قال
كاتب هذه السطور في هذا المنبر الكريم إنّ هوليود هي كتاب أمريكا المقدس، والممثلين
هم أنبياؤه المقدسون، بل والمدنسون أيضا، وبرهان ذلك أنَّ وزير الحرب الأمريكي بيت
هيغسيت، ذي الكنية الصعبة لفظا بالعربية، وصاحب الوشوم الكثيرة، استشهد بعبارة من
الإنجيل، وسرعان ما انتبه المشاهدون إلى أن "الكافر" (لفظ عربي وشم به
ساعده متباهيا)، لم يقتبس العبارة من الإنجيل، بل من
فيلم "بلب فيكشن" للمخرج
الشهير كوينتين تارنتينو. وبلب فيكشن تحفة سينمائية يصنفها النقاد ضمن قائمة أفضل
عشرة أفلام عالمية، وهو فيلم متراكب على غير معهود الحبكات السينمائية، ويصنف أيضا
في قائمة أفلام "النوير"، والكوميديا السوداء، وهو حالنا مع أبي كاليبتو
البرتقالي الذي اصفّر لونه، والحائر بين إعادة إيران إلى العصر الحجري، والعصر
الذهبي، الرجل محتار. وندعو الله أن يرسي أبو كاليبتو على برّ.
ظهر
ترامب
السينمائي المؤمن، ومن غير وشوم على خلاف زير الحرب "الكافر"، مبكرا،
بوصفه رجل أعمال، وصاحب فنادق في فيلم "وحده في البيت" الكوميدي، في
مشهد عابر، وإن كان فيلم بلب فيكشن (ترجمته العربية خيال رخيص) يوافق الحال، ويشخص
المآل، فهو يشبه أبطال الفيلم، الأتقياء المجرمين الذين ينوسون بين الإيمان والكفر.
لنذكر أن "جلز" في الفيلم لا يأكل لحم الخنزير، ويستشهد بآيات الإنجيل
لكن "الكافر" هيغسيت (مثل قول محمد سعد في فيلم خالتي فرنسا للسائح: I'm
a donkey) لم يكن يعلم أن تارتنتيو يختلق آياته اختلاقا، كما أنّ فيلم "كاتش
مي إيف يو كان" يوافق حاله أيضا، فترامب متهرب من الضرائب، وهو أحد "ذئاب
وول ستريت" (اسم فيلم) وقد صار رئيسا للعالم، ولا يمكن القبض بسبب الحصانة
الرئاسية، وقد سخر دونالد أبو كاليبتو من قرار محكمة ألغت أمرا من أوامره بطرد
لاجئين تبيّن أنهم مواطنون. وذهب بعيدا فصور نفسه بالذكاء الاصطناعي قديسا، ثم على
هيئة المسيح، وظنّنت مثل كثير من المشاهدين أنَّ الأمر حيلة ساخرة، وفوتوشوب، أو ذكاء
اصطناعي، وغارة تصويرية على ترامب من خصومه، لكنه نشرها على قناته "تروث"
متفاخرا، ثم حذفها، فهو رئيس وقديس وطبيب وإعلامي، مثله مثل المحتال النابغة فرانك
أباغنيل في فيلم "كاتش مي إيف يو كان" الذي تظاهر بأنه طيار وطبيب ومحام
واستطاع سرقة ملايين الدولارات قبل بلوغه العشرين!
وقد
يشبه في بعض أخلاقه الكثيرة، "فوريست كامب"، فهو يوحي بالطيبة وحبّ
السلام، وهو يشبه أيضا بطل فيلم "أن تكون هناك" (Being
There)، المُنتج عام 1979، وهي تحفة سينمائية كلاسيكية أظهرت تأثير
الإعلام على السياسة والمجتمع، وشخصت بلادة السلطة الأمريكية، وسطحية الإعلام،
وسذاجة المجتمع.
يروي الفيلم
الكوميدي الدرامي الساخر قصة بستاني من العامة لا يعرف شيئا عن العالم سوى التلفاز
(ترامب من عالم التلفاز أيضا) يُجبر على الخروج للعالم الخارجي، فيذهب الناس في
تفسير أقواله تفسيرات الحكماء، فيصبح مستشارا سياسيا مؤثرا في المشهد السياسي، ومرشحا
للرئاسة. وهي قصة مقتبسة من رواية عام 1970 للكاتب جيرزي كوسينسكي.
