في انتظار حل مجلس النواب المصري!

سليم عزوز
"لم تمتد الرقابة لخارج اللجان، وإلى التأثير الذي يقوم به كثير من المرشحين بشراء الأصوات، وتزييف إرادة الناخبين"- إعلام حكومي مصري
"لم تمتد الرقابة لخارج اللجان، وإلى التأثير الذي يقوم به كثير من المرشحين بشراء الأصوات، وتزييف إرادة الناخبين"- إعلام حكومي مصري
شارك الخبر
كثيرون في بلدي ينتظرون هذا القرار، أو الحكم، الذي يقضي بحل مجلس النواب المصري، ويعدّون العدة لخوض الانتخابات الجديدة، وهم يرون أن الحل قريب، وهو قاب قوسين أو أدنى!

فهناك قضايا ببطلان الانتخابات أمام المحاكم تنتظر الفصل فيها، وهم ينتظرون ما جرى في ثلاث انتخابات كانت النتيجة فيها حل البرلمان، وذلك على النحو الذي جرى مع برلمانات 1984، 1987، 2011. والحالمون بذلك لديهم آمال عريضة في القيادة السياسية، التي أثبتت "انحيازها لإرادة الناس" عندما قررت الاستجابة لأحكام القضاء بإعادة الانتخابات في بعض الدوائر!

وقد شاهدوا بعد هذا التدخل كيف أن الانتخابات كانت نزيهة تقريبا، على الأقل من حيث ترك الجهات الإدارية والأمنية الأمور تجري في أعنّتها، وإن لم تمتد الرقابة لخارج اللجان، وإلى التأثير الذي يقوم به كثير من المرشحين بشراء الأصوات، وتزييف إرادة الناخبين!

وقد أصابت الحسرة كثيرين أحجموا عن الترشيح لأن الأمور محسومة سلفا، والمجلس جرى تشكيله قبل فتح باب الترشيح، كما جرت العادة مع الدورتين السابقتين، فعضّوا أصابع الندم، وهم الآن في ترقب صدور حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان الانتخابات، أو أن القيادة السياسية قد تتدخل إذا تواترت أحكام البطلان في بعض الدوائر، وتقرر من تلقاء نفسها استخدام صلاحياتها الدستورية في حل البرلمان.. إن الجائع يحلم بسوق الخبز!

مهما حدث من بطلان في بعض الدوائر، فإنه ليس في سلطة محكمتي القضاء الإداري أو النقض الحكم ببطلان مجلس النواب كليّا، وإنما قد تقضي بإعادة الانتخابات في الدوائر موضوع الدعوى، وهذا حدود اختصاصها، والحل إذا كان الأمر متعلقا بعدم دستورية القانون الذي أُجريت على أساسه الانتخابات

فمهما حدث من بطلان في بعض الدوائر، فإنه ليس في سلطة محكمتي القضاء الإداري أو النقض الحكم ببطلان مجلس النواب كليّا، وإنما قد تقضي بإعادة الانتخابات في الدوائر موضوع الدعوى، وهذا حدود اختصاصها، والحل إذا كان الأمر متعلقا بعدم دستورية القانون الذي أُجريت على أساسه الانتخابات أو أحد مواده، وهو أمر مستحيل؛ ذلك أن لجنة الدستور احتاطت تماما لكل الثغرات التي على أساسها تم حل مجلس الشعب لثلاث دورات، فجاء النص الدستوري كطبيب يحاصر المرض عندما يجهل أسبابه!

الطمع غير المبرر:

في برلمان سنة 1984 تم القضاء بعدم دستورية قانون الانتخابات بالقائمة الحزبية المقيدة، والتي حرمت المستقلين من الحق في الترشح، فلما عالجت السلطة الأمر بالجمع بين القائمة والمرشح الفردي في الانتخابات التالية، كان المرشح الفردي ينافس على عدة دوائر لا دائرة واحدة، بما يخل بمبدأ تكافؤ الفرص!

أما أزمة انتخابات ما بعد الثورة، فكان مردها إلى الطمع غير المبرر، فقد أعطت للمستقلين غير الحزبيين الحق في المنافسة على ثلث المقاعد، واختصت ثلثي المقاعد للقوائم الحزبية، وكثيرون نسوا ما جرى حد تصور أن المجلس العسكري وضع كمينا ليتمكن منه من حل المجلس عندما سمح للقوائم الحزبية بالمنافسة على الثلث الخاص بالمستقلين!

والحقيقة أنني فوجئت بمظاهرات صاخبة في ميدان التحرير دعا إليها حزب الوفد والإخوان المسلمون تطلب إلغاء هذا القيد، ولم يكن إلى الآن قد انفض التحالف الذي يجمع بين الجماعة والحزب، وسمعت لأحد قيادات الإخوان وهو يؤكد أن الهدف من هذه المظاهرات هو إقرار الحق للأحزاب بالمنافسة على المقاعد الفردية، على وعد بأنهم لن ينافسوا عليها وسيتركونها للمنافسين!

وكنت أشد في شعري وقتئذ من فرط الغيظ، وكتبت أحذر من هذا الانتحار الجماعي، لأن في السماح للحزبين بالمنافسة على ما هو خاص بالمستقلين ما يمثل إخلالا بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص!

وعرفت بعد ذلك أن المشير محمد حسين طنطاوي عقد لقاء مع قيادات الأحزاب، ومع إصرارها المريب على هذا الاتجاه، سأل رئيس المحكمة الدستورية -وكان حاضرا الاجتماع- إن كان يمكن للمحكمة الدستورية تمرير الأمر، فأومأ معه، لينصب هذا الكمين!

