هي ثورة حقيقية
في مجال
الغذاء والدواء، قد نتفق أو نختلف معها، تلك التي أسس لها الطبيب
المصري الراحل
الدكتور
ضياء العوضي، أستاذ التخدير في جامعة عين شمس، على الرغم من إقالته من الجامعة
قبل سنوات من وفاته المريبة في إمارة دبي، بدولة الإمارات العربية، ذلك أنه ترك إرثا
مثيرا للجدل، إلى الحد الذي أصبح حديث كل أسرة، وحديث الشارع، وحديث المجتمع الطبي،
بل حديث وسائل الإعلام الرسمية، بعد ضجيج وسائل التواصل الاجتماعي.
باختصار، نظرية
الدكتور العوضي في الغذاء، والتي تأتي تحت عنوان نظام "الطيبات" الغذائي،
تتمثل في مجموعة نصائح، أهمها اعتماد الصيام كأساس لبنية جسمانية قوية وصحية، خصوصا
أيام التشريق الثلاثة (13 و14 و15) من الشهور الهجرية، إلى جانب يومي الاثنين والخميس
من كل أسبوع، إلى جانب الابتعاد عن الخبز الأبيض، والدواجن بمختلف أنواعها، والألبان،
والجبن غير المطبوخ، والخضروات الورقية وغيرها، باستثناء البطاطس، والابتعاد أيضا عن
بعض أنواع الفاكهة، وفي مقدمتها البطيخ والبرتقال، إلى غير ذلك من نصائح، أهمها وأخطرها:
تجنب تناول كل أدوية الصيدليات (الكيميائية) بأي كمية ولأي سبب، وهنا تكمن المشكلة
الأساسية، التي توقّع العوضي شخصيا مقتله بسببها.
نظريته بعد وفاته انتشرت كالنار في الهشيم، نتيجة ذلك الغموض الذي اكتنف عملية الوفاة المفاجئة، حتى أن أصواتا طالبت بإعادة استخراج الجثة لتشريحها طبيا، للوقوف على سبب الوفاة
إرث نظرية
أو نظام "الطيبات" الغذائي، للدكتور ضياء العوضي، سوف يمتد فاعلا سنوات طويلة،
لأسباب عديدة أهمها كثرة مناصريه ممن استفادوا من نصائحه الطبية والغذائية، والذين
خرجوا في فيديوهات وشهادات يدافعون عنه بقوة، إلى جانب سعي المرضى طوال الوقت إلى البحث
عن بديل للعلاج التقليدي عالي التكلفة، إلى الحد الذي لم يعد في متناول معظم الشعب،
في الوقت الذي استخدم فيه بعض الآيات القرآنية والسنة النبوية في كثير من الأحيان،
للتدليل على صدق نظريته، ناهيك عن هجوم الإعلام الرسمي عليه وعلى نظريته طوال الوقت،
وهو ما يأتي دائما بنتائج عكسية في مثل هذه الظروف.
ما يهمنا هنا
في هذه القضية، هو ذلك الأثر الذي أحدثه رجل واحد أو شخصية واحدة في المجتمع المصري،
الذي يصل تعداده إلى نحو 120 مليون نسمة، بل
تأثيره في جزء كبير من المحيط العربي خلال
فترة وجيزة، دون دعم من مساعدين أو أتباع، أو مساندة حزبية أو أيديولوجية، حتى أن نظريته
بعد وفاته انتشرت كالنار في الهشيم، نتيجة ذلك الغموض الذي اكتنف عملية الوفاة المفاجئة،
حتى أن أصواتا طالبت بإعادة استخراج الجثة لتشريحها طبيا، للوقوف على سبب الوفاة، خصوصا
أنها حدثت في دولة الإمارات، وما أدراك ما دولة الإمارات، ومدى ارتباطها بأحداث عديدة
مشابهة.
شخصية الدكتور
ضياء العوضي وتأثيرها في المجتمع بهذا الشكل الواسع والسريع، تطرح أسئلة مهمة حول لهفة
ورغبة وحاجة المجتمع المصري، وربما العربي عموما، إلى شخصية الزعيم أو القائد أو القدوة
أو الثقة، أو بمعنى أدق المنقذ الذي سوف يجد التفافا شعبيا منقطع النظير، حال تقديم
نفسه بقوة وصدق، وهو ما يشير إلى اختفاء أو انعدام هذه الشخصية في المجال السياسي بشكل
خاص، على مدى عقود عديدة مضت، لأسباب كثيرة أهمها حرص الأنظمة السياسية المتعاقبة،
على وأد مثل ذلك الظهور منذ بداياته بأوجه مختلفة، قد يكون من بينها الطرد من البلاد،
أو السجن، أو التسفيه، أو التعتيم، أو التخويف، إلى غير ذلك من أساليب لن يعدمها أي
نظام في عالمنا الثالث، فما بالنا بالأنظمة ذائعة الصيت وواسعة الخبرة في مثل هذا المجال.
