من بين 24 اقتصادا ناشئا قامت مؤسسة فيتش سوليوشنز باستعراض أثر
الحرب
الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران؛ عليها من الناحية
الاقتصادية سلبيا، جاءت
مصر في المركز
الثالث بعد باكستان والهند، بل إنها من حيث تأثر السياسة المالية جاءت في المركز
الأول، بسبب تأثير ارتفاع
أسعار الطاقة على زيادة
عجز الموازنة المصابة أصلا
بالعجز المزمن وبنسب مرتفعة.
وإذا كان خام برنت قد بلغت نسبة زيادته الشهرية 50 في المائة حتى إقفال
الجمعة الماضية عند سعر 103 دولارات للبرميل، فهذا يعبر عن قدر الزيادة التي
ستتحملها الموازنة العامة نتيجة الزيادة التي حدثت لأسعار النفط والغاز الطبيعي
والفحم بعد الحرب، فها هي أسعار الغاز الأوروبي ترتفع بنسبة 62 في المائة خلال
الشهر الماضي، وأسعار الفحم قد زادت بنسبة 28 في المائة منذ بداية العام، حيث
تستورد مصر كلا من خام النفط والمنتجات البترولية من البنزين والسولار والبتوجاز
والفحم.
وها هي بيانات التجارة الخارجية للعام الماضي حسب جهاز الإحصاء الرسمي تشير
لبلوغ قيمة واردات مصر من الوقود 21.4 مليار دولار، تمثل نسبة 20.6 في المائة من
مجمل الواردات المصرية البالغة 104 مليار دولار. وتوزعت تلك الواردات من الطاقة ما
بين 10.4 مليار دولار من المشتقات البترولية، و8.9 مليار دولار من الغاز الطبيعي،
و1.5 مليار للنفط الخام لتكريره محليا، و569 مليون دولار للفحم.
قامت الحكومة المصرية مؤخرا بزيادة أسعار الوقود محليا سواء البنزين أو السولار أو الغاز الطبيعي للسيارات، مما زاد من تكلفة نقل البضائع محليا وزيادة تكلفة المواصلات للأفراد، لتضيف عاملا إضافيا تسبب مع غيره من العوامل في زيادة أسعار السلع
وهكذا يتوقع زيادة قيمة الواردات من الوقود خلال العام الحالي، مما يضغط
أكثر على العجز المزمن في الميزان التجاري السلعي والذي بلغ في العام الماضي 51.7
مليار دولار، وهو العجز الذي يتوقع زيادته في العام الحالي في ضوء ارتفاع أسعار
سلع أخرى رئيسة تستوردها مصر، سواء السلع الغذائية أو المواد الخام للصناعة والسلع
الوسيطة والاستثمارية، حيث بلغت قيمة واردات مصر في العام الماضي من القمح 3.7
مليار دولار، ومن الذرة 2.9 مليار دولار، وفول الصويا 2.3 مليار دولار، والزيوت
المكررة للطعام 1.7 مليار دولار، واللحوم 1.5 مليار دولار، بخلاف الأبقار
والجواميس الحية والأسماك.
وها هي أسعار القمح قد زادت منذ بداية العام الحالي بنسبة 21 في المائة،
كما زادت أسعار الذرة بالشهر الأخير بنسبة 8 في المائة ونفس نسبة الزيادة لفول
الصويا، كما زاد سعر زيت النخيل في الشهر الأخير بنسبة 14 في المائة. وإذا كانت
مصر قد حاولت الاستفادة من أسعار أقل لاستيراد الغاز الطبيعي من قطر عبر استيراد
عدد من الشحنات، فسيحول إغلاق مضيق هرمز عن إمكانية وصول تلك الشحنات حاليا، مما
يدفع مصر للاتفاق على شحنات فورية أعلى سعرا، خاصة مع تناقص كميات الغاز الإسرائيلي
الوارد عبر خط أنابيب بعد الاستهداف المتبادل بين إيران وإسرائيل لمنشآت الطاقة.
توقع توقف خفض الفائدة
كما سيترتب على زيادة الأسعار في الأسواق تأجيل البنك المركزي استمراره في نهج
خفض سعر الفائدة، مما كان يقلل من أعباء خدمة الدين في الموازنة الحكومة والتي
تمثل الجانب الأكبر في مصروفات الموازنة، كما كان يقلل من أعباء الاقتراض على
الشركات مما يزيد من فرص التوسع، كما كان يساعد على زيادة ترويج السلع من خلال
شركات التمويل الاستهلاكي، بل إن تداعيات الحرب يمكن أن تتطور لتدفع البنك المركزى
للعودة لزيادة معدل الفائدة.
ويعد العجز التجاري السلعي الضاغط الأكبر على سعر صرف الجنيه المصري أمام
الدولار والعملات الأجنبية، ومن هنا فقد تراجع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار
الأمريكي بنسبة 9.4 في المائة خلال أول أسبوعين من الحرب، مع الأخذ في الاعتبار
تحكم البنك المركزي المصري في تحديد السعر، وهكذا تضافرت عدة عوامل تزيد من تكلفة
الواردات المصرية من ارتفاع لأسعار تكلفة شحن البضائع بسبب زيادة أسعار النفط
دوليا، وارتفاع تكلفة التأمين على تلك البضائع نتيجة زيادة المخاطر في المنطقة، واضطراب
سلاسل الإمداد نتيجة عزوف شركات نقل بحري دولية عن العبور من خلال قناة السويس
والتحرك عبر طريق رأس الرجاء الصالح الأطول مسافة والأكثر تكلفة، وزيادة المخاطر في
بعض طرق التجارة نتيجة تواجد الأساطيل الأمريكية.