إن
شبح بطلنا أبو كاليبتو (كاليبتو ليس أخو إيفانكا بالرضاعة) يشبه أيضا بوجه من الوجوه
أبطال فيلم: "قبل أن يعرف الشيطان أنك ميت" بالإنجليزية: (Before
the Devil Know You're Dead) وهو فيلم سرقة، ونوار، ودراما، صدر في
2007. وقد ظنَّ ترامب مثل أندي في الفيلم أنَّ أمر عملية سرقة متجر أبيه عملية
سهلة مثل عملية فنزويلا، لكنها ما لبثت أن انقلبت إلى مأساة، فعلق في زور مضيق هرمز،
حلق العالم.
قد
يكون مضيق هرمز يشبه أفلام البحث عن "الكأس المقدسة" أو "السيف المقدس"
أو أمثالها من الأفلام التجارية. إنَّ "أبو كاليبتو" -وهو اسم ليوم القيامة،
واسم فيلم شهير لفرنسيس كوبولا، واسم فيلم لميل جيبسون- حاضر في المشهد، وقد كان الأمريكان،
وقبلهم الإيرانيون يعدّون طبق يوم القيامة بإشعال نيران الحروب في مطابخ شركات الأسلحة،
لتمهيد الطريق للمسيح المنتظر أو المهدي المنتظر، والحروب إذا اشتعلت يصعب إطفاؤها،
إذ تتحول إلى ثأر، وتمتد إلى مناطق وأمكنة أخرى.
نعرف
كثيرا من خصائص الشخصية الأمريكية التي جسدتها الأفلام الأمريكية، أو التي كونتها
وبنتها ورعتها السينما الأمريكية؛ الأمريكي غضوب، حانق دوما، يشتم كثيرا بذلك
اللفظ الذي يترجم إلى العربية باللعنة، الأمريكي في الفيلم يأكل وهو يمشي، يشرب
وهو يمشي، يخون زوجته، وزوجته تخونه، ينقلب على العهد، يدخن طبعا، متدين، لكن
تدينه موقوف على ذكر اسم "كريست" و"جيسس"، أحيانا على كريست
جيسس، يشتم كثيرا، يرتكب جريمة يظنُّ أنها الجريمة الكاملة، كما في فيلم
"اللعبة"، لكن الجريمة الكاملة مستحيلة؛ قد ينجو من العقاب لكنه لا ينجو
من الفضيحة.
يتطهر
ترامب من الذنب بحائط المبكى، أو بقبعة "الكيبه" أو بذكر آية من إنجيل
تارنتينو، وقد خاصم أمس بوب الكنيسة الكاثوليكية، وذكر أنه قادر على إسقاطه لكنه
لسماحته سيغضي عنه فذكّرنا بفيلم العرّاب أيضا.
كان
اليسار الأمريكي في عهد بايدن الكاثوليكي يحكم وفق المؤسسات، وإن كان قد حاد كثيرا
عن الدين، لكنه كان يظهر التدين، وكان حكام الولايات في عهده ملونين؛ بيضا وسمرا،
من غير نظر إلى وسامتهم كما في عهد ترامب الذي يحبّ "الشو" والجمال؛
دليل ذلك الحسناء كارولين ليفيت التي اختارها ناطقة بلسان البيت الأبيض. وقد قيل إن
أمريكا طائرة من غير طيّار (سوريا في عهد الأسد كانت دبابة من غير دباب)، لكنها لم
تعد كذلك، فترامب يغار من كيم إيل جونغ، وهو قادم من التلفزيون، ويغازل حتى ابنته إيفانكا
أخت كاليبتو!
قد يذكرنا
ترامب البرتقالي بـ"الرجل الأخضر"، فهو يغضب ويهدد وينتفخ، ثم يعود إلى
حجمه الطبيعي، وقد يذكرنا أيضا بفيلم "حدث ذات مرة في أمريكا"
(بالإنجليزية: Once Upon a Time in America)
هو الأخير من إخراج سرجيو ليون، من بطولة روبرت دي نيرو عام 198. يروي الفيلم قصة ظهور
العصابات في المجتمع الأمريكي وترشح عضو عصابة لمجلس الشيوخ، لولا أنّ ماضيه
يلاحقه بالعار، كما يلاحق الماضي ترامب ويكدّر عليه عيشه ويهدّد مجده.
ترامب
طفل في الثمانين، التصفيق والمدح يحول الرؤساء إلى أطفال. يمتهن الطفل الثمانيني
في أرذل العمر "ستاند أب كوميدي" على أبواب طائرة "اير فورس ون".
وقد يذكرنا
الخيال الرخيص بفيلم "السريع والميت"؛ السريع هو ترامب والميت هو خامنئي
لكنّ خامنئي لا يموت، وقد يذكر أيضا ببطل فيلم "