المصريون يعادون الاحتلال لا دول الخليج

شريف أيمن
"الضرر الذي يقع على المدنيين في الخليج سيحرق ثياب المصريين لا محالة" -واس
"الضرر الذي يقع على المدنيين في الخليج سيحرق ثياب المصريين لا محالة" -واس
شارك الخبر
ربما نكون على أعتاب انتهاء العدوان الصهيو-أمريكي الذي بدأ صباح 28 شباط/فبراير الماضي، وترتبط النهاية ببدء وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين لإتاحة الفرصة إلى حوار دبلوماسي بين الطرفين، بعدما نجحت إيران في الصمود أمام ضربةٍ تهدمُ دولا أخرى، إذ فقدت في الضربة الأولى كبار قادة الدولة بمن فيهم المرشد الأعلى الذي يعد رأس الدولة، وغيره من كبار القادة السياسيين والعسكريين، واستمر نزيف القيادات على مدار أيام العدوان الاستعماري، ومع ذلك صمدت إيران من جهة، وآلمت عدوها من جهة أخرى، ما أجبره على التوقف وقبول وقف الحرب، وقال ترامب عن إيران: "لديهم مقاتلون أشداء وأشخاص قساة"، وهذا مدح للإيرانيين وَرَدَ في صيغة ذم من عدوهم.

هذه التهدئة ربما تكون فرصة لإعادة النظر في انطباع تكوَّن عند العديد من إخواننا في الخليج، خاصة أن النفوس تهدأ مع انتهاء سبب ما يُثيرها، وهذا الانطباع هو أن المصريين يشْمتون في الخليج وما أصابه من ضربات إيرانية، وهو انطباع إن لم يكن غير صحيح تماما، فإنه على الأقل لا يُمثِّل الغالبية الكاسحة من المصريين. ومعلوم أن طبيعة مواقع التواصل الاجتماعي تجذب الآراءُ الشاذة فيها المشاهداتِ المرتفعةَ، وإذا أبْدَى أحدهم موقفا شامتا فإن عدد متناقلي الشماتة سيجاوز عدد الداعمين أو المتعاطفين، بل إن الشخص نفسه إذا تراجع عن قوله لن يجدَ تراجعُه صدى مثل إعلانه الأول، فالناس يبحثون عن أخبار الإثارة قبل أي شيء.

التهدئة ربما تكون فرصة لإعادة النظر في انطباع تكوَّن عند العديد من إخواننا في الخليج، خاصة أن النفوس تهدأ مع انتهاء سبب ما يُثيرها، وهذا الانطباع هو أن المصريين يشْمتون في الخليج وما أصابه من ضربات إيرانية، وهو انطباع إن لم يكن غير صحيح تماما، فإنه على الأقل لا يُمثِّل الغالبية الكاسحة من المصريين

ما يمكن الجَزْمُ بأنه يمثِّل الغالبية الكاسحة من المصريين هو أنهم يعادون الاحتلال، ويفرحون بأي إذلال يلاقيه من أي جهة كانت، ويزداد هذا الفرح إذا كان المتسبِّب في الإذلال مُكَوِّنٌ طبيعي في المنطقة، يجمعه مع المصريين تاريخ قديم وثقافة مشتركة وجيرة مكانية طبيعية غير مزروعة أو مقتحَمَة، ولديهم تاريخ مشترك في مواجهة هذا العدو عام 1973، وهو ما حدث من الإيرانيين الذين تجاوزوا صدمتهم سريعا وبدأوا في تدفيع العدو ثمنا كبيرا.

الإشكال في المسألة محل النقاش، أن الموقف معقد للغاية ومركَّبٌ كذلك، فالعدو الرئيسي للمصريين ينال قسطا وافرا من التأديب لم يعهده على مدار تاريخ المشؤوم والقصير، وفي المقابل اقترنت عملية تدفيع الثمن بهجمات آذتْ الدول الخليجية، ما يعني أنها هجمات تمس جزءا من سويداء المصريين الذين يرتبطون بمحيطهم كله، كما أن المصريين يمثِّلون الجاليات الأكبر في دول الخليج، وبالتالي فإن الضرر الذي يقع على المدنيين في الخليج سيحرق ثياب المصريين لا محالة، فكيف يشمت المصريون فيمن ارتبطوا بهم وجدانيّا، وكذا كيف يشمتون في أبنائهم هناك!

