بينما
ينشغل العالم بالحرب وتداعياتها، فإن الانشغال في
مصر منصبّ على
قانون الأحوال
الشخصية!
لقد
جرى العرف على أن كل نظام تكون له لمسته الخاصة على قانون الأحوال الشخصية، ربما
لتقديم إثبات للمجتمع الغربي على تقدمه، وقد تدخل النظام الحالي بالتعديلات
التشريعية أكثر من مرة، لكنه يبدو أنه عازم هذه المرة على كبيرة، لذا فإنه لا يطلع
المجتمع على مشروعه الذي تقدم به للبرلمان، وهذا أمر مريب!
فلم
تكد سيدة الإسكندرية تلقي بنفسها من شقتها، وعبر بث مباشر، إلا وتم الإعلان رسميا
عن الدفع بتعديلات في قانون الأحوال الشخصية لمجلس النواب، وعلى نحو كاشف بأن
الحكومة كانت جاهزة بها وتنتظر الفرصة، وقد جاءتها على طبق من ذهب ممثلة في هذا
الحادث المؤسف، وقد قيل إن المنتحرة تعاني من عدم قيام طليقها بدفع النفقة
المستحقة لها ولأبنائها، مستغلا وجوده في الخارج!
وقد
قامت النيابة العامة بإصدار قرار بمنع المتهربين من دفع النفقة من السفر، وهو ما
يكشف وقوعهم في "الحرام القانوني" بمقتضى القانون القائم، فما الجديد
الذي يمكن أن تضيفه التعديلات الجديدة، إلا تمكين السلطة بالطلب من الإنتربول
الدولي "تسليم مجرم"، وهذا ليس واقعيا، ليكون السؤال: وما هي التعديلات
أيضا، ولماذا تحاط بكل هذه السرية؟!
قانون
الأحوال الشخصية للمسيحيين:
منطق
السرية هو ما عومل به كذلك قانون الأحوال الشخصية الجديد للمسيحيين، الذي قيل إن
الكنائس قد توافقت عليه، وتم الدفع به أيضا للبرلمان، محاطا بالسرية، وإذ لم أعثر
عليه فقد اعتبرت أن هذا تقصير مني، لكني دخلت على مجموعات مسيحية، فوجدتهم يضربون
أخماسا في أسداس لأنهم لا يملكون نسخة من هذا المشروع، الذي يمكن اعتبار إنجازه
مبررا للاحتفال وليس للكتمان.
فهناك
مشكلة حقيقية تعيشها الكنيسة الأرثوذكسية بالذات، بسبب رفضها لائحة الأحوال
الشخصية لسنة 1938، وهي التي وضعها المجلس الملي، وكان البابا شنودة يراها مخالفة
للشريعة المسيحية، ولهذا فعندما يصدر القضاء حكمه بالتطليق استنادا إليها، فإن
الكنيسة لا تعترف بهذه الأحكام، ولا تسمح لمن تم تطليقه قضائيا بالزواج! وتفاقمت المشكلة حتى وصل من لم
يسمح لهم بالزواج الثاني إلى أكثر من 300 ألف فرد، انتهزوا ثورة يناير، وحاصروا
البطريركية، ونددوا بما وصفوه بتعسف البابا!
وفي
مقابلة صحفية مع البابا شنودة في منتصف التسعينيات، قال لي إن مشكلة إقرار قانون
جديد ترجع للخلاف بين الكنائس، فكنيسته لا تبيح
الطلاق إلا لعلة الزنا، بينما
الكنيسة الإنجيلية تصر على ثمانية مبررات تبيح الطلاق، في حين أن الكنيسة
الكاثوليكية ترفض الطلاق تماما ولو لعلة الزنا، ولهذا يقال زواجا كاثوليكيا
للتأكيد على استمراره أبدا.
لكن
طاقة القدر فُتحت للكنيسة الأرثوذكسية بعد أحداث كنيسة القديسين، والتي جرى
إحراقها وتحميل الجماعات المتطرفة الجريمة، ولدى الكنيسة قناعة بأن السلطة هي
الفاعل، ويبدو أن الأمر كذلك!
ولعب
نظام مبارك على أكثر من مستوى، عندما أصر البابا على غضبه واعتزاله في الدير، فكان
أن شمل خصم البابا جمال أسعد عبد الملاك التعيين في مجلس الشعب (2010)، مع أنه كان
عضوا في حركة "كفاية" التي تقف ضد التمديد لمبارك والتوريث لابنه، وفي
مستوى آخر تم تشكيل لجنة من الكنائس الثلاث للانتهاء من قانون الأحوال الشخصية،
وبدا واضحا أن النظام سوف يجامل البطريرك الغاضب، لكن بعد عدة جلسات لم يتفقوا على
شيء، وانسحب ممثلو الكنيسة الإنجيلية من اللجنة، ونددوا بمحاولة فرض إرادة إحدى
الكنائس على المشروع الجديد!
وقامت
ثورة يناير، وتبدد الحلم في قانون للأحوال الشخصية للمسيحيين على مختلف طوائفهم،
وعندما يقال الآن إن الكنائس الثلاث قد توافقت على قانون مشترك، فهذا إنجاز لا
يجوز معه إخفاء المشروع، إلا إذا كان وراء الأكمة ما وراءها.
