الأحوال الشخصية في مصر.. متى يتكلم شيخ الأزهر؟!

سليم عزوز
"لن يلتزم الشيخ أحمد الطيب الصمت، إذا خرج مشروع القانون من اللجنة التشريعية إلى المناقشة العامة"- موقع بوابة الأزهر
"لن يلتزم الشيخ أحمد الطيب الصمت، إذا خرج مشروع القانون من اللجنة التشريعية إلى المناقشة العامة"- موقع بوابة الأزهر
شارك الخبر
انتهيت من عملية جرد لقوانين الأحوال الشخصية في مصر، وطالعت أكثر من أربعين حكما قضائيا في المراحل المختلفة، ولا يجوز لدولة تشريعاتها في هذا المجال قبل أكثر من مئة عام، أن تبدو غارقة في مياه البطيخ كما هو الحال الآن، وكأنها في بداية عملية التعرف على الأشياء، فهذه شجرة، وهذا زواج، وذاك طلاق!

القانون الأول صدر في عهد الملك فؤاد سنة 1920، وقد رفعته الحكومة إليه فأقره، واستند لمذهب المالكية وحدهم، وبعد تسع سنوات اكتشفوا بالتطبيق مشكلات تتعلق بالتحايل على تطبيقه، فكان القانون الجديد، والذي كانت مرجعيته هي المذاهب الفقهية الأربعة!

ويمكن للمرء أن يتصل بالأوضاع السياسية من خلال القوانين، فقد راعني أن القانون الذي أعدته حكومة الوفد في عهد النحاس باشا، وأقره البرلمان سنة 1937، في عهد الملك فاروق هذه المرة، هو قانون خاص في نصوصه بالأجانب، ويعد تطورا لقوانين أخرى خاصة بالجاليات الأجنبية، والقانون الجديد هو ثمرة معاهدة 1936، والتي حققت استقلالا جزئيا لمصر، وألغت المحاكم المختلطة، وصار القضاء مصريا خالصا، ومن ثم كان هذا القانون تعبيرا عن سيادة مصر على قضائها، وإن جعلت من حق الزوجين اختيار قانون بلدهما، أو قانون بلد أيهما إن اختلفت الجنسيات، لتفصل المحكمة المصرية المختصة في الدعوى، وفقا لهذه القوانين إن لم يرتاحوا للتشريع المصري!

الجديد في قانون الأحوال الشخصية، الذي دفعت به الحكومة للبرلمان، هو أنه كشف ضحالة نخبة المرحلة، وعضوات في البرلمان بنسخته الحالية، في مستوى فكري هزيل للغاية، فيقلن كل عجيب، وذلك في وقت اختفت فيه الحكومة، فلا تدافع عن قانونها، بل لا تملك الشجاعة الكافية لعرضه كاملا على الناس

لقد حدث تطور في موضوع النفقة بأنواعها، وفي إجراءات التقاضي، وفي حضانة الأطفال، ولم ينشغل الحكم الناصري بقانون الأحوال الشخصية، فاكتفى بإجراء عدد من التعديلات غير الجوهرية، لعل الجوهري الوحيد هو إلغاؤه للقضاء الشرعي، ومما لا يذكر أن الإلغاء انسحب على "القضاء الملي"، وصار الاختصاص الأصيل للقضاء المدني!

وبعد تسع سنوات من حكمه، وفي سنة 1979، أصدر الرئيس السادات في غيبة البرلمان قانونا للأحوال الشخصية، وإن عرضه عليه في وقت لاحق، وكانت أزمته في المادة 6 مكرر، وهي الخاصة بالإلزام بإعلام الزوجة الأولى عند الزواج بثانية، ونص على عقوبة بالسجن والغرامة، أو بإحدى هاتين العقوبتين، في حال مخالفة الزوج أو الموثق لما اختصهما به القانون (الإفصاح والإعلان)، ولهذا أُطلق عليه قانون جيهان السادات، بالزعم أنها تقف وراء هذه المادة، تماشيا مع تحررها!

ومن المفارقات أن من أسقطته كانت امرأة أيضا، لكنها من الصعيد، عندما طعنت في دستورية القانون، في حياة السادات سنة 1980، بحجة مخالفته للدستور، لتعارضه مع الشريعة الإسلامية في أمور خاصة بالنفقة والحضانة، وليس بمادة الزواج الثاني!

