لا
أكتب عادة مادة إلا بغرض النشر، وقد فعلتها مرة فيما يخص دولة
قطر، وتراجعت عن
نشرها بعد الانتهاء منها، بعدا عن القيل والقال، والنطاعة والمتنطعين!
كتبت
هذه المادة في اليوم الأول من شهر رمضان المبارك، وقبل
الحرب على
إيران، وعندما
هممت بالكتابة كان في تصوري أن ما سأكتبه سيصلح منشورا طويلا بعض الشيء على منصات
التواصل الاجتماعي، لكن سحر الكتابة استغرقني حتى صار معلقة. عندما أعدت قراءتها
قلت: ربما يكون من المناسب نشرها إذا عدت لبلدي، وتخلصت من هذه الحساسية، والتي
مبعثها أنني أقيم في هذا البلد الاستثنائي، والذي أنا مدين له بحريتي.
وقد
حدث بعد ذلك أن بدأت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران؛ التي وسعت نطاق
الحرب، وصارت قطر من الدول التي استهدفتها إيران بصواريخها، وصار هناك من ينددون
بهذا العدوان ممن يعيشون في الدوحة من المصريين، فإذا بأصوات تنكر عليهم ذلك،
وكأنه يُحرَّم عليهم "الامتنان" لبلد عاشوا فيه، فضلا عن أنهم يسري
عليهم ما يسري على القطريين من فزع وخوف إذا تعرض البلد لمكروه!
وقد
جنى هذا الاستهداف عليهم، فلم يتمكنوا من قضاء إجازة العيد في مصر، وجنى على
أبنائهم، وقد تعطلت الدراسة وصارت عن بعد، والذين عاشوا هذه المرحلة في فترة
كورونا يعرفون كيف أن الدراسة على هذا النحو لا يمكن أن تؤدَّى على أكمل وجه، لا سيما
بالنسبة للتلاميذ الصغار الذين يصعب السيطرة عليهم، فضلا عن الخوف من أن يطول أمد
الحرب وما يتبعه هذا من آثار، أخصها أن يتم الاستغناء عن خدماتهم!
وصار
استنكار هذا الاستهداف، وإعلان الامتنان لهذا البلد المضيف، جريمة لا ينبغي
إعلانها. فلتتم التضحية بقطر، بل والخليج كله، ومن عليه من مواطنين ومصريين، بدون
شكوى أو ذكر فضل، لإعطاء الفرصة كاملة لطهران لتحرر المسجد الأقصى، فلنمت صامتين!
موقف
الشيخ محمد الصغير:
استيقظت
ذات صباح على حملة ضد الشيخ محمد الصغير من موتورين، وبحثت عن السبب، فاكتشفت أنها
لإدانته العدوان على قطر، وحديثه عن أفضال هذا البلد عليه، وكأن إنكار الإحسان هو
من حسن إسلام المرء، والبعض قال إن الرجل فقد احترامه لديهم.. لقد خسر كثيرا في
الواقع!
هذه
ليست هي المرة الأولى التي يتعرض فيها الشيخ لمثل هذا الأداء المريض، فعندما وقع
الحصار على دولة قطر، وصدع بالحق بدون لف أو دوران، كانت نصيحة البعض له بألا يخل
بواجبات المشيخة وأن يتوقف عن هذا الموقف الصريح، لكن رده عليهم كان بلسان واضح
وصريح، وكاشفا عن أن المرء ابن بيئته، وهو ما يمكن أن نسمع مثله في ريفنا المصري:
إنني وأبنائي سنكون في المواجهة إذا تعرض هذا البلد للغزو!
قلت
له إن هؤلاء إنما يرون في موقفه الواضح كشفا لتخاذلهم، لذا فإنهم يريدون من الجميع
أن يكونوا سواء، والحديث عن مستلزمات المشيخة هو كلام عن هيبة فارغة، وكأن الشيخ
ينبغي له أن يكون درويشا في حضرة أو مولد لا يدري ما يدور حوله، فلا يعرف شرف
الدفاع عن النفس، ولا يدرك معنى رد الجميل!
أنا
في قطر:
ولعلها
المرة الأولى التي تخلصت فيها من الحساسية، وقطر تتعرض للحصار ومهددة بالغزو، وقد
علمت بالخبر الأليم في مطار إسطنبول بمجرد وصولي في هذا الصباح، فذهبت لمقر إقامتي
ولم أرتح، إنما اعتبرت أن فيسبوك هو مدفعيتي للمساهمة في إدانة هذه الجريمة، ورغم
تحذيرات الأصدقاء بعدم العودة والأمور ملتهبة، فقد عدت بعد أربعة أيام، فليسْرِ
عليَّ ما يسري على الناس، وهذا أضعف الإيمان!
وسواء
في الحصار أو الآن، فإن مسؤولا في قطر لم يطلب من أحد موقفا، ولعل هذا ما يدفع
المقيمين ألا يعلنوا موقفا، وعلى أرض قطر تعيش نخبة إعلامية وثقافية كبيرة، لو
طُلب منها "رد الجميل" لرأينا "حشد قتال" بحسب تعبير الأستاذ
هيكل!
