مدين أنا بالشكر لأخي الأكبر وشيخي
الأنور، فخر الدعاة وقمر وزارة الأوقاف الدكتور سيد عبد الباري، وهي أوصاف خلعها
عليه زميل له من الدعاة، حتى خُيّل لي أنني أمام مولانا سيدي أحمد البدوي!
الشكر واجب مني للشيخ، لأن ما جاء في
خطبته من دعاء غير مسبوق في تاريخه، إنما قطع الطريق على سؤال
الهوية، الذي مثّل
فتنة منذ قيام الثورة
المصرية في كانون الثاني/ يناير 2011، وهو الخاص بهوية مصر،
والذي ظل حاضرا في كل حدث يختلف حوله الفرقاء بطبيعة الحال، فالإخوان سوف يضيعون
هوية مصر، ودستورهم جاء للقضاء على هوية المحروسة!
وأذكر أنني طرحت مبكرا سؤالا عليهم،
لوضع حد لهذا الجدل العقيم: وما هي هوية مصر؟ فبدا السؤال مفاجأة، وكأنه من خارج
المقرر الدراسي، فقد اعتادوا على طلعات جوية يسايرهم فيها الناس، ليصبح الأمر
كالاتهام الدارج بالانتماء لجماعة إرهابية، فيفهم المتهم بدون تفكير أنهم يقصدون
الإخوان، فيرهق نفسه في إظهار الخلاف معهم، وتقديم الأدلة على ذلك، ثم يجد القرار
بحبسه، وكانت مفاجأة للسائل والمسؤول عندما سأل محامٍ أُلقي القبض عليه: وما هي
هذه الجماعة الإرهابية؟ وقد قضى سنين عددا في السجن، دون أن يتلقى إجابة على سؤاله!
القصة كانت بحثا عن هوية لمصر لا تشبه هويتها لدى الإخوان، ومن هنا كان الاندفاع لتأكيد فرعونيتها، وأن هوية مصر فرعونية لا عربية ولا مسلمة
فليس أصعب على من يظنون أنهم يلقون
بما يعتقدون أنه بديهيات من أن يُناقشوا فيها، وهو ما فعلته مع الذين كانوا
يبغونها عوجا بسؤال الهوية هذا!
مصر
الصوفية:
وفي وقت لاحق بدأ البحث عن هوية
للتميز، إلى أن وصل الحال لتبني خلاف تاريخي بين اثنين من الغزاة أو الفاتحين،
وادعى البعض أنهم أحفاد طومان باي، وذلك في مواجهة سليم الأول، وذلك في فترة
الخلاف مع تركيا. وأدهشني أن أقرأ لصحفي من المنظومة أن الرئيس السيسي هو طومان
باي، فكان كالدبة التي قتلت صاحبها، وعندما علم بنهاية طومان باي على يد القائد
العثماني، استدرك بأن طومان باي سيقتل سليم الأول هذه المرة، ويمثله الرئيس
أردوغان، فلما سألته إن كان يعلم بأن قائده مملوكي.. حذف ما كتب!
القصة كانت بحثا عن هوية لمصر لا تشبه
هويتها لدى الإخوان، ومن هنا كان الاندفاع لتأكيد فرعونيتها، وأن هوية مصر فرعونية
لا عربية ولا مسلمة، فلما لم يؤوب الناس معهم في هذا الادعاء، وسمعوا دعاء فخر
الدعاة وقمر وزارة الأوقاف، قالوا: هذا ربي هذا أكبر!
ورأينا يساريين وقوميين يرددون الدعاء
على سبيل المكايدة السياسية، وهم يتقاربون ذهنيا مع إيران حتى في عدوانها على دول
الخليج العربي، فهذه الهوية التي هداهم إليها الأخ الأكبر وشيخهم الأنور سيد عبد
الباري تغيظ الإخوان، وكان الاستغراق في التأكيد على أن المصريين على العكس منهم
يحبون آل البيت!
ولا أعرف كيف تختزل الأمور على هذا
النحو، فهذا ملف يخص السلفيين، وقد التزم أئمتهم الصمت خضوعا لمبدأ طاعة ولي
الأمر، أما الإخوان فقماشتهم الدينية عريضة، فهم كما قال مؤسس الجماعة حقيقة
صوفية، ودعوة سلفية.
وقبل الحرب كانوا متهمين من قبل
الإعلام المصري بأنهم يتقاربون مع إيران، وذلك تحريضا للخليج عليهم، فكيف يتحول
الأمر إلى مكايدتهم على قواعد دعاء، ولو كان من مأثورات الشيعة؟!
حب من طرف
واحد:
ويحفظ التاريخ أنه في قضية الرهائن
الأمريكيين في بداية الثورة الإيرانية، أن القادة الجدد أوعزوا للجانب الأمريكي
أنهم يمكن لهم قبول وساطة الإخوان، فلما ذهب السفير الأمريكي إلى المرشد العام عمر
التلمساني أبدى له استعداده للقيام بالوساطة شريطة أن يتلقى أمرا من الرئاسة
المصرية، فلما وصل الأمر للسادات رفض، وكانت بداية خصومته الحقيقية للجماعة، التي
صارت موضوعا لمستوى حدث دولي كهذا!
