هذه
حرب ليست ككل الحروب، إنها واحدة من حروب الفتنة الكبرى، حيث الموقف ونقيضه، وحيث
كل فرد يرى أن موقفه هو الصحيح تماما، والباطل هو من حظ الطرف الآخر، والجديد في
هذه الموقعة أنه لا أحد لديه استعداد لأن يسمع من يمثل الرأي الآخر فيها، وهو أمر
يجعل قناة
الجزيرة في موقع لا تُحسد عليه، فهل كان المشاهدون أكثر نضجا في
السابق؟!
تقرأ
منشورا لأحدهم يحمل بشكل كبير على الجزيرة لأنها تستضيف هذا الضيف الذي ينحاز
لإيران التي تقصف المنطقة بصواريخها، وما أن تحرك بأصبعك شاشة جوالك إلى أسفل، حتى
تقرأ هجوما مضادا ضد ضيف آخر يتبنى وجهة النظر المعادية لإيران، وهو بالتالي
صهيوني، أو متصهين، وعميل للموساد، ولا ينتهي الأمر إلا بالتحريض على إغلاق
الجزيرة، والحكم بأنها فقدت مصداقيتها باستضافة أعداء الأمة!
منشور
يصرخ: لماذا لم يظهر الضيف المنحاز للرؤية
الإيرانية هذه الليلة؟ من المؤكد أنه
أوامر صدرت من جهات عليا بعدم استضافته، وآخر يصرخ بنفس القوة عن فلان الذي لم
يظهر الليلة لأنه يقف ضد الفرس، الذين إذا انتصروا لهيمنوا على المنطقة، ونشروا
التشيع، وأفسدوا العقائد!
إن كانت أزمة الحرب الحالية في هذا الانقسام الكبير في الشارع العربي، فإن الملاحظة المهمة أن كل طرف لم يذهب لمنبر إعلامي يثق به، لكنه يشاهد الجزيرة وينطلق من مشاهدته غاضبا: أين الضيف الإيراني حسن أحمديان؟ أو لماذا يستضيفون لقاء مكي المعادي لإيران؟
وهو
سلوك انتقل من مشجعي كرة القدم، في المدرجات وعبر الشاشة، إلى الموقف من الحرب.
والتشجيع يجري على هذه القاعدة، ومن زمان كنت أشفق على النقاد الرياضيين في الصحف،
لأنه لا مسافات بينهم وبين القراء، وأن كل قارئ لما يكتب هو ناقد، قد يحمل وجهة
نظر مختلفة؟ وقد ساهمت منصات التواصل الاجتماعي، وربما الثورات العربية، في انتقال
الأمر إلى السياسة، حتى صار كل صاحب صفحة على "فيسبوك" أو "تويتر"
هو محلل سياسي، بل وصحفي يجري وراء الخبر، ومن هنا تأتي الأخبار الكاذبة، وهو قرر
أن يكون مختلفا للفت الانتباه إليه، حتى إذا كتبت خبرا، قال إنه يختلف معك.. في
ماذا؟ إنه خبر!
أزمة
هزيمة العراق:
والجديد
أن الأمر في هذه الحرب انتقل إلى "التقييم التلفزيوني"، والرغبة في تبني
وجهة نظره، وما دور المحلل السياسي، الضيف على الشاشة، إلا أن يتبنى وجهة النظر
هذه ويعبر عنها، ليشعر المشاهد بالرضا، وكأنه في برنامج "ما يطلبه المستمعون"
من الأغاني العربية!
وفي
كل المعارك السابقة لم يضق المشاهد بسماع الرأي الآخر، مع أن المواقف واضحة، ففي
غزو العراق كان الرأي الآخر حاضرا، وإن كانت الجزيرة في أدائها العام منحازة ضد
الغزو، ولكن بالخبر الصحيح الذي ينسف الانتصارات الأمريكية في البداية، وبالتحليل
الجاد الموضوعي، وإذا صادف هذا كله أهواءنا فقد كانت أزمة كبيرة، عندما لم نعرف
أنه يمكن أن تسقط بغداد، ويلقى القبض على صدام حسين، ويقدم للمحاكمة ويسجن، وحمّلنا
الجزيرة جزءا من هزيمتنا النفسية، وكأنها البديل للجيش العراقي!