لقد عانت المنطقة منذ أكثر من قرن من محاولات تقسيمها السياسي والاجتماعي، ولم تتوقف هذه المحاولات يوما، وتزداد فرص التقسيم في الأزمات، والحرب الحالية وما يتصل بها من أحداث فرصة لا يمكن للعدو أن يتجاوزها لزرع الشقاق، كما حدث من قبل في حرب لبنان عام 2006 وإثارة النزعات الطائفية، والعدو لا يتوقف في أي لحظة عن العمل في أي جبهة يعمل بها، ففي الوقت الذي يمسك فيه السلاح بيد، هناك من يمسك باليد الأخرى سلاح القلم والإعلام لإثارة النزاعات والنعرات، وهذا عمله الذي يتفرغ له، وقد واتته الفرصة ليفعل ذلك خاصة مع القصف الإيراني للقواعد الأمريكية على الأراضي الخليجية، والمصالح الاقتصادية للأمريكان التي تتداخل مع المصالح الاقتصادية الوطنية للدولة المتعرضة للهجوم.

في هذه الحرب الإعلامية، يركز العدو على جبهتين، جبهة المحور السني-الشيعي وتوسيع الهُوَّة بين الطرفين، وجزء من جبهة المحور السني-السني باستهداف العلاقة الاجتماعية بين المصريين والخليجيين، وإلا لماذا لم ينصرف السجال إلى الابتهاج من سائر الأقطار العربية بالوقائع التي تمس القواعد الأمريكية وركَّز على المصريين فقط؟

وهنا لا بد من الانتباه إلى خطورة هذا الوضع، فمصر الدولة الحدودية الوحيدة لهذا الكيان التي لا تزال تحتفظ بعلامات قوة تخيف الاحتلال، ورغم كل ما فعله النظام الحالي بها وتقزيمه لدورها ووظيفة الجيش، فيمكنها التعافي سريعا إذا وُجد الدافع للتعافي، كاستهدافها من جهة خارجية، وبالتالي تستمر عملية عزلها، إما عبر أنظمة متواطئة، أو عبر تقطيع الأواصر الاجتماعية والشعبية مع محيطها الجغرافي والثقافي.

إننا أمام حرب تستهدف تغيير المنطقة، كما تُعلن الأطراف المعتدية باستمرار، وجزء من هذا التغيير يستهدف الوجدان والعاطفة، فتُثار النعرات القومية والمذهبية

كذلك، يوجد الأزهرُ في مصر وهو أبرز منارات العالم السُّني، وفي أكبر دول الخليج تقع أقدس البقاع الإسلامية، وعملية إثارة النعرات بين المدرسة العلمية للأزهر، والمدرسة السائدة في الخليج، تخدم مسار التفرقة وصنع الجزر المنعزلة في العالم العربي والإسلامي والإقليم الذي كان وِحدة واحدة.

لقد شارك المصريون في بناء الخليج على مستوى الإنسان والعمران منذ عشرات السنين، وتزايدت تلك العملية مع ظهور البترول، فاستقدمت دول الخليج المصريين للتدريس في المدارس والجامعات، وللتطبيب في المستشفيات، وللهندسة لتخطيط المدن وبنائها، ومنَّ الله عليَّ أن شهدتُ هذه الحالة في مرحلة منها، وبالتالي لا تزال أفئدة الملايين من المصريين معلَّقة بتلك البقاع التي بنوا فيها البشر والحجر، ولا بد أن الملايين من أبناء الخليج يُقدِّرون للمصريين وغيرهم من العرب هذا الدور، ومن غير المعقول أن يفرح المصريون في هدم وضياع وخسارة ما أفنوا أعمارهم في بنائه.

إننا أمام حرب تستهدف تغيير المنطقة، كما تُعلن الأطراف المعتدية باستمرار، وجزء من هذا التغيير يستهدف الوجدان والعاطفة، فتُثار النعرات القومية والمذهبية، ومواجهة هذا المخطط يقوم في جزء رئيس منه على مشروع الوَحدة بين مكونات هذه الجغرافيا الممتدة، سواء كانت مشروعات وَحدة من مكونات معدودة كوِحدتيْن دوليتيْن أو أكثر، أو مشروع وَحدة متكامل على امتداد هذا الإقليم الشاسع الذي يبدأ في المغرب وينتهي في إندونيسيا.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)