الحرية بوصلتنا في ظلام الحروب

نور الدين العلوي
"حرب الكيان على إيران معركة ظالمة ويحق لإيران فيها الدفاع عن نفسها وترابها وكل حق تراه حقا لشعوبها الكثيرة، لكن مظلوميتها لا تجعلنا نسكت"- إيرنا
"حرب الكيان على إيران معركة ظالمة ويحق لإيران فيها الدفاع عن نفسها وترابها وكل حق تراه حقا لشعوبها الكثيرة، لكن مظلوميتها لا تجعلنا نسكت"- إيرنا
شارك الخبر
داخل الحرب الدائرة رحاها في خليج العرب أو خليج الفرس بين المعتدي الأمريكي والصهيوني وبين إيران؛ اندلعت أو استيقظت حرب طائفية مذهبية بين عرب سنة وعرب شيعة أو عرب متشيعين، ويُصرف فيها الآن جهد جبار يستنزف العقل والفهم ويرسخ قطائع عميقة بين مواطني القطر الواحد. تجد هذه الحرب حججا كثيرة في سلوك إيران الطائفي والمذهبي في المنطقة العربية القريبة منها والبعيدة أيضا، ولا نظن هذه الحرب الطائفية ستتوقف بتوقف الحرب الحقيقية في الشرق، ونراها ستحكم بالقوة على مستقبل المنطقة.

نريد أن نقف خارج الحرب الطائفية فنذكّر بداءة بالبوصلة الأصلية التي نراها تحدد قواعد الاشتباك المفضي إلى مستقبل تبنى فيه علاقات الشعوب على قاعدة الحرية، فالحرية هي نقطة البداية وعامود البناء وضمانة الانتصار التاريخي ومنها ننطلق وإليها نحتكم.

تدمير ربيع الحريات العربي

ننطلق من نقطة واضحة، لقد اشتركت إيران ودول عربية تزعم قيادة الجمهور السني في تخريب ثورة الربيع العربي التي نسميها بلا مواربة ثورة الحريات. وننعت هذا التخريب بالجريمة التاريخية، ويستوي لدينا فيها الفاعلون المخربون سنة وشيعة.

اشتركت إيران ودول عربية تزعم قيادة الجمهور السني في تخريب ثورة الربيع العربي التي نسميها بلا مواربة ثورة الحريات. وننعت هذا التخريب بالجريمة التاريخية، ويستوي لدينا فيها الفاعلون المخربون سنة وشيعة

كانت إيران قبل الربيع العربي قد وضعت يدها على مجال واسع فيه سنة وشيعة (العراق وسوريا ولبنان، وتسللت إلى اليمن بذكاء) ولم تكن الدول السنية ولا الجمهور السني منتبها إلى هذا التسلل المتأني العارف بما يريد؛ تحويل المجال السني إلى حائط دفاع عن المركز الإيراني تحركه طبقا لأجندة إيرانية طائفية وعرقية.

فلما انطلق الربيع العربي وهدد بوصوله إلى سوريا هذا الطموحَ التوسعي؛ عملت إيران بكل قوة على تخريب الربيع حتى أنها حرفت سلاح المقاومة ووظفته في حرب طائفية. وكان سلاح المقاومة وبالتحديد سلاح حزب الله محل تقدير بل تقديس لدى أهل السنة الذين أسقطوا من حسابهم حديث المذهب والطائفة، دون أن نغفل بل نذكر بالتعاطف التاريخي لجمهور سني مسيس مع الثورة الإيرانية (لنسمّ هنا بلا مواربة حركات الإسلام السياسي السني).

هنا حدثت قطيعة موجعة بين إيران وجمهور عربي واسع لم يستوعب أن تقوم إيران الثورة بتدمير ثورة حريات كان يمكن اعتبارها امتدادا للثورة الإيرانية نفسها، لقد انكشفت طائفية إيران في سوريا فلم تترك سبيلا للتعاطف معها. وقد استيقظت كل هذه الآلام في هذه الحرب فشتت تعاطفا كبيرا كانت ستحظى به إيران لما تتعرض له من عدوان صهيوني أمريكي.

أهل السنة ليسوا حزبا واحدا

ليست إيران وحدها من خربت الربيع العربي، بل قادت أنظمة عربية سنية عملية التخريب عبر تمويل الانقلابات بما أدى إلى إنهاء ثورة الحريات وعودة الأنظمة القمعية إلى سالف عهدها من القمع والتضييق والفشل السياسي (كان هذا التخريب هدفا سنيا أيضا وهو من جنس خذلان غزة).

لقد حصل لقاء موضوعي بين إيران الشيعية وأنظمة عربية سنية ونخبها في الاعتداء على شعوب المنطقة، اختفى الخلاف المذهبي بين جميع هذه الأطراف وحصل توافق نصفه بالإجرامي على قمع الحريات وإفشال طموح الشعوب إلى الحرية. كيف التقت إيران مع النظام السعودي والإماراتي وعسكر المعونة المصري في تخريب الثورة المصرية وأخواتها التي وقفت بقوة مع غزة (وقالت لن نترك غزة وحدها)؟ كيف لم يقم تحالف إيراني سني مع غزة والطرفان يعلنان النصرة؟ لن يستوعب الجمهور السني هذا الخذلان الإيراني للثورة العربية، خاصة إذا انطلق في التقييم من الانتصار غير المشروط للثورة الإيرانية طيلة عقود. لقد خسرت إيران جمهورا سنيا مناصرا لها، وللغرابة التقت إيران هنا مع الكيان المعتدي في تخريب الربيع العربي. ويا له من تقاطع عجيب، لذلك فإن التوتر العالي تجاه إيران له مبرراته رغم أن الظرف لا يسمح بشماتة تصب ريعها لصالح الكيان المعتدي.