في
حروب غزة، فإن الحق لجلج والباطل أبلج، فالأمة التي تعادي
إسرائيل ضد العدوان، وإن
كان هناك شرذمة تبرر الانبطاح، فلا تؤخذ في الحسبان عند القياس، ومع هذا يتفهم
الناس الرأي الآخر!
وفي
عز معركة قطر الكبرى ضد دول الحصار، فإن مصدر الثقة فيها أنها لم تستبعد الرأي
الآخر، فالمشاهد ليس بحاجة لأن يذهب إلى قناة العربية مثلا، أو الإخبارية
السعودية، لكي يقف على بيانات ومواقف وتحركات دول الحصار، إن الجزيرة تعرضها كذلك.
وفي ضعف كل ما قيل كانت الجزيرة أقوى من أي سلاح، وهي التي لم تكن بوقا، ولم يكن
مذيعوها في إذاعة صوت العرب، حيث أحمد سعيد في حرب 1967، فيحقق الإنسان بالمهنية
ما لا يحقق بالخطب العصماء!
وإن
كانت أزمة الحرب الحالية في هذا الانقسام الكبير في الشارع العربي، فإن الملاحظة
المهمة أن كل طرف لم يذهب لمنبر إعلامي يثق به، لكنه يشاهد الجزيرة وينطلق من
مشاهدته غاضبا: أين الضيف الإيراني حسن أحمديان؟ أو لماذا يستضيفون لقاء مكي
المعادي لإيران؟
فلماذا
لا يذهب المنحاز للموقف الإيراني، والذي لا يريد أن يسمع إلا انتصاراته، إلى قناة "المنار"
أو "الميادين"، وهناك سيكون في حالة انسجام وتلاحم؟ ولماذا لا يذهب
الآخر إلى قناة "سكاي نيوز عربية" أو "الحدث" معا، ليسمع وجهة
النظر المعادية حفاظا على صحته العامة، وطاقته من أن تهدر؟!
أهلي
وزمالك:
ومع
هذا الغضب العارم من الجانبين، فإن قناة الجزيرة تظل متربعة في موقع الصدارة من
حيث المشاهدة، ولا توجد قناة أخرى يمكن أن تمثل في الأمد المنظور منافسا قويا لها،
لكن المشكلة في أن يشاهد أحدهم التغطية على قواعد التشجيع لفرق كرة القدم، وتكون
له وجهة نظر يراها الصائبة في أداء اللاعبين، وفي حكم المباراة، وفي المذيع،
والمدرب أحيانا. ويلفت انتباهي من يجلس عبر صفحته على "فيسبوك"، ويوجه
مدرب فريقه: كيف سمحت باشتراك هذا اللاعب أو ذاك؟ ويصدر توجيهاته وهو مستلقٍ على
أريكته أمام جهاز التلفزيون: أخرج هذا وادفع بهذا!
وهي
الثقافة التي انتشرت في التعامل التلفزيوني مع هذه الحرب، التي انقسم حولها
المشجعون إلى "أهلي" و"زمالك"! ويتهم أحدهم الجزيرة بالانحياز
للطرف الآخر، وتطلب منه دليلا فلا يجد، والتقصير يكون في تجاهل أخبار تخص
انتصاراته. وبجانب المراسلين وحركتهم المقيدة هنا وهناك، وفي تل أبيب كما في
طهران، توجد جهات رسمية في هذه الأطراف تصدر البيانات، ولا يستطيع أحد أن يقول إن
هناك تجاهلا متعمدا لخبر مهم، وتبدو هذه المعركة أنها بحاجة إلى "بوق"
وليس إلى منبر إعلامي، يحاول أن يكون مقيدا بقواعد ممارسة المهنة!