ولعل
عدم الطلب هو الذي يدفع بالكثيرين إلى التزام الصمت، فأحدا لا يُحاسَب صامتا لم
يبد موقفا، ولن يكافأ من يعلن الموقف الصحيح، وإعلانه من شأنه أن يغري المتربصين
به، فيتهمونه بالنفاق: كيف يدافع عن قطر؟ وما الثمن؟ وحديث الثمن في الواقع هو
للابتزاز، تماما عندما يكتب عتل زنيم للشيخ محمد الصغير: لقد سقطت من نظري. وما
قيمة نظرك ليكون على المرء أن يعمل من أجل ألا يسقط منه؟ لماذا يعطي البعض لأنفسهم
قيمة لمجرد أن صارت لهم صفحة على فيسبوك؟!
الدفاع
عن قطر:
والسؤال
المهم هو: لماذا لا يدافع مقيم في قطر عنها، وهو في الوقت نفسه يدافع عن نفسه وعن
أمنه ومصالحه؟ لكن لنُسقط الجزء الأخير من السؤال ونكتفي بالجزء الأول منه! بل
لماذا لا أدافع أنا عن قطر، إذا اعتبرنا أن تدمير تل أبيب وهزيمة إسرائيل لا بد أن
تمر من فوق رأسي الشريف، فيكون لزاما عليَّ أن أضحي بنفسي من أجل هذا الهدف النبيل!
إنني
عندما أتذكر حال من اضطرتهم الظروف مثلنا للهجرة في عهد الرئيس السادات من
المعارضين، وبعضهم ذهب إلى عراق صدام حسين، وبعضهم سافر إلى سوريا الأسد، أعرف كيف
أننا محظوظون، فهناك ذاقوا الأمرّين، إذ أُجبروا على الانخراط في مشروع البعث
بتناقضاته مع نفسه ومع جوهر أفكارهم، وهو ما عبّر عنه سليمان فرحات في كتابه "يوميات
بعثي سابق"، حيث وجد نفسه كالمستجير من الرمضاء بالنار، إذ فُرضت عليهم عضوية
البعث تحت التهديد، ومنهم من تعرض للاعتقال!
وفي
قطر لا يُفرض على المستجير بها أن يكون ضمن معارك البلد، حتى وإن كانت تتعرض لأزمة
وجودية، كأزمة الحصار أو أزمة الهجمات الإيرانية، فلا يُكافَأ من وقف، ولا يُلام
من استولت عليه ثقافة الغربة فالتزم الصمت.
إنني
على مدى ثلاثة عشر عاما عشت في هذا البلد الكريم، لم يقطع طريقي شرطي، ولم أُستدعَ
لأي جهة رسمية، ولم أتلقَّ اتصالا عبر الهاتف ليقال لي: قل ولا تقل، والضابط
الوحيد الذي تعاملت معه هو ضابط المرور الذي امتحنني على السياقة لاستخراج رخصة
القيادة، فلماذا لا أدافع عن قطر؟ وإذا لم يكن الخذلان في وقت الشدة هو قلة الأصل،
فما هي قلته على وجه التحديد؟!
إن
الواجب يحتم علينا أن نقر لقطر بما يجهله الذين لم يعرفوا هذا البلد إلا من خلال
الدعاية المضادة للأعداء، والتي تتسع لمن ضاقت عليهم بلادهم بما رحبت، وضاقت عليهم
أنفسهم، ضمن مشروع إنساني ليس سياسيا، وليس وفق القواعد التي فُرضت على معارضي
الرئيس السادات تحت حكم بعث سوريا وبعث العراق، فلسنا أسرى حرب، فلماذا لا ندافع
عن قطر؟!
البلد
الاستثناء:
إن
قطر لا يعرف أنه بلد استثناء إلا من يعيش فيه، حيث القواعد الحاكمة التي تسري على
الوافد والمقيم، وحيث العلاقة القائمة على الاحترام المتبادل، وحيث الضوابط
القانونية التي تكفل لك حقك، وحيث الأمان الذي يضمن للوافد عدم تجاوز أحد ضده. هل
رأيتم اعتداء من كفيل على مكفول كما يحدث في بعض الدول
الخليجية الأخرى؟ فلماذا لا
ندافع عن قطر؟!
وقطر
هي بلد الأمان، فلا يفقد المرء الأمن إلا عندما تكون التهديدات خارجية، سواء كما
حدث في الحصار أو كما حدث من جراء العدوان الإيراني عليها، ولا يفقد المرء مع هذا
الشعور بالأمان كلية، فنحن أمام دولة تقوم بمسؤولياتها أمام أبنائها والمقيمين على
أرضها من خلال دفاعات متطورة تصد هذا العدوان وتحبط محاولاته. فلماذا لا ندافع عن
قطر؟!