في هذه الفترة ربما لم تكن نوايا المجلس العسكري سيئة، ولهذا اندفع الحزبيون يطلبون هذه المخالفة للإعلان الدستوري، فالأمور في بيتها كما يقولون، ويؤتى الحذر من مأمنه، وكان الحكم بحل مجلس الشعب. وقد فاتنا التذكير بأن الحزبين، بما في ذلك حزب الإخوان، زاحموا على المقعد الفردي!

سد الثغرات في الدستور الحالي:

وهناك حل آخر بحكم قضائي يسقط عند الحديث عن حل البرلمان، وهو حل برلمان 1995-2000 لعدم دستورية قانون الانتخابات التي أُجريت على أساسه كل البرلمانات السابقة، لعدم نصه على أن الإشراف هو من اختصاص القضاء وحده، والسبب في تجاوز هذا الحل هو أن مجلس الشعب كان قد أكمل سنوات انعقاده، ويوشك أن يرفع جلساته ونهاية أعماله استعدادا للانتخابات الجديدة!

الدستور الحالي استفاد من كل هذه الثغرات واستوعبها، ومن ثم فلو أُجريت الانتخابات وفق قانون الغابة، فلن تكون مخالفة للدستور، لأن الدستور نفسه صار مخالفا لما ينبغي أن يكون عليه الدستور! ومن هنا فإن من ينتظر حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس النواب هو كمن ينتظر لبن العصفور.. هذا من ناحية القانون!

وفي السياسة، فإن هذا البرلمان جرى اختياره لمهمة محددة، وهي تعديل الدستور، ولهذا كانت هندسته على هذا النحو، وأهل الحكم ليس لديهم استعداد لنواب يحدثون ضجيجا ولو لا يتمكنون من فرض إراداتهم، فبعد تجربة نواب المعارضة وما فعلوه في جلسة جزيرتي تيران وصنافير من صخب، تقرر بعدها ألا تتكرر. وفلسفة الحكم الحالي تميل للهدوء، لهذا تم استبعاد علي عبد العال من رئاسة المجلسين التاليين، فصراخه والصخب الذي كان يحدثه -ولو كان من أجل السلطة- فهو ليس محببا لها، إنها تريد إدارة الأمور بهدوء، ولهذا جاءت بقضاة لرئاسة غرفتي التشريع لدورتين متتاليتين.

وقد يرى البعض أن هذا البرلمان الحالي قد يمرر التعديلات الدستورية، لا سيما بإلغاء القيد الزمني للاستمرار في منصب رئيس الجمهورية، ثم يتم حله بعد ذلك، وهذا ضد طبائع الأشياء؛ أن يكون الحكم القضائي بحل مجلس النواب الذي قام بهذه التعديلات، صحيح أن البطلان لا يمتد إلى ما قد سبق، لكن الأمر هنا تحكمه الوجاهة السياسية وليس منطوق الأحكام القضائية، فليس جيدا لأهل الحكم أن البرلمان الذي يقرر تعديل الدستور ومد فترة الرئاسة افتقد للشرعية.

المخرج الوحيد أن تتجاوز التعديلات الدستورية ما هو خاص بانتخابات الرئاسة إلى غيرها، بما يسمح بالجمع بين انتخابات الرئاسة والبرلمان في وقت واحد لضمان الحشد، وحينئذ ستُجرى هذه الانتخابات على أساس هندستها كما الوضع الآن

حدث هذا لمبارك في ولايته الثانية والثالثة، ومع أن الانتخابات الرئاسية كانت استفتاء يتم في البداية عبر بوابة البرلمان، إلا أن الأمور لم تكن على هذه الدرجة من الحساسية كما الحال عليه الآن، فإذا كانت هناك أحزاب سياسية رفضت انتخابه، كما فعل حزب الوفد في الولاية الثانية، على العكس من موقف التحالف الإسلامي بقيادة الإخوان، إلا أن أحدا لم يكن يشكك في شرعيته كرئيس جاء بالإجراءات المعمول بها، إلى أن تم تعديل مادة الانتخابات الرئاسية بما سمح بالانتخابات وليس بالاستمرار في نظام الاستفتاء الذي كان معمولا به منذ الانقلاب العسكري في 1952.

ومن هنا فالمخرج الوحيد أن تتجاوز التعديلات الدستورية ما هو خاص بانتخابات الرئاسة إلى غيرها، بما يسمح بالجمع بين انتخابات الرئاسة والبرلمان في وقت واحد لضمان الحشد، وحينئذ ستُجرى هذه الانتخابات على أساس هندستها كما الوضع الآن، لأن الأمر سيكون أكثر حساسية، وبما يلزمه هذا من ضمانات للنواب الحاليين، لأنهم بالموافقة على التعديلات الدستورية سيعني أنهم قد يغامرون بمكانتهم الوظيفية.

إن الذين يحلمون بسوق الخبز لم ينتبهوا إلى أن فلسفة التدخل الرئاسي لم تكن على ذات ما رأوا، لدرجة ندمهم أنهم لم يخوضوا الانتخابات وقد تبين أن نزاهتها مكفولة في الحدود الدنيا!

فالتدخل لم يكن لأسباب مرتبطة بالإقرار الرئاسي بإرادة الناس، ولكن لأن هناك خلافا بين الأجهزة على خياراتها، وقد مالت إحداها على الجميع وهيمنت على المشهد في البداية، فكان التدخل الرئاسي لضبط الإيقاع في هذا السياق، فلن يضر الموقف السياسي إن فاز مرشح حزب الجبهة الوطنية وسقط مرشح مستقبل وطن، أو العكس، أي أنها نزاهة انتخابية مقيدة، ولعبة معروف حدودها، ولهذا لم يتم مثلا إعادة فتح باب الترشيح!

إنها أضغاث أحلام!

x.com/selimazouz1
التعليقات (0)