في
كتب اللغة والنوادر فصلٌ عنوانه: "المُثنّى الدالّ على كائنين غير متشابهين"،
أو "ألفاظ مثنّاة تُحيل إلى شيئين بينهما جامع"، مثل: الداران؛ للدنيا
والآخرة، والثقلان، للإنس والجان. وأضيف إلى هذه المثاني "المُنتصِران"؛
وهما: الفرس والأمريكان. وأزعم أنهما أمّتان لا تُهزَمان، "وَلِكُلِّ أُمَّةٍ
أَجَلٌ".
خاضت
أمريكا حروبا كثيرة، ولم تنتصر إلا في ثلثها، وقد أجريتُ حسبة، فوجدتُ أنها منذ
تأسيسها سنة 1776 تخوض حربا كل 13 سنة تقريبا. وقد خاض رئيسها ترامب الساعي إلى
نوبل للسلام قبل شهرين حربا سريعة ضد فنزويلا، واعتقل رئيسها، ويُعتقد أن رويبضة
أمريكا يهرب من فضائح إبستين بالحرب. والراجح أن نتنياهو جرّه إلى
الحرب بتهديده
بفضائح إبستين، وكان ترامب قد وعد بالسلام، وزعم أنه أنهى سبع حروب، وسخر من بوش
وحربه على العراق، ويسعى إلى نوبل للسلام، والصواب إلى "نوبل للاستسلام".
انتصرت
أمريكا في حرب الاستقلال (1775–1783)، ثم خاضت الحرب البريطانية الأمريكية
(1812–1815)، ثم الحرب المكسيكية الأمريكية (1846–1848)، ثم الحرب الأهلية
(1861–1865)، ثم الحرب الإسبانية الأمريكية (1898). ودخلت القرن العشرين، فعاركت
في الحربين العالميتين، ثم الحرب الكورية (1950–1953)، ثم حرب فيتنام (1955–1975)،
ثم غزت غرينادا (1983)، وبنما (1989)، ثم حرب الخليج الأولى (1990–1991). وفي
القرن الحادي والعشرين غزت أفغانستان (2001–2021)، والعراق (2003–2011)، ثم عادت
إلى الحرب سنة 2014 ضد تنظيم الدولة.
أما
إيران فهي أمة باطنية، على النقيض من أمريكا الجاهرة والمحبّة للاستعراض حتى في
أفلامها. خاضت حربا طويلة مع العراق (1980–1988) انتهت بالتعادل في الخسائر، لكن
نصرها تأخر قليلا؛ حتى إن صدام حسين ألجأ طائراته إلى طهران صيانة لها من عدوان
التحالف الأمريكي على العراق، فاستعادت إيران بعض خسائرها. ثم خاضت حربا باردة
مكتومة مع أمريكا، ونالت منها مغانم في حرب تنظيم الدول، بالسماح لها بالتمدّد في
البلاد العربية. ويقال إن إيران اتّعظت من حربها مع العراق، ونذر قادتها ألا
يخوضوا حربا إلا عن طريق الوكلاء العرب، لكن لا مفر من القدر، وإذا جاء القدر عمي
البصر.
شاركت
إيران عبر وكلائها في سوريا واليمن ولبنان والعراق، فحصلت على أربع عواصم عربية من
غير خيلٍ ولا ركاب: دمشق وبغداد وصنعاء وبيروت. لكن وكيلها في لبنان هُزم
هزيمة
قاسية في معركة "البياجر" مع إسرائيل، وضُربت مفاعلاتها النووية بتعاون
أمريكي-إسرائيلي، غير أنها لم تُعلن الهزيمة التي نعرفها جميعا، بل أعلن إمامها أن
المفاعل بخير، وأن أمريكا "تظن" أنها انتصرت بقتل قادتها وعلمائها،
فإيران أمة لا تُهزم. يقال في الأمثال العامية: عمر الشقي بقي، وهما دولتان
شقيّتان.
يُطرَح
السؤال: ما الجامع بين النقيضين أو الكائنين غير المتشابهين؟
الجامع
هو أن كليهما يحبّ التمدّد والاستعمار، وكلاهما ينتظر المُخلّص. وهما عدوّان
قديمان منذ فجر التاريخ، وبينهما حروب طاحنة، أشارت إليها سورة الروم في القرآن
الكريم.
إن
أمريكا تنتظر عودة المسيح المخلّص، وإيران تنتظر المهدي المنتظر، وهما، في جوهر
المعتقد، شخصية واحدة باسمين مختلفين. وقد جمعت طائفة محدثة اسمها القاديانية
الأقنومين في شخص واحد، لكن من غير معجزات. كلاهما يفرش للمنتظر سجادة حمراء من
الدم، وكلاهما يُكرم العميل أكثر من المواطن؛ فأمريكا تُدلّل إسرائيل ومواطنيها
أكثر من شعبها، وإيران تُموّل وكلاءها وتمدّهم بالمال والسلاح، وشعبها جائع.
