من الممانعة إلى المقاومة.. لنضبط البوصلة

نور الدين العلوي
"نتابع الصواريخ الإيرانية على رأس الكيان، لكننا نتابع الخطاب أيضا"- جيتي
"نتابع الصواريخ الإيرانية على رأس الكيان، لكننا نتابع الخطاب أيضا"- جيتي
شارك الخبر
نعدل وضع الكرسي أمام الشاشة، نوشك أن نعيد إنتاج الأخبار السائدة؛ ليس هذا مطلبنا من الاستخبار إنما نعمل على الفهم لكن يوشك الخبر أن يسحبنا إلى تعاطف غير متزن فنصير بوقا للجهة التي نتعاطف مع مظلوميتها. سنتذكر ونذكر أن المظلوم قادر على ممارسة الظلم وأن ضحاياه أكثر من شهداء معاركه الخاصة، ونقيس بوعي كامل بالربيع العربي ومخرجاته؛ من كان مع الربيع فهو صوت حرية للعالم ومن خربه سقط من معايير القبول والتعاطف، ولن نخضع مرة أخرى للابتزاز باسم فلسطين.

الابتزاز باسم فلسطين

شكلت فلسطين نقطة ضعفنا؛ كل من تكلم باسم تحريرها منذ سبعين عاما جرّنا وراءه فسرّنا وقلنا نؤجل حريتنا في الأقطار من أجل تحرير الأرض المحتلة. بعد كل هذا الزمن نعيد اكتشاف الخديعة واكتشاف الابتزاز السياسي الذي جعلنا نضحي بالحرية والديمقراطية؛ لم يحرر أي نظام عربي تكلم عن فلسطين شبرا من الأرض المحتلة، بل وجدنا منهم الوالغين في الدم الفلسطيني أكثر من الأعداء الذين لم نختلف حولهم.

عاش نظام الاستبداد العربي من ترويج خطاب التحرير وبه صادر كل أمل في الحرية والتنمية والديمقراطية. انكشفت الخديعة كأوضح ما تكون في الربيع العربي؛ تحرير فلسطين قضية الشعوب العربية وليست قضية الأنظمة، القومي التقدمي منها والرجعي العميل. فطرة الشعوب كانت أسلم لذلك ربطت بين التحرر والتحرير (الشعب يريد إسقاط النظام وتحرير فلسطين).. مقاومة شاملة للاستبداد العربي وللاحتلال الصهيوني.

هل كانت إيران معنا أم علينا؟

أربكنا خطاب الممانعة أيضا، فقد سلّمنا قيادنا مرة أخرى.. رصاص إيران مثله مثل خطاب الاستبداد العربي وسلاحه؛ لا يخدم القضية بل يخدم مطلقه وما القضية إلا ذريعة، وإلا كيف نفهم تحطيم الثورة السورية برصاص المليشيات الطائفية؟ الثورة السورية حلقة أصيلة من الربيع العربي، انطلقت ضد نظام استبداد دموي كان الأعلى صوتا بتحرير الأرض لكنه لم يطلق رصاصة واحدة في الاتجاه الصحيح، بل أطلق على صدور الشعب السوري (نكتب هذا أمام فيديو الحفرة). وإذا سلمنا جدلا بصدق نية إيران في ممانعتها فإن موقع جنودها ومليشياتها ودعمها يجب أن يكون مع الشعب السوري لا ضده، فهو الكفيل بفتح الطريق نحو القدس فعلا لا جعجعة، لكن العكس هو الذي حصل. كان إبقاء المنطقة ضمن النفوذ الإيراني يصب في مصلحة إيران القومية وليس في مصلحة تحرير الأرض المحتلة. لقد انكشف لنا -وإن تأخرنا في الحوصلة والاستنتاج- أن إيران لا تختلف في شيء عن نظام الاستبداد العربي، إنها نسخة منه تتكلم الفارسية.

