منع التشكّل الكياني، فهو ليس احتلالا
مباشرا، ولا استعمارا تقليديا، ولا وصاية سياسية ولا انتدابا، بل عمل مستمر على إضعاف
البنية بإطالة الصراع وإبقاء الفاعلين المحليين دون أفق سيادي. وهذا النمط يتلاءم
مع عصر المال السائل والحروب بالوكالة وانهيار فكرة المشروع السياسي الكبير. والخطير
في هذا النموذج أنه لا يحتاج إلى نصر ولا يعمل على بلوغه، ولا يعمل على بناء شرعية
من أي نوع، إنه نمط مفتوح بلا نهاية، حيث يصير الفشل المستمر هو حالة مستقرة
بحدّ ذاته. (هذا النمط لا يلائم الفاعل الرئيسي أي الإمارات فحسب،
بل يلائم بشكل فعال أمراء الحرب؛ حميدتي/ عيدروس/ حفتر).
يتميز
التجويف المستمر بالعمل على استدامة الفشل كـ"حالة مستقرة" لا كمرحلة
انتقالية، وميزته أنه يسمح بهمينة منخفظة الكلفة يتكفل فيها المتحاربون بالوكالة بإنجاز
المطلوب، والنتيجة الثابتة هي فشل الدولة.
إن طريقة
الامارات أخطر من "صناعة الأنظمة التابعة" كما كان الأمر زمن الحرب
الباردة؛ لأنه عمل يؤدي إلى إجهاض الدولة قبل اكتمالها، وتحويل الصراع ذاته إلى أداة حكم
غير مباشرة. لذلك
يبدو لنا "التحكم عبر التجويف" نوعا من التدخل الإقليمي الجديد" وهو نموذج
قابل للتنظير ويمكن القياس به.
تبدو
الإمارات هنا زعيمة في ترسيخ نموذجها، فهي دولة صغيرة لكنها تتحول إلى فاعل
أمني/مالي فعال. وهي غير مشغولة بالأيديولوجيا (رغم إعلانها الحرب على الإخوان
المسلمين)، وهي لا تقدم أي خطاب سياسي، لذلك لا نسمع لها أي خطاب عن الشرعية أو
نماذج الإدارة الرشيدة، إنها حالة تخريب منهجي تشتغل بكفاءة بالمال والشركات
والموانئ والمرتزقة. إنها تبحث أو تصطنع في كل موضع تدخلت فيه عن أمراء حرب ومليشيات
محلية ومجالس انتقالية، حيث تجد قابلية الشراء في انعدام الأفق الوطني وضعف
الشرعية. ونراها تقوم باحترافية بإضعاف أي مسار تفاوضي جامع، وضرب
النخب السياسية غير المسلحة. ومداخلها إلى كل بلد هي الموانئ والذهب والنفط والممرات البحرية، بما يخلق لها فئات مستفيدة يلائمهم تحويل الصراع إلى نشاط اقتصادي.
يصبح السلاح الوحيد لمواجهة نموذج الإفشال هو البناء الديمقراطي، بإعادة فتح الصندوق الانتخابي، لأنه الوحيد الكفيل بتصعيد نخب شرعية تقدم الصالح العام على مصالح المليشيا وتقدم الاستقرار الدائم في الديمقراطية على اقتصاد الحرب
في مدى منظور تربح الإمارات كثيرا من نموذج التجويف عربيا
بالخصوص (وهو مجال تدخلها الوحيد)، فهو يوفر لها نفوذا كبيرا بلا كلفة مرتفعة، فهي
لا تبكي على نصر تأخر ولا تتحمل أعباء الحكم في البلدان التي تفشلها، فالنموذج
يتكفل بتفكيك فكرة الدولة الوطنية، وتحويل الصراع إلى وضع طبيعي، بما يعدم كل آفاق
السياسة والانتقال وتعميم نموذج "الاستقرار الهش"، وهو الوضع الذي يسمح
لها بالتدخل الدائم.
أفق نموذج التجويف السياسي
حاولت الإمارات اختراق الوضع التونسي فدعمت حزب النداء بالمال،
وقد وجدت فيه مرتزقة طيّعين مقابل تصفية حزب النهضة الإسلامي لكنها فشلت بقدر كبير،
فلم تبلغ تونس مبلغ الدولة الفاشلة وإن كانت ارتدت عن الديمقراطية. وقد تحرشت
بالجزائر، لكن الجزائر تفطنت مبكرا وتصدت بقوة أنتجت الموقف الجزائري المعروف من
دولة الإمارات، ووجهت لها الجزائر الإنذارات الكافية. في الحالتين وجدت نخبة مدنية
وأخرى عسكرية متماسكة حول دولة مستقرة، وذات تقاليد حكم غير ديمقراطي لكن مستقر
وشرعي.
هنا نجد مفتاح التصدي لنموذج التجويف أو منع التشكل، لكن رغم
ذلك نرى هشاشة قابلة دوما للاختراق، فللمال سلطان عجيب بين النخب الاستئصالية خاصة.
وعليه،
نرمي جملة أخيرة في السياق؛ كل ما تفعله الإمارات يصادف هوى
في نفس نتنياهو، وهنا يمكننا التعرف بسهولة عمن يضغط على لوحة التحكم الإماراتية.
نموذج التجويف بضاعة غربية أوكل بها الغرب الصهيوني وكلاء يخفون وجهه، بعد أن طرح
الربيع العربي مشروع الاستقلال الثاني عن الاستعمار.