الابتعاد عن
العمل العام، خصوصا السياسي منه، أصبح أمرا شائعا في أوساط النخبة المثقفة، كما أن
إيثار السلامة وحماية الأسرة من البطش الأمني أصبح أمرا واضحا في أوساط السياسيين عموما،
أضف إلى ذلك أن عدم جدوى المعارضة والنضال السياسي خلق حالة من اللامبالاة والترهل
حتى في أوساط المنخرطين في العمل العام. أيضا يمكن القول إن تهميش الأنشطة الطلابية
أفقد الشباب أهم خبرة كان يمكن أن يكتسبها الطالب بأقل مجهود خلال فترة خصبة من حياته،
من هنا أصبحت الأحزاب السياسية كعرائس السيرك، يتم توجيهها بالإشارة، أو بمجرد تحريك
أصبع واحد، وهو ما خلق حالة غير مسبوقة من الركود السياسي، ربما في معظم بلدان المنطقة.
حالة الدكتور
ضياء العوضي جديرة بالدراسة على المستويات كافة، السياسية منها بشكل خاص؛ كيف حقق كل
هذا التأثير؟ كيف استطاع اقتحام البيت المصري؟ كيف حقق كل هذا الزخم الشعبي وعلى كل
المستويات والأعمار؟ كيف لمجموعة محدودة من اللقاءات التلفزيونية والفيديوهات الشخصية
أن تحقق كل هذا الانتشار والتأثير الواسع، في مواجهة كتائب من الأطباء والإعلاميين
الذين اشتغلوا ليل نهار على النيل من فكرة الرجل ونظريته، والتشكيك في كل ما قال، حتى
بعد وفاته؟ وهو ما يؤكد أنه ترك إرثا قويا، يصعب الطعن فيه.
كيف حدث حاليا كل ذلك التراجع، وفي المجالات كافة، لحساب قلة قليلة من المتسلقين عديمي الكفاءة، غير المتخصصين في أي من المجالات، وهو ما مهد الطريق وسهّل على دكتور طبيب اقتحام كل الطوائف بلا منازع
لا شك أبدا
في أن الرجل وضع القيادات السياسية والحزبية، وأيضا الفكرية والثقافية، في موقف لا
تحسد عليه، يمكن القول أنه وضعها في حجمها الطبيعي، بعد أن كشف ضعفها من نواح عديدة،
أهمها عدم القدرة على التواصل مع الشارع، وعدم القدرة على التأثير، وانعدام الثقة،
وعدم وجود القدوة الحسنة، وعدم وجود الشخصية القيادية، وذلك على الرغم من كثرة البرامج
الحوارية والمنابر الحزبية والقنوات التلفزيونية والمقالات الصحفية، ناهيك عن الأتباع
والأعوان والمناصرين بالآلاف على امتداد الجغرافيا المصرية، وغير ذلك من كثير من أدوات
التأثير والتواصل مع المجتمع، والتي لم تتوافر للدكتور العوضي.
السؤال الذي
يطرح نفسه بقوة في مثل هذه الحالة هو: لماذا كان الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي
والفني في الماضي متخما بالعديد من الشخصيات القيادية، كل في مجاله، إلى الحد الذي
احتدم فيه التنافس الشديد، سواء على مستوى الأحزاب السياسية منذ ما قبل عام 1952، أو
الحياة الثقافية حتى ما بعد ذلك التاريخ، أو الحياة الفنية حتى وقت قريب، وكيف حدث
حاليا كل ذلك التراجع، وفي المجالات كافة، لحساب قلة قليلة من المتسلقين عديمي الكفاءة،
غير المتخصصين في أي من المجالات، وهو ما مهد الطريق وسهّل على دكتور طبيب اقتحام كل
الطوائف بلا منازع، حتى أن البعض شرد بخياله إلى الحد الذي رأى في الرجل زعيما سياسيا
في المستقبل، لو لم يتم قتله، أو حتى وفاته.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.