الأخطر
في هذا كله عند الانتقال من التخوين إلى التحريض، وهو أمر يشارك فيه من ينتمون
للنخبة المثقفة العامةَ، بل إنهم يسعون لكسب ود هؤلاء، وتقديم أنفسهم على أنهم
الأقدر على صياغة أفكارهم والتعبير عنها، مع استخدام قدراتهم في الرمي بالخيانة
والتحريض: انظر، إنه يقف مع إيران التي تعتدي على العواصم الخليجية، أو انظر، إنه
ينحاز للعدوان الإسرائيلي والأمريكي، لكسب ود هذه الدولة الخليجية!
وكل
مثقف لم يجد نفسه في الأستوديو، أصابه ما أصاب إخوة يوسف، فاندفع شعوبيا، يحرض
ويؤلف ويفبرك الأخبار، ويرمي بالخيانة، دون أن يهتز له رمش!
التماس
العذر
ومع
احتداد الموقف من الجانبين، في حرب حدث فيها انقسام لم يحدث من قبل، كانت المعاملة
على أننا الحق وغيرنا في ضلال.
إن
عراقيا استخدمت الأجواء الإيرانية مجالا حيويا للطيران الأمريكي لقصف بلاده وإسقاط
نظامه، لا يُلام إن لم ير في طهران إلا شرا مطلقا.
إيران لم تنس أن تمنح الفتنة ضدها مبررا موضوعيا بالعدوان على دول الخليج، ولك أن تتخيل لو أنها لم تقدم على ذلك، فبالتأكيد أنها كانت تسحب السلاح من المحرضين عليها، والذين يرون أن أي انحياز لها هو جريمة
وإن
سوريّا قُمعت ثورته بالحضور الإيراني، ودُمرت بلده ليبق المجرم بشار الأسد في سدة
الحكم، مع ما تبع هذا من آثار، أخصها ما جرى في السجون من إجرام، سيكون من العبث
أن نطلب منه أن يتعاطف مع إيران!
ويمكن
في المقابل تفهم وجود من يرى في التحالف مع الأمريكان في تدمير العراق ما يبرره،
لأن العراق خصم بدأ الحرب الطويلة، فدمر قدراته كما دمر قدرات طهران، ويرى في
سوريا الأسد حليفا لا يمكن خذلانه.
وهناك
من يرون أن إيران هي الخطر على الأمة العربية، وهناك من يرون أن الخطر الأكبر هو
إسرائيل، ولا بد من تفهم من يحددون موقفهم من أين تقف واشنطن وتل أبيب، ليكون
موقفهم في الجهة الأخرى، مهما كان من يقف فيها.
وهؤلاء
لا يرون في إيران مشكلة، وإنما المشكلة في إسرائيل، ولن يستبدلوا خطرا محتملا بخطر
واقع، وعلى مر السنين لا يرقب فيهم إلا ولا ذمة!
وينبغي
الانتباه تماما، إن مشكلة المحور المعادي لطهران منذ الثورة الإسلامية، أنه بنى
دعايته على أن إيران عميلة لإسرائيل وأمريكا، وكُتبت مقالات وأُلفت كتب في هذا
الصدد، وصار الأمر من المسلّمات، بما تأكد بالانتصارات التي بدت أن أمريكا تحققها
لطهران في معاركها، ومن إسقاط صدام حسين وما تبعه من إنهاء حركة خلق المعارضة، إلى
الحرب ضد السنة في أفغانستان، فلما بدأت الحرب على إيران تبدد هذا كله وصار عصفا
مأكولا، من هنا كان الحماس لطهران!
وإيران
لم تنس أن تمنح الفتنة ضدها مبررا موضوعيا بالعدوان على دول الخليج، ولك أن تتخيل
لو أنها لم تقدم على ذلك، فبالتأكيد أنها كانت تسحب السلاح من المحرضين عليها،
والذين يرون أن أي انحياز لها هو جريمة، وأن المعركة بين شرين: الشر الأمريكي
والإسرائيلي، والشر الإيراني، فيختارون أخف الضررين، وهو الشر الأول!
وفي
مناخ كهذا أنت تريد من الجزيرة أن تكون معك على الخط؟! هذه معركة بلا خط!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.