تقول
حكمة: "إذا أردتَ أن تحرم عدوّك من
النصر فابتسم"، وهذا ما تفعله أمريكا؛
انهزمت أمام أفغانستان وفيتنام، وتعثرت في العراق، وانكسرت في نصف حروبها تقريبا،
ومع ذلك تبتسم للكاميرا علشان الصورة، فلديها فائض قوة، وفائض إعلام يستر عورتها.
دُحرت
أمريكا في أفغانستان بعد عشرين عاما من الاحتلال، قُتل فيها ربع مليون أفغاني أو
أكثر، وخسرت أمريكا عشرة آلاف جندي وستة تريليونات دولار، ثم صوّرت أمريكا
الانسحاب كأنه ملحمة انتصار؛ فهي لفيض قوتها قادرة على تحويل الهزيمة إلى نصر.
رأينا آخر طائرة تقلع، والأفغان يلحقون بها كما يلحق الأطفال بعربة حنطور في يوم
عيد.
صرّح
الرئيس الأمريكي ترامب، قبل فترة يسيرة، برغبته في العودة إلى قاعدة باغرام الجوية
في أفغانستان. أمريكا هي التي أنشأت القاعدة، وندمت على تركها؛ لأنها نافعة لحربها
المنتظَرة مع الصين. ويظنُّ بعض المحللين من أصحاب نظرية المؤامرة أن المعركة
الأخيرة بين باكستان وأفغانستان من كيد أمريكا. الحياة كلها مؤامرات، حتى الزواج
لا يخلو من مؤامرات عاطفية.
أما
إيران فهي "أمة حزنٍ وبكاء"، ولها خزائن لا تنضب من الدموع. إن انتصرت
عبر حلفائها، كما في حرب 2006، نسبت النصر إلى الحسين وغوثه لها. وإن انكسرت، كما
في "البياجر"، استعادت صورة الحسين المظلوم وانتظرت المهدي، وحوّلت
الهزيمة إلى مندبة عظيمة لا تقل صخبا عن أعراس النصر.
الدولتان
المذكورتان سليلتا نسب إمبراطوري؛ فإيران سليلة الفرس الكسروية، وأمريكا سليلة
الروم، وكلاهما ذو دُهن.
تقول
تحليلات مبكرة إن أمريكا هُزمت بعد امتصاص إيران للصدمة الأولى، وتقول أخرى إن
أمريكا لن تقبل بالهزيمة وستضرب إيران بالنووي إن اضطرت. لكن ذلك في علم الغيب،
والمحللون المجتهدون، الذين يحرصون على الظهور كل يوم في بثوثهم، بحاجة أو من غير
حاجة، يقولون إنّ أمريكا إن حوصرت ستستخدم النووي، وترامب رجل مضطرب قادم من عالم
القمار والمراهنات وحلبات المصارعة. ويقول آخرون إن مصانع السلاح الأمريكية وراء
الحرب، وقسم ثالث يقول: هو الذهب الأسود، ورابع يقول: لا نتنياهو ولا ترامب، إنما
الأخ الأكبر في الدولة العميقة (السرداب الأمريكي). وقسم خامس يقول: إن الغرض هو
تفكيك إيران لفتح ممر على وسط آسيا وجبهة الصين، وإن السنّة سيعيشون سنوات زاهية،
وسيخرج علماء السعودية المعتقلون من السجون، وكذلك الإخوان المسلمون، وأن أمريكا
ستطبع علاقاتها السياسية مع أفغانستان قريبا، لكن لم أجد واحدا يقول عبارة كان
يكررها العلماء الأسلاف: والله أعلم، أو إن الحياة ليست سيناريو في استوديو، فقد
تخرج الأمور عن سيطرة المخرج الأعور القابع في السرداب الأمريكي وهو يداعب هرته.
إن
إيران التي صنع أسلافها لعبة الشطرنج، والسجاد العظيم، وإن أمتها أمة الصبر
والانتظار والجلد، تقارع أمة الغضب، والنووي، والسرعة والتسرع، والحمق، وقد عاد
الصراع القديم بين الفرس والروم، ولعل السلحفاة ستسبق "البلاي بوي" كما
في الحكاية. تعيش
السلاحف قرنا أو يزيد، في حين أن الأرنب يموت في عقد.
هما
لا تُهزمان، والهزائم لا تُرى على الأقوياء، نحن الذين ننهزم، فنحن الضحية ونحن
الغنائم والأسرى.
أمر
آخر: إن أمريكا توصف بأنها أعظم ديمقراطية لأنها تنتخب رئيسها (انتخابات مشبوهة
ومعقدة)، بل لأنها تنتخب رؤساء وملوك الدول النفطية أيضا.
x.com/OmarImaromar