وقد التقت أو تقاطعت مع نفس النظام في تخريب الربيع العربي وقطع الطريق على مسار الحريات فكانت الردة، كما التقت مع كل الطيف النخبوي المعادي للحرية والقائل بالربيع العبري، فليس عجبا الآن أن بعض مناصري إيران من العرب هم أنفسهم أعداء الربيع، بل علينا أن نستغرب التقاطع العجيب بين الأنظمة العربية الموصومة بالرجعية مع اليسار العربي والقوميين العرب وإيران في معركة نتيجتها كسر موجة الربيع.. الذين مولوا انقلاب مصر التقوا رغم عداء إعلامي مسموع لا فعلي؛ مع الذين كسروا الثورة السورية واستعمل كلاهما داعش للتخريب. إن إيران هنا ليست قوة تحرر، ولن ينسى لها جمهور عربي شغوف بالحرية تبجحها باحتلال أربع عواصم عربية.

هل هذا أوان هذا الكلام؟

هذا أوانه بالضبط؛ لأن تأجيله هو وقوع مستمر تحت سلطة الابتزاز باسم فلسطين. نتابع الصواريخ الإيرانية على رأس الكيان، لكننا نتابع الخطاب أيضا.. خطاب معزول عن سياق الربيع وعن حرب الطوفان سليلة الربيع العربي. لم تبن إيران استراتيجيتها الدفاعية على سياق التحرر العربي، ولذلك فإن خطابها على الأقل ما نسمعه من فتاها الوسيم في قناة الجزيرة لا يشير ببنت شفة إلى تلازم مسارات التحرر العربي (الربيع) ولا معركة الطوفان وهي معركة تحرير، بل يبني على موقع إيران ومصالحها مبكتا من لا ينحاز إليه بأنه يقف في صف الأعداء؛ خطاب ذكرنا بتقنيات خطاب التخوين التي مارسها الاستبداد العربي (إن لم تتبن أطروحة النظام الحاكم في بلدك فأنت خائن وعميل). أليس لهذه الأسباب وبهذا المنطق ذبح نظام الأسد شعبه طيلة سبعين عاما؟

فهمنا الممناعة بأنها رفض خضوع لكن المقاومة هي المرور الفعلي إلى كسر الباب الذي يكمن العدو خلفه. الممانعة دفاع، والمقاومة هجوم، والربيع هجوم مقاومة يستهدف نظام الاستبداد ويمر إلى فلسطين

لا نأمل في أي اعتذار من إيران على ما فعلت في العراق وسوريا ولبنان واليمن، لا نأمل في مراجعات جدية لما نسميه "إمبريالية" إيرانية، وما زال لنا بقية عقل لا نود بها انتصار العدوان الصهيوني على شعب مظلوم، غير أننا نقرأ مقدمات ونتوقع نتائج من طبيعتها فنقول: حتى في حربها الدفاعية عن كيانها القومي لا تزال إيران تظلم شعوبا مقهورة بجوارها.

الربيع بوصلتنا

وبه نمر من الممانعة إلى المقاومة، فهمنا الممناعة بأنها رفض خضوع لكن المقاومة هي المرور الفعلي إلى كسر الباب الذي يكمن العدو خلفه. الممانعة دفاع، والمقاومة هجوم، والربيع هجوم مقاومة يستهدف نظام الاستبداد ويمر إلى فلسطين.

لنوضح الصورة أكثر؛ الممانعون لا يستهدفون وجود العدو، بل يُبقون عليه ضمن سياق تفاوضهم على وجودهم المشروط ببقائه إذا انعدم العدو؛ فقدوا كل حجة للممانعة، بينما المقاومة جذرية في طرحها وجذرية في وسائلها وأهدافها وإن تأخر الحسم لفارق القوة. والفارق في القوة سببه أولا الاستبداد العربي والكثير من الممانعين الذين نراهم الآن يتباكون على جدث النظام القومي العربي الاستبدادي الذي حطمه الربيع العربي منذ انطلاقه وأجهزت عليه الثورة السورية.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)