نحو موقف معرفي مقاوم

نور الدين العلوي
"كثيرا ما انزلق وصم النقد من الوصم بالتخلف والرجعية إلى وصم بالإرهاب، وكثيرا ما تلقى المثقف التابع الدعم المالي والسياسي ليواصل دور التخويف"- عربي21/ علاء اللقطة
"كثيرا ما انزلق وصم النقد من الوصم بالتخلف والرجعية إلى وصم بالإرهاب، وكثيرا ما تلقى المثقف التابع الدعم المالي والسياسي ليواصل دور التخويف"- عربي21/ علاء اللقطة
شارك الخبر
نميز في الموقف من الحداثة الغربية بين مثقفين عربيين؛ أحدهما انخرط في الحداثة الغربية مؤمنا بها عقيدة تمامية ويروج لها كما يفعل كل مريد مؤمن، نسمي هذا المثقف التابع، والموقف الثاني موقف رافض بالجملة لمنتجات الحداثة فهو هارب أمامها إلى تاريخه وثقافته جاعلا منها كهف لجوء، وهو المثقف الهارب أو المنكمش أو الناكص.

بين الموقفين نفكر في ثالث نسميه المثقف الحر، يقف موقفا نقديا من الحداثة الغربية، فلا يخضع لها كقدر مقدور عليه ولا يرميها خلف ظهره بحكم أخلاقي فيلغي نتائجها الواقعية المادية التي أفادت العالم.

الصنفان الأولان محتاجان في تقديرنا إلى فتح ورشة داخلية لإعادة ترتيب الأفكار وبناء الموقع المعرفي خارج مجال تأثير حداثة إنتاج الفضائح، وصولا إلى إعلان براءة العقل من لوثة إبستين وسياسة ابتزاز العالم.

أرضية النقاش
خروج المثقف الحر تأخر كثيرا ولكن خروجه ظل ضروريا. لنحدد أرضية النقاش التي نرى وجوب الوقوف عليها، فشرط قيام هذه الورشة بالأساس أرضية معرفية تبدأ بالتخلي عن مجادلة الحداثة الغربية بتوتر أخلاقي، هذا التوتر كثيرا ما انزلق إلى خطاب تعبوي وعظيّ وكثيرا ما فشل في الحرب

هذه الورشة ضرورية الآن لأن خروج المثقف الحر تأخر كثيرا ولكن خروجه ظل ضروريا. لنحدد أرضية النقاش التي نرى وجوب الوقوف عليها، فشرط قيام هذه الورشة بالأساس أرضية معرفية تبدأ بالتخلي عن مجادلة الحداثة الغربية بتوتر أخلاقي، هذا التوتر كثيرا ما انزلق إلى خطاب تعبوي وعظيّ وكثيرا ما فشل في الحرب.


هذه المرجعية الكونية (أو المركزية) كبدت العالم كثيرا من الألم وكبدت العربي والمسلم أضعاف ما تكبد العالم، لكن رغم الثمن التاريخي فإن الكتابة من موقع الضحية لا يقدم فهما حقيقيا، لذلك فإنا ندخل من باب أن الحداثة نتاج سياق تاريخي محدد حولتها القوة الاستعمارية إلى معيار عالمي. وهذا المعيار ليس فوق التاريخ، كما أن التقدم مفهوم تاريخي والأخلاق إنتاج اجتماعي، وما يقدم لنا منذ قرنين على الأقل على أنه كوني (واجب الإتباع) ليس إلا تجربة محلية فُرضت بقوة السلاح. هذا المدخل يُخرج النقاش من الخطاب المعياري المضاد أو الخطاب الديني، ويؤدي إلى إسقاط الكونية المزعومة فتنتهي موضوعيا كل أشكال الاستعمار الفكري.

الاتجاهات والمواقف

على هذه الأرضية لا نجادل الحداثة بصفتنا متهمين نبحث عن تبرئة أنفسنا من جرم رفض الحداثة الغربية (وهي تهمة نرجم بها من قبل المثقفين التابعين)، بل نقول بهدوء: لسنا متأخرين أخلاقيا، بل مختلفون تاريخيا ولسنا نشعر بالارتباك أمام نموذج نشأ في شروط لم نعشها؛ هذه بداية تحرر وحرية.
ولذلك نبني الندية المعرفية مع الحداثة أولا وبالأساس على استعادة الثقة في الذات، وهي الثقة الكفيلة بانتاج المفاهيم الخاصة من خارج حقول مفاهيم الحداثة. فالحداثة التي زعمت الكونية وأغلقت باب المعرفة دون أي محاولة من خارجها؛ توقفت على أن تكون مخبرا للمفاهيم والمعرفة.

الثقة في الذات تنهي (فيما نظن) إلى الأبد الارتباك المعرفي المتفشي بين كتاب الجنوب الذين صنفتهم الحداثة كمتخلفين ورجعيين، بالثقة في الذات يصل الكاتب الجنوبي والعربي المسلم منه بالخصوص إلى إعادة بناء التوازن المعرفي والأخلاقي. وهذه دعوة عقلانية إلى سيادة معرفية تبنّي داخل المساواة وليست مجرد مقاومة أخلاقية تستبطن هزيمة، هي دعوة إلى إلزام الحداثة الغربية بموقعها الوحيد وهي أنها تجربة تاريخية خاصة لا تملك أن تكون معيارا كونيا. إن درس الأنثروبولوجيا الثقافية يسعفنا بالكثير من الوسائل البحثية، وهو للتذكير أيضا تيار نقدي طعن قبلنا في كونية الحداثة الغربية وأقر التعدد الثقافي.