إيران نظام معاد للحريات

كانت ثورة إيران ثورة حريات انحرفت إلى دولة طائفية توسعية تقدم مصلحة قومية على مصلحة أمة إسلامية تبين أنها غير موجودة في قاموسها العرقي والمذهبي والسياسي، ولم تستوعب مقدار خسارتها مما فعلت بسوريا خاصة وبالعراق وببقية المجال السني عامة حتى لحظة انطلاق العدوان عليها. وحتى بين حرب الصيف (12 يوما) والعداون الحالي لم يبدر منها ما يفيد تراجعها عن موقفها الطائفي وإعادة تقييم خساراتها، فضلا عن نكوصها عن كل اعتذار أو تسوية ولو لفظية، فقد كانت تواصل العبث بالدولة السورية الوليدة، واضعة يدها مع كل فلول الأسد وقسد بلا حياء.

ونفسر ذلك بأنها لم تكن دولة حريات وأن تقييمها للمعركة مع الصهيونية ومن يحمي الصهيونية قاصر ومنغلق على مصالحها الإيرانية الصرفة. لم تختلف إيران في تقديرنا عن الكيان لجهة معاداة الشعوب العربية التائقة للحرية، ولم تختلف عن أنظمة الاستبداد العربي، لذلك كان لقاؤها مع السيسي أيسر عليها من اللقاء مع مرسي زمن حكمه القصير.

اللقاء أو التحالف أو التقاطع بين أنظمة عربية سنية وبين نظام إيراني شيعي ضد حرية الشعوب العربية يفسر هذه الفوضى في المواقف، بل التمزق بين نصرتها ضد العدوان وبين الشماتة فيها بل الكيد لها

اللقاء أو التحالف أو التقاطع بين أنظمة عربية سنية وبين نظام إيراني شيعي ضد حرية الشعوب العربية يفسر هذه الفوضى في المواقف، بل التمزق بين نصرتها ضد العدوان وبين الشماتة فيها بل الكيد لها. نُسقط من حسابنا هنا موقفا يزعم الحديث باسم السنة العرب يقوده تمذهب مغلق وقف ضد غزة الطوفان وبرر للعدو ما فعل بغزة الثائرة، فهو تمذهب سياسي يتخفى خلف فتاوى الخيانة، ويقدم للعدوان على إيران كل التسهيلات اللوجستية.

حرية الشعوب العربية غائبة عن الأجندة الإيرانية (كما هي غابئة عن أجندة النظام الرسمي العربي)، لذلك تتصرف كأن هذا الجمهور الذي ساندها دوما لا قيمة له ولا اعتبار، فإما أن يقف معها بلا شروط أو أنه عدو لا يستحق الحياة. لذلك نرتب الموقف على أساس الحرية كهدف وكوسيلة مقاومة شعبية.

بيننا وبينكم الحرية

نرى من زاوية الحرية أن حرب الكيان على إيران معركة ظالمة ويحق لإيران فيها الدفاع عن نفسها وترابها وكل حق تراه حقا لشعوبها الكثيرة، لكن مظلوميتها لا تجعلنا نسكت عن كونها عادت حرية الشعوب العربية، وكم رجونا أن تراجع موقفها من الربيع ومن شعوب الربيع لكنها لم تفعل. لهذا نقول بلا مواربة: بيننا وبين إيران كما بيننا وبين أنظمة الاستبداد؛ قضية الحرية. من كان مع حرية الشعوب فهو على حق ويستحق النصرة، ومن عمل على تخريبها فلا أمل له في نصرة ولو ربح معركة مؤقتة.

لقد ساقتنا أنظمة استبدادية منذ أكثر من نصف قرن وراء دعاواها الباطلة بتحرير فلسطين فطاوعنا محبة في فلسطين وقلنا لا بأس سنضحي بحريتنا، ولكننا خسرنا حريتنا وآمالنا بتحرير القدس. ولا يختلف فعل إيران فينا عن فعل أنظمة الاستبداد، لذلك وجب القول بقوة: قفوا، لن نمضي صكوكا على بياض، لن نشترك في عدوان ولكن لن نسلم رقابنا وكفى ابتزازا لعواطفنا.

يمكننا أن نعرج على المرتعدين أمام احتمال نصر ايراني (لم يثبت بعد)؛ ما كان ضركم لو أصغيتم إلى شعوبكم لتدافع عنكم أفضل مما تفعل القواعد الأجنبية؟

هي حرب وهي غربال كما كان الربيع غربالا، وستسفر الحرب عن شعوب متحررة من أوهام الاستبداد.



المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)