ولأن
قطر بلد استثناء، فإن من عاشوا فيها فترات طويلة يجدون صعوبة في العيش خارجها، حتى
وإن كان البديل دولة أوروبية، ولهذا فإنني أنصح من وصل أبناؤهم لمستوى التعليم
الجامعي بأن يرسلوهم ليكملوا دراستهم في بلدانهم ليروا أن الدنيا ليست كلها قطر،
فلماذا لا ندافع عن قطر؟!
وقطر
بلد يقيم على أرضه عدد كبير من قيادات المقاومة الفلسطينية على الرحب والسعة،
وحكومتها في مقدمة الداعمين لغزة وأهلها، فأي بلد في العالم العربي أرسل مسؤولا
لديه إلى القطاع ليقف مع المساعدات على المعبر في انتظار فتحه لأيام وأسابيع في
المرة الواحدة كما فعلت قطر ووزيرتها لولوة الخاطر؟ وعلى مستوى المجتمع المدني فإن
القطريين من أكثر الناس تبرعا لغزة، أفرادا وجمعيات، فلماذا لا ندافع عن قطر؟!
قضية
القواعد الأمريكية
ونأتي
لموضوع القواعد العسكرية الأمريكية التي يراها البعض تمثل مبررا موضوعيا للعدوان
الإيراني، ومن حسن الحظ أن قطر ليس فيها سفارة إسرائيلية، إذ لكان المبرر مضاعفا.
وماذا لو استهدفت إيران السفارة الإسرائيلية في القاهرة؟ أليس هذا عدوانا على
السيادة المصرية؟ ولن يقبل به المصريون قبل حكومتهم!
والبعض
يتصور أنه يُحرج قطر والخليج لمجرد أن يذكر القواعد الأمريكية، وهذا خيال، فنحن لم
نسمع عن قاعدة العديد لأول مرة سوى من الجزيرة، وعدد المرات التي ذكرها فيصل
القاسم في السنوات الأولى لهذا الاسم لا تُعد ولا تُحصى، متقمصا شخصية الآخر في
لاتجاه المعاكس!
وهذه
القواعد للأسف فرضتها ظروف قاهرة، وهي ظروف مختلفة من بلد إلى آخر، ولا يخفى على
أحد أن إيران مثلت خطرا على استقرار الحكم في منطقة الخليج، وهذا ليس ادعاء كاذبا،
فمع بداية الثورة الإيرانية كان الحديث عن تصديرها لدول المنطقة، ولهذا فقد رأى
العرب في صدام حسين حامي البوابة الشرقية عندما خاض حربا طويلة ضد طهران، انحازت
له فيها معظم الدول العربية بما فيها مصر خوفا من الخطر الإيراني، وهو الخطر الذي
دفع سلطات الأمن المصرية لتصنيف الشيعة تنظيما يهدد أمن وسلامة الوطن ويعمل على
قلب نظام الحكم بالقوة!
ولم
تكد الحرب العراقية الإيرانية تلقي أوزارها حتى صار الخطر مضاعفا بعد اجتياح صدام
حسين لدولة الكويت! والقواعد الأمريكية في الكويت كانت
على خلفية هذا الاجتياح، كما كانت قاعدة العديد في قطر بسبب تهديد الأشقاء، بما في
ذلك مصر، في واقعة معروفة جرت في عهد مبارك، لن نستدعيها حتى لا نجدد الأحزان!
ولعل
السؤال الذي يطرح نفسه: ألم يحمِ وجود قاعدة العديد قطر من الغزو في الأولى، ومن
التمادي الإسرائيلي في الثانية في الهجوم بعد الهجمات الشهيرة؟!
والمهم
هنا أنه ليس صحيحا أن قاعدة العديد مثلا كانت مركزا لإطلاق الصواريخ على طهران،
فقد كانت الولايات المتحدة حريصة على إخلاء معظم القواعد من الجنود حتى لا تكون
أهدافا سهلة لإيران، التي لم تكن صادقة وهي تقول إنها تستهدف القواعد الأمريكية،
وقد تطورت أهدافها حتى صار من أهدافها الجامعات والشركات الأمريكية، وهل الخليج
وحده الذي توجد فيه هذه المؤسسات المدنية؟!
لقد
أثبتت تجليات الحرب أن القواعد مصدر تهديد لا حماية، وأن الخطر الإيراني على
المنطقة صحيح وليس من أساطير الأولين، وأن أمريكا تحتاج من يحمي مصالحها في
المنطقة، وليست قوة للحماية. وأعتقد أنه عندما تضع الحرب أوزارها فإن ما بعدها لن
يكون مثل ما قبلها، لكن يظل تقرير المصير بيد دول الخليج، مع الاعتذار لناشط على فيسبوك
لا يستطيع ترتيب سرير نومه ويظن أن الأقدار أهّلته لترتيب أوضاع العالم!
وقبل
هذا وبعده، فإن الدفاع عن قطر فرض عين لا كفاية، والامتنان لها لا يسقط بالتقادم،
فكما أن هناك من يظلم ليشتهر بالعدل، فهناك من يصمت ليتصف بالنزاهة، ولسنا جبناء
لكي نؤثر السلامة!
x.com/selimazouz1