وقد ظلت الدعوى تنظر أمام المحكمة الدستورية العليا أربع سنوات من رفعها، وثلاث سنوات من اغتيال الرئيس السادات، لتعيد المحكمة تكييف الطلبات، وتقر بعدم دستورية القانون، لأنه صدر من الرئيس بدون ضرورة تستدعي التعجيل بصدوره، ولا يتم الانتظار لعودة البرلمان، كما أنه لم يعرض على مجلس الشعب في المواعيد المقررة بعد عودة جلساته للانعقاد.

ولم يتسبب الحكم في فراغ تشريعي، فهذا يعني العودة لقانون 1929، لكن بدت الحكومة جاهزة بقانونها البديل الذي أقره مجلس الشعب بعد شهرين فقط من هذا الحكم، وإن توالت التعديلات في عهد الرئيس مبارك، وكان مما أحدث جدلا واسعا قانون الخلع سنة 2000.

وقد حضر شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي للبرلمان مدافعا عنه، ومؤكدا عدم مخالفته للشريعة الإسلامية، وغاب المفتي نصر فريد واصل، حتى ظن الناس أن في غيابه موقفا مخالفا، وسأل رئيس الكتلة الوفدية ياسين سراج الدين: لماذا لا يحضر المفتي؟ وكان السؤال يحمل اتهاما، وفي وقت كان يظن العامة أن صمت الرجل دليل وقار، وأنه مغلوب على أمره، وليس لطبيعته الشخصية، وهو أكاديمي لا خطيب!

ولعل هذا الوقار الشكلي وتأويلاته هو ما دفع أهل الحكم لتذكره في عهد الرئيس مرسي، فجاء به من العزلة لقلب المشهد، لكنه عندما وقع الانقلاب كان من الذين أيدوه في حدود قدرته، وهو ليس جاهزا بالقول أو متحدثا إذا تبارى الخطباء!

هذه النخبة الضحلة:

والجديد في قانون الأحوال الشخصية، الذي دفعت به الحكومة للبرلمان، هو أنه كشف ضحالة نخبة المرحلة، وعضوات في البرلمان بنسخته الحالية، في مستوى فكري هزيل للغاية، فيقلن كل عجيب، وذلك في وقت اختفت فيه الحكومة، فلا تدافع عن قانونها، بل لا تملك الشجاعة الكافية لعرضه كاملا على الناس، والدفاع عنه، وقامت بتصدير مستشار قال إنه رئيس اللجنة التي أعدت مشروع القانون، دون إعلان أسماء لجنة الأشقياء هذه، وقد قال إن الأزهر وافق على 90 في المئة من المشروع، وأن المفتي عضو في اللجنة!

ولا نعرف ما هي العشرة، أو ما هي التسعون في المئة من المشروع، فنحن إزاء فوضى غير مسبوقة، وعمل من أعمال التنظيمات السرية، وليس الدول!

وجود المفتي في اللجنة لا يعني قيمة إضافية لها، وهو مفتي الحكومة الذي تطلب رأيه الديني كهيئة وليس كفرد، وهذا الفرد مجرد عضو في لجنة، وهو يخص الحكومة ولا يخص الناس، والقوانين التي تقر عبر البرلمان معنية بالشعب وليس بالسلطة، والأصل أن البرلمان يمثل هذا الشعب، لكن سياقه الحالي يجعل الأمور طبيعية، فالبرلمان امتداد للحكومة!

العبث الذي تنطق به النائبات كاشف عن الحالة المزرية التي وصلت إليها مؤسسات الدولة، بسبب طريقة الاختيار، وهي طريقة ستؤلف فيها كتب عندما ينقشع الغبار، والكتب المهمة لن نكتبها نحن، ولكن سيكتبها من هم مقربون من المشهد، ويطالعون ما يجري عن كثب، ولديهم من المعلومات ما لا نملكه! وسيذكرنا هذا بالمؤلفات الكثيرة التي صدرت بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر عن عصره، ولاقت رواجا واسعا أقلق اليسار المصري بتنويعاته.

إن من النائبات من يطلقن مطالب بهدف الظهور الآمن، حتى إذا وقعت أعيننا عليهن سألنا: من هؤلاء النسوة؟ ومن أين جئن؟ وهل يمكن أن يكنّ تعبيرا عن الحياة البرلمانية في أم الدنيا، أو في أي بلد آخر؟!

وقد حدث الخلط بين المشروع السري للحكومة، وبين مطالب نائبات ربما يتقدمن بمقترحاتهن عبر منصات التواصل الاجتماعي، لتعريف الناس بهن، ولم يتقدمن بها لتأخذ مسارها الطبيعي من النقاش في لجان المجلس!