ومنذ هذا التاريخ، ظلت العلاقة بين
الإخوان والثورة الإيرانية حبا من طرف واحد، لحسابات تخص الإخوان، وسعيهم دائما
لعدم خسارة الخليج، وقد وجد الإيرانيون في الثورة المصرية فرصة لأن يكون لهم في
مصر موضع قدم، لكن حسابات الجماعة حالت دون ذلك، وليس خضوعا للسلفيين كما يردد
البعض، ولهذا أيد الإيرانيون الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب، وقد اعتبرها
البعض فرصة للتشيع السياسي، والذهاب إلى طهران لعل وعسى، والمعلن أنهم يكيدون
للإخوان، وكانت الوفود إلى طهران في هذه الفترة كثيرة!
واحتاج الأمر إلى موقف من الأمن
المصري لوقف هذه الفوضى، وهذا الاختراق الذي عمل الأمن سنوات طويلة على عدم حدوثه،
ثم إن الحالة الجديدة مدعومة من دول الخليج، وما جعل الله لعبد من قلبين في جوفه!
وبعد خسارة طهران لهذه الجولة، حفيت
أقدام الإيرانيين من أجل التقارب مع الجماعة في الخارج، وقد رفضت هذا تماما،
لأسباب تخص علاقاتها التاريخية بالخليج (السعودية تحديدا)، فإن كانت قد خسرتها على
مستوى السياسة والحكم، فالتنظيم هو الأبقى، وهو موضوعها.
بيد أنه مع الحرب، واندفاع بعض النخب
المصرية في تأييد إيران، بما في ذلك الموقف من الخليج، نسوا أنهم كانوا يتهمون
الإخوان بأنهم يساندون طهران، فقد صاروا هم الموالاة، ولهذا اندفعوا يؤيدون دعاء
قمر الزمان وفخر الدعاة الشيخ سيد عبد الباري، فهذه هي هوية مصر، التي تبعدها عن
الخليج وتقارب بينها وبين إيران، استعدادا لطلعات جوية كتلك التي كانت بعد أحداث تموز/
يوليو 2013.
الخط بين
الدين والسياسة:
واللافت في موقعة دعاء إمام العيد قمر
الزمان السالف ذكره، أن أحدا من هؤلاء لم يعارض استخدام الدين في السياسة، فهم ضد
الخلط إذا كان من خصومهم، ومعه إذا صادف هواهم، والهوى غلاب، كما تقول الست،
والأمر سياسي في المقام الأول والأخير!
خلافا للعادة، لم أذهب إلى القنوات
المصرية لكي أشاهد وقائع صلاة العيد التماسا لهذه الأجواء المصرية التي حرمنا
منها، لكني تلقيت اتصالا من صديق قديم، أتهمه بالتشيع، لكنه حريص على أن يقول إنه
على مذهب أهل البيت، ونتعامل مع الأمر بفكاهة، فحق الاعتقاد عندي مكفول!
وهذا الصديق القديم هو ما لفت انتباهي
إلى الدعاء، وكيف أنه دعاء شيعي خالص، ولم يرد في أي من كتب أهل السنة حديثها
وقديمها، فضلا عن عبارة أخرى سقطت في هذا الجدل، وهي عندما ذكر الخطيب النبي صلى
الله عليه وسلم، فاعتمد الصيغة الشيعية التي تقفز على ذكر الصحابة أجمعين، لموقف
منهم من عدد من صحابة رسول الله.
لقد اندفع ساسة ودعاة يقولون إن الشيخ
سيد عبد الباري فخر الدعاة وقمر وزارة الأوقاف لم يستدع دعاء شيعيا، غاية ما في
الأمر أن المصريين متيمون بأهل البيت، فمتى اكتشفوا هذا؟!
الموضوع ليس في التوسل (اللهم بحق
فاطمة وأبيها، وبعلها وبنيها، والسر الكامن فيها، لا تجعل لمصر حاجة عند لئيم من
خلقك)، فهناك خلاف لم يُحسم بين رفض التوسل واعتماده، وهو أمر ليس موضوعنا، وإن
أمسك فيه من الأصل فيهم أنه لم يكونوا جزءا من نقاش ديني، ممن شمروا عن سواعدهم
ودخلوا المعركة دفاعا عن تدين المصريين، والذي يقوم على حبهم لآل البيت، يوشكون أن
يتبنوا مبدأ "الإمامة من قريش".. ما لهم هم وهذه الموضوعات؟!
بيد أني أعرف دوافع هؤلاء التائهين
بحثا عن هوية تميزهم عن تدين الإسلام السياسي، ولم تسعفهم الفرعونية، فلما استمعوا
لدعاء الشيخ سيد أمسكوا فيه بأيديهم وألسنتهم.
قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاما كان
صديقي اليساري (ملء السمع والبصر الآن) يبدي إعجابه بالتدين المصري الجميل، على
العكس من تدين جماعات الإسلام السياسي، وهي صيغة وهابية جاءت لنا من الخارج!فلما سألته عن النمط الذي يراه مصريا
خالصا، قال: الموالد، وطقوس الصوفية. وأخبرته بأن هذا كله جاء مع الفتح -أو الغزو-
الفاطمي لمصر.. فلاذ بالصمت!
مصدر
الدعاء:
الأمر عندي ليس في التوسل ومحله من
الإعراب الديني، فلا أعتقد أنني عندما أدعو الله بشيء ثم توسلت إليه بحق جاه النبي؛
أنني أشركت بالله، فما يشغلني هو الصيغة التي استدعاها قمر الزمان وفخر الدعاة
لنسمعها لأول مرة، فيحدث الجدل!
ولعل السؤال المفيد هنا أن نسأل الشيخ
سيد عن مصدر هذا الدعاء، لأنه ليس من تأليفه إلا فيما يخص اللئيم الذي لا نعرفه،
والواجب هنا أن يذكر مصدره، فأي كتاب من كتب التراث عثر فيه عليه فأعاده على
أذهاننا؟!
وهل استمع أحد في طول تاريخه وعرضه
لهذا الدعاء في خطبة جمعة، أو مناسبة دينية، أو موعظة دينية؟ وهل يمكن لأحد الشيوخ
الذين نفروا خفافا وثقالا دفاعا عن الدعاء أن يذكر أنه سمعه من خطيب، أو ذكره هو
في خطبة له؟ ولماذا لم نسمعه على لسان القطب الصوفي الكبير الدكتور أحمد عمر هاشم،
في كل أحاديثه التلفزيونية، وما أكثرها؟!
إن الشيخ قمر الزمان وفخر العرب لديه
قناة على يوتيوب، فهل لديه خطبة قديمة ذكر فيها هذا الدعاء؟!
الأمر كله سياسة لا دين، حتى طلعة فخر الدين الباري هي رسالة سياسية لمستهدف بها، وظني أن الأمور ستكون عند هذا الحد، فمن يعتمدون على أنهم يمكن أن تعود الوفود إلى طهران عندما تلقي الحرب أوزارها تحت لافتة مكايدة الإخوان، وربما مكايدة الخليج
فالشاهد أنه كان رئيس البعثة الرسمية
للحج في العام الماضي، وفضلا عن أنه لم يدعُ في خطبته بهذا الدعاء، فإن دعاءه
للرسول كان بالصيغة المعتمدة عند أهل السنة، حيث يشمل صحابته بالصلاة أو الدعاء،
وليس كما فعل في خطبة العيد بقصر هذا على آل بيته، رضوان الله عليهم، لولا أنه
الاستدعاء السياسي. والدعاء والصلاة ليستا صيغة معتمدة حتى عند التصوف السني، إذا
رأينا أن الرجل ينطلق من أرضية صوفية، من الطبيعي أن تختلف مع السياق السلفي!
السلطة القائمة تبحث عن هوية مختلفة،
وليس من المناسب أن تتبنى شعارات فرعونية مصر، فوجدت ضالتها في التصوف وفق توجهات
الشيخ علي جمعة، وهو مبتدع ولا يمثل الصوفية التقليدية التي تعرفها مصر، وشيخ
الأزهر ابن مدرسة التصوف الأصيل، ومنتمٍ لطريقة، بينما جمعة مخترع لطريقة!
ورأيي أن الأمر كله سياسة لا دين، حتى
طلعة فخر الدين الباري هي رسالة سياسية لمستهدف بها، وظني أن الأمور ستكون عند هذا
الحد، فمن يعتمدون على أنهم يمكن أن تعود الوفود إلى طهران عندما تلقي الحرب
أوزارها تحت لافتة مكايدة الإخوان، وربما مكايدة الخليج؛ هم يحلمون، فالرؤية
الأمنية التي تشكلت على مدار سنوات طويلة لن تسمح بذلك!
وندرك أنه وصل الحال حد أن الموالد
نفسها بدأ التعامل معها بقلق أمني، على قاعدة أن التصوف هو بداية الطريق للتشيع،
وأن من تصوف فقد
تشيع، ووصل الحال إلى إلغاء الموالد في صيف عام 2009، بحجة
أنفلونزا الخنازير، ولقيام مرشح رئاسي سابق بزيارة لمولد السيدة زينب، وفي العام
التالي كان مولد السيدة شبه محاصر بحجة الخوف من الوباء، فقامت الثورة بعد ذلك
واعتبرها الدراويش من انتقام الأولياء من مبارك!
ومهما يكن الأمر، فالثابت أننا أمام
خلط واضح بين الدين والسياسة، سيكون له آثاره فيما بعد، فليس حكرا على أحد، فخلاف
السلطة مع الإسلام السياسي هو في التنافس على احتكار الدين.
عموما حسنا أنهم استقروا على هوية مصر!
x.com/selimazouz1
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.