وقامت الحكومة المصرية مؤخرا بزيادة أسعار الوقود محليا سواء البنزين أو
السولار أو الغاز الطبيعي للسيارات، مما زاد من تكلفة نقل البضائع محليا وزيادة
تكلفة المواصلات للأفراد، لتضيف عاملا إضافيا تسبب مع غيره من العوامل في زيادة
أسعار السلع. فعلى سبيل المثال تسببت زيادة أسعار مكونات الأعلاف لتربية الماشية
من ذرة وفول صويا في زيادة أسعار اللحوم البلدية، وهكذا مع باقي السلع ومنتجات
الشركات الصناعية.
أزمة مزدوجة للعملات الأجنبية
وهكذا أصبح الاقتصاد المصري يعاني من أزمة مزدوجة فيما يخص موارد العملات
الأجنبية، والتي يعبر عنها العجز المزمن في ميزان المعاملات الجارية المصري، فها هي
موارد قناة السويس ستتأثر بعزوف شركات الملاحة الدولية عن مرور سفنها بها، كذلك
قيام جانب من السياح بإلغاء حجوزاتهم وتأثر الحجوزات الجديدة، وتريث السياحة
الخليجية في القدوم لمصر والتي تمثل حوالي 20 في المائة من إجمالي السياحة الواصلة،
وهي الأكثر إنفاقا من باقي الجنسيات، كما ستتأثر قيمة الصادرات إلى دول الخليج والتي
بلغت في العام الماضي 10.8 مليار دولار تمثل نسبة 21 في المائة من مجمل الصادرات
المصرية، لزيادة المخاطر في الموانئ الخليجية نتيجة اغلاق إيران لمضيق هرمز، كما
ستزيد تكلفة الصادرات المصرية والمعتمدة على المكونات الأجنبية بنسبة تفوق الستين في
المائة، مما يقلل من تنافسيتها في الأسواق الدولية.
كما ستتأثر التحويلات المصرية الواردة من دول الخليج العربي مع إعلان وزارة
الخارجية المصرية عن تسهيل عودة أعداد من المصريين العاملين في الخليج عبر دول
أخرى من خلال مسارات برية، واضطراب الأحوال في الدول الخليجية التي تمثل المورد
الأكبر لتحويلات المصريين في الخارج.
وواكب نقص الموارد الدولارية زيادة معدلات الدولارات الخارجة من البلاد،
وأبرزها الأموال الساخنة التي تستثمر في أوراق الدين الحكومي المصري والتي تخطت
ستة مليارات من الدولارت خلال أول أسبوعين من الحرب، وكذلك خروج استثمارات أجنبية
من البورصة المصرية، وهي البورصة التي تراجع مؤشر أسعارها بنسبة 5 في المائة في
أول أسبوعين للحرب، رغم مشتريات المؤسسات المصرية الحكومية لدعم السوق.
عدم تحقق الوعود الحكومية بجني ثمار الإصلاح الاقتصادي خلال العام الحالي، والنكوص عن الوعد من قبل رئيس الوزراء بعدم زيادة أسعار الوقود لمدة عام على الأقل، وحتى الوعد بألا تتخطى نسب الزيادة لأسعار لأسعار الوقود عن 10 في المائة
كما لا يُتوقع قدوم استثمارات أجنبية مباشرة في الوقت الحالي ولا حتى
استثمارات أجنبية غير مباشرة، حتى تتضح صورة نهاية الحرب الدائرة حاليا والتي تشهد
اتساعا في مجالها الجغرافي وتنوع مجالات الاستهداف التي لم تعد مقتصرة على الأهداف
الحربية فقط.
الأخطر في تداعيات الحرب على الاقتصاد المصري أنها كشفت مدى هشاشته أمام
الأزمات الدولية، وإخفاق برنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي مع صندوق النقد الدولي الذي
كان من المقرر إنتهاءه بعد سبعة أشهر من نشوب الحرب، وهو ما يعنى أن برامج الصندوق
المتتالية لم تنجح في علاج المشكلات المزمنة بالاقتصاد وأبرزها العجز المزمن بين
الصادرات والواردات والفجوة بين الادخار والاستثمار والعجز المزمن في الموازنة
الحكومية، ورغم ذلك نتوقع الاتفاق مع الصندوق على برنامج جديد بعد انتهاء البرنامج
الحالي، رغم ما يقال عن عدم تجديد الاتفاق والاكتفاء بالاستفادة من المشورة الفنية
للصندوق.
كذلك عدم تحقق الوعود الحكومية بجني ثمار الإصلاح الاقتصادي خلال العام الحالي،
والنكوص عن الوعد من قبل رئيس الوزراء بعدم زيادة أسعار الوقود لمدة عام على الأقل،
وحتى الوعد بألا تتخطى نسب الزيادة لأسعار لأسعار الوقود عن 10 في المائة لتحقيق
استقرار في الأسواق، مما يقلل الثقة بنظام الحكم الحالي الذي تكررت وعوده بتحسن
الأحوال المعيشية، بينما لا يجد المصريون سوى تدهور تلك الأحوال وزيادة معدلات
الفقر.
x.com/mamdouh_alwaly