السرية..
وقانون جيهان:
وإن
كانت التعديلات الخاصة بقانون الأحوال الشخصية للمسلمين محاطة بالسرية كذلك، فالأمر
يجعلها تبدو كما لو كانت شعار المرحلة. وفي المحاكم عامة، وفي قضايا الأحوال
الشخصية بالذات، قد ترى الدائرة الانتقال لغرفة المداولة لحساسية الموقف، وبناء
على طلب أحد أطراف الدعوى أو بقرار من القاضي نفسه، فهل تناقش هذه القوانين في
جلسات سرية؟ فما الذي يخفيه القوم، ولا يريدون أن يكون موضوعا للجدل قبل الإقرار
النهائي لهذه التشريعات، التي لا نرى إلا تسريبات منها، الله يعلم بمدى صحتها؟!
يبدو
أن الأمر خلفه فلسفة "جني الأموال" من الناس، ولهذا تماهى حزب العدل مع
هذه اللحظة التاريخية، وقدم مشروع قانون يقر السجن ثلاثة شهور، وغرامة تصل إلى
ثلاثين ألف جنيه في حال عدم إخطار الزوجة الأولى بقرار
الزواج الثاني!
والذي
يتابع هذه الضجة يعتقد أن هناك فراغا تشريعيا في أمر علم الزوجة الأولى بخبر
الزواج الثاني، وكذلك الحال بالنسبة للتهرب من النفقة، وهو أمر غير صحيح!
لقد
عاصرت الحملة على الرئيس السادات باعتباره معاديا للشريعة الإسلامية، ليس فقط لأنه
أعرض عن تطبيق الشريعة الإسلامية بعد الانتهاء من تقنينها، ولكنه لأنه أقر قانون
المادة 6 مكرر في قانون الأحوال الشخصية، والذي كانوا يطلقون عليه قانون "جيهان
السادات".
وهذه
المادة ضمن جملة من التعديلات، لكنها كانت المثال الذي يتم استخدامه، وبدون إعلان
ما تنص عليه، فحفظ الناس العنوان، وربما لا يعرفون ما في النص، والذي كان يلزم
المقدم على الزواج بتقديم إقرار "للموثق" بحالته الاجتماعية، فإن كان
متزوجا وجب عليه أن يدون فيه بيانات الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته وقت تحرير
العقد الجديد، ومحال إقامتهن، وعلى الموثق إخطارهن بالزواج الجديد بخطاب موصى،
ويعتبر إضرارا بحق الزوجة الزواج بغير علمها، ولو لم تشترط هذا في عقد زواجها،
وأعطاها القانون حق الطلاق للضرر في بحر ستة أشهر من تاريخ علمها!
لقد
صدر ما عرف بـ"قانون جيهان" في سنة 1979، بقرار من الرئيس، ويبدو أنه لم
يكن واثقا في موافقة البرلمان، أو خشي الضجة حوله، فأصدره بنفسه، وجاءت من أقصى
المدينة امرأة من مركز البداري في محافظة أسيوط في صعيد مصر، وطعنت في دستورية هذه
التعديلات، ولنص يخص النفقة، فجاء حكم الدستورية العليا يهدم "قانون جيهان"
تماما؛ ذلك بأن رئيس الجمهورية لم يستند في إصداره إلى تفويض صدر له من مجلس الشعب
يخوله هذه السلطة، ولم تتوفر عند إصداره ظروف قد توجب الإسراع في اتخاذ تدابير لا
تحتمل التأجيل!
ما
بين محكمة البداري والدستورية العليا:
اللافت
هنا أن محكمة البداري أوقفت النظر في الدعوى وأحالتها للدستورية في أيلول/سبتمبر
1980، في عهد الرئيس السادات، لكن المحكمة الدستورية العليا أصدرت حكمها في أيار/مايو
1985، فهل كانت الدستورية العليا أمامها من القضايا ما يستدعي التأجيل لقرابة خمس
سنوات؟!
لقد
بدا أن الدولة جاهزة لسد هذا الفراغ بتشريع جديد، ففي خلال شهرين كانت تعديلات تموز/يوليو
1985، وإن أعفت الزوج من تقديم إقرار للموثق، فقد نصت على اشتراط علم الزوجة
الأولى بالزواج الجديد، وألزمت كذلك الموثق بالإبلاغ، وأجازت للزوجة "إذا
لحقها ضرر مادي أو معنوي" يتعذر معه استمرار العلاقة الزوجية أن تطلب الطلاق!
وقد
نص القانون على عقوبة السجن لستة شهور، أو الغرامة مائتي جنيه، أو بإحدى هاتين
العقوبتين، للزوج والموثق، في حال عدم إخطار الزوجة الأولى، وهنا تكمن المشكلة! فحزب العدل نزل بالعقوبة البدنية
إلى ثلاثة أشهر، وربما جعلها وجوبا لا خيارا في حال عدم علم الزوجة بالزواج
الجديد، لكن يبدو أن السر في الغرامة، وهي ثلاثون ألف جنيه!