أين شيخ الأزهر؟

وإزاء هذا العبث الحاصل، وهذا الخلط المتعمد، يشعر كثيرون أنه قد أحيط بهم، ومن ثم يطلبون من شيخ الأزهر أن يتصدى للقانون، فأين هو القانون؟!

لن يلتزم الشيخ أحمد الطيب الصمت، إذا خرج مشروع القانون من اللجنة التشريعية إلى المناقشة العامة، فعندئذ ستكون المواجهة مع مشروع واضح الملامح، وليس كل ما ينشر عنه تسريبات، الله يعلم مدى صحتها. وعدم شجاعة الحكومة في عرضه والدفاع عنه يدل على أنها تتهيب من رد الفعل، ربما باعتبارها تنظيما سريا، تسعى لسلق القانون في المناقشات ويصبح واقعا بين عشية وضحاها!

إن شيخ الأزهر، الذي وقف في قضية عدم وقوع الطلاق الشفهي، لن يتأخر عن موقف مطلوب في أمر كهذا، وهو الذي لم تنقصه الشجاعة في إعلان موقفه في مواجهة رئيس الدولة، بل وعقد اجتماعا لهيئة كبار العلماء، لتصدر قرارا بالإجماع برفض المقترح!

وأعتقد أن المواجهة قادمة، ما لم تتراجع الحكومة عن مشروعها، أو تستشعر الأزمة، وأن هذا ليس وقت صدام مع الرأي العام، فهذه ليست من قضايا التجاذبات السياسية، ولكنها تدخل في دين الناس، وقد حاولت الأبواق الإعلامية استدعاء قصة الإخوان في الموضوع، فلم يؤوب الناس معها، فهم أنفسهم ضد القانون!

قوانين الأحوال الشخصية هي دين في الجانب المهم منها، وأنها علم اجتماع في جانب آخر، فظروف المجتمع هي التي ترجح قولا فقهيا على الآخر، ولكن ما نراه الآن هو التعامل مع الغرب على أنه النموذج في حقوق المرأة

وما يؤكد أن النوايا ليست صافية، هي هذه السرية في مشروع القانون، وفي تشكيل اللجنة، ومتى بدأت عملها، وبالمخالفة الصريحة للدستور، فالاختصاص الأصيل في قوانين الأحوال الشخصية هو للأزهر وهيئة كبار العلماء، وهي ليست إشكاليات قانونية ليحلها رجال القانون، وإن احتاج الأمر لضبط قانوني، فالأزهر فيه كلية الشريعة والقانون، يمكنها أن تتولى الصياغة، وفي الأخير فإن المشروعات تحال لمجلس الدولة لصياغتها.

التفرقة بين المسلمين والمسيحيين:

ولا يعقل أن يقر قانونان للأحوال الشخصية، أحدهما للمسلمين والثاني للمسيحيين، في وقت واحد، فيعرض أحدهما على الكنائس إعمالا للدستور، ولا يحصل الثاني على موافقة الأزهر بالمخالفة للدستور، ويغيب ممثلو المذاهب الفقهية، اكتفاء بالمفتي، وهم من كانوا ممثلين في قانون 1929، بعد الانتقال من فقه المالكية وحده في قانون 1920، كما كان الأزهر حاضرا بدون نص دستوري يلزم حضوره، كما هو الحال في الدستور الحالي.

بقي أن يعرف أولو الأمر منا أنهم ليسوا أولياء في أمور الدين، كما أن قوانين الأحوال الشخصية هي دين في الجانب المهم منها، وأنها علم اجتماع في جانب آخر، فظروف المجتمع هي التي ترجح قولا فقهيا على الآخر، ولكن ما نراه الآن هو التعامل مع الغرب على أنه النموذج في حقوق المرأة، وهذه المبالغات في التعامل مع قضايا الأسرة والمجتمع على أنها معادلات كيميائية، نتج عنها ضرب مؤسسة الأسرة هناك، وأن مبدأ الشراكة في الأملاك، كان سببا في العزوف عن الزواج ورفض تحمل أعبائه.

والأمور ليست هناك على ما يرام ليحدث انبهار القروي الساذج الذي أبهرته أضواء المدينة، اللهم إلا إذا صدق ما يشاع بدون رد حكومي، من أن القانون مدفوع الثمن من الجهات الأجنبية، والتي قيل إنها حاضرة في لجنة الأشقياء، التي لم يتم الإعلان عن أعضائها، ومن اختارهم؟!

لقد سبق لمجلس الوزراء أن أطلق منصة للرد على ما ينشر، لكنها الآن لا تنطق، ولا ترد، وكأنها أصيبت بالخرس.

دين المصريين ليس للبيع!

x.com/selimazouz1


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)