ولنوضح أكثر، إن كل خطاب ينطلق من هوية نقية يقع في مركزية مضادة يُنتج من خلالها نظرية أخلاقية تقوم على انحلال الغرب وفساده الأخلاقي، وهذا الموقع السجالي ليس موقفا معرفيا بل موقف أخلاقوي يستبدل مركزية بأخرى ولا يتقدم معرفيا.إنه في الجوهر استنساح للحداثة الغربية، لكن من جغرافيا مضادة ومن ثقافة مقهورة تتبنى أساليب من قهَرها وتظن أنها تستقل عنه، ولكنها تعيد انتاجه (وهو موقع المثقف النكوصي الذي أشرنا إليه في التقديم).

إنزال المثقف التابع من فوق الشجرة

تصدى المثقفون التابعون وخاصة العرب منهم إلى مهمة ترويج الحداثة الغربية، حتى أنهم يُظهرون استعدادا أكبر من مثقفي الحداثة الغربية أنفسهم لإثبات كونية التجربة الغربية. المعاينة تكشف أن المثقف التابع تموقع في مؤسسات الدولة التابعة، وحوّل الحداثة الغربية إلى أصل تجاري يسترزق منه ويرفض مراجعته. هؤلاء المثقفون هم سبب الشعور بالدونية المتفشي بين الناس؛ لأنهم يواصلون التمسك ببنية نفسية-معرفية تشكلت تحت القهر الاستعماري المباشر، ثم راكمت فوقه الدولة التابعة المزيد من القهر، ووجدت في هذا الصنف من المثقفين من يبرر لها تبعيتها واتخاذها القهر سبيلا للحكم بحجة طالما روجها الاستعمار نفسه: الشعوب المتخلفة لم تصل إلى مرحلة هضم الديمقراطية، ولذلك يجب أن تقاد بالحديد والنار حتى "تتربى"، وكم سمعنا الجملة الذليلة "العرب لا يرتقون إلى الديمقراطية".

بعد أكثر من قرن من عمل هؤلاء المثقفين التابعين صارت المجتمعات غير الغربية نسخا مشوهة من الغربية، فلا هي أبقت على هوياتها وتراثها الفكري وتنظيماتها الاجتماعية ولا هي تحولت إلى مجتمعات غربية لقد صارت مسوخا سياسية وثقافية. أول خطوات الورشة النقدية أن نسلم بأن مثقفي التبعية هم أدوات الهيمنة الرمزية وسدنتها المحليين، وإليهم يتوجه حديث النقد قبل غيرهم.

كسر السلم التفاضلي
الحداثة حداثات، وإن المرجعيات تتصارع ولا تتنافى، وهذا الموقف المعرفي ينهي الخوف، فالخوف نفسه نتيجة تاريخ من إخضاع الوعي. ونهاية الخوف تسمح بقول واثق ومطمئن عن المستقبل

إن تبنّي كونية الحداثة الغربية والترويج لها كقدر مكّن النخبة المحلية من رزق ودور، ومكّن الدولة الحديثة من شرعية هي شرعية وسيط الحداثة. القوة السياسية ومثقفها التابع جعلا كل نقد الكاتب الجنوبي (العربي المسلم) يرتبك، بل يخاف أن يُتهم بالتخلف إن لم يُذعن لها بالكامل. وكثيرا ما انزلق وصم النقد من الوصم بالتخلف والرجعية إلى وصم بالإرهاب، وكثيرا ما تلقى المثقف التابع الدعم المالي والسياسي ليواصل دور التخويف.

إن نقد الحداثة الغربية ليس موقفا دينيا (أو عملا إرهابيا) ولو وُصم بذلك من قبل المثقف التابع، فهو بالأساس نقد معرفي يقر بالتعدد الثقافي ويضع النقاش داخل التعدد لينهي بقوة المعرفة لا بغيرها كونية مدعاة، ففي التعدد تحل المرجعيات الدينية كباب من أبواب الحداثة التي لا يمكن بحال استنقاصها. هنا محل إعلان القول الضروري: إن الحداثة حداثات، وإن المرجعيات تتصارع ولا تتنافى، وهذا الموقف المعرفي ينهي الخوف، فالخوف نفسه نتيجة تاريخ من إخضاع الوعي. ونهاية الخوف تسمح بقول واثق ومطمئن عن المستقبل، يخرج باقتدار معرفي من ثنائية غرب متفوق وشرق أو جنوب مظلوم، وهنا تتأسس الندية المعرفية، وفي الندية لا توجد أخلاق خارج التاريخ.

إن كل حداثة تمتلك شروط حداثتها الداخلية، والحداثات ليست موضوعة على سلم تفاضلي لأنه لا توجد حداثة مقدرة أخلاقيا على بقية الحداثات. إن المعرفة تبنى على أن كل حداثة هي تجربة تاريخية، ولذلك فإنها جميعها عرضة للنقد والاشتباك. هنا تتضح ملامح المثقف الحر القائم على مهمة بناء الموقف المعرفي المقاوم.
التعليقات (0)