فلا
يوجد فراغ تشريعي كما يروجون، فالإدانة مقررة في حال الزواج بأخرى بدون علم الزوجة
أو الزوجات السابقات، والحال كذلك فيما يختص بالنفقة، فالقانون الحالي يجرم
الامتناع عن دفعها، ولكن أين تكمن المشكلة؟!
عندما
ننظر للمشهد، نجد أن هناك تسابقا بين "نواب الأنابيب" على التفكير خارج
الصندوق، لجني الأموال للحكومة، وهو إثبات جدارة منهم لعضوية لم يكونوا يحلمون بها
في أي وضع سياسي طبيعي، وعلى نحو جعلنا أمام برلمان لم تعرفه مصر في أي مرحلة
سابقة.
فالحزب
سالف الذكر يشترط الارتفاع بالغرامة لكي تكون ثلاثين ألف جنيه.. ونائبة أخرى تشترط
استخراج بطاقة الرقم القومي للطفل من عمر خمس سنوات لإثبات هويته، وذلك ضمن سياسة
الاتجار في المحررات الرسمية المعمول بها الآن!
وليس
سرا أنه مع كل خطوة في حياة الإنسان، فإنه مطالب بتقديم شهادة ميلاد حديثة، وهو
تصرف حديث، فلم تعد بطاقة الرقم القومي تكفي، وعندما قرر وزير الداخلية حبيب
العادلي جني المزيد من الأموال لوزارته، قرر تجديد بطاقة الرقم القومي كل سبع
سنوات، بعد أن كانت سارية حتى تجدد، سواء بفقدها، أو بتلفها، أو بتغيير بيان فيها
يخص المهنة، أو محل الإقامة، أو الحالة الاجتماعية!
وما
قيل وقتذاك، فأضحك الثكالى، أن صورة الإنسان تتغير بمرور الزمن، مع أن كاميرات
مصلحة الأحوال المدنية تنتج الصور الأكثر رداءة في تاريخ البشرية، حتى تبدو النساء
متقاربات شكلا، والرجال أشقاء توائم! ومن الصعب التعرف على إنسان من صورته في
الرقم القومي!
الفلسفة
وراء التعديل:
ومهما
يكن، فهناك فلسفة من وراء قرار العادلي المعمول به إلى الآن، وإن افتقدت للمنطق،
فما هي الفلسفة لبطاقة الطفل التي يمكن أن تساق للناس، غير أن العالم كله يأخذ
بذلك، كما تقول النائبة مقدمة الطلب، وهو أمر غير دقيق، فهناك عدد من الدول تأخذ
بذلك من يوم مولد الطفل، وهناك أغلبية الدول لا تأخذ بهذه السياسة، والسؤال عن
الحاجة التي يمكن قولها عن الأخذ بهذا المقترح؟
إنها
سياسة جني الأموال، وهي التسابق الذي دفع نائبة أخرى (آية عبد الرحمن) إلى التقدم
بمشروع قانون ينص على أن تكون عقوبة الاعتداء على أي من الوالدين بالقول أو بالفعل
تصل إلى مليون جنيه غرامة بجانب السجن، ودفع كذلك النائبة إنجي أنور للتقدم بمشروع
قانون يرتفع بالغرامة المالية لتصل لمليون جنيه عقوبة على انتهاك الخصوصية أو إرسال
رسائل بكثافة على الهاتف النقال بدون موافقة صاحبة!
وهكذا
يقع الضرر على الزوجة الأولى، فتنتحل الحكومة صفتها، ليكون الضرر قد وقع على
السلطة، فتحصل على ثلاثين ألف جنيه تعويضا، ثم تتحول إلى أحد الوالدين، حيث وقع
عليها الاعتداء بالقول أو اليد، وهناك يكون من حقها مليون جنيه عدا ونقدا لجبر
كسرهها، ثم تتحول إلى امرأة جرى انتهاك خصوصيتها فتحصل على
مليون جنيه عقوبة لخدش حيائها!
إن
فلسفة الغرامة أنها عقوبة على الإخلال بالنظام العام، وعندما تكون هي الأصل، ولا
شيء عن التعويض، سواء للزوجة أو أحد الوالدين المعتدى عليهما، أو من تم انتهاك
خصوصيتها، فإنه تسابق لتحصيل المال لصالح الحكومة، ومن هنا يأتي مقترح النائبة مي
كرم جبر عن بطاقة الرقم القومي للأطفال!
لقد
رفضت المحكمة الدستورية العليا القضاء بعدم دستورية نص تكرار الحكم بالسجن في حال
استمرار الامتناع عن النفقة، ورفضت الدعوى، وقالت بعدم مخالفة النص للدستور!
وكل
هذا يؤكد عدم وجود فراغ تشريعي.. الفراغ الوحيد أن الحكومة تريد أن "تجني
المحصول" باعتبارها أما تم الاعتداء عليها، وزوجها الشقي جاء لها بضرة! وأنثى في خدرها تم إرسال رسائل بكثافة لها من شخص بدون
موافقتها!
والكل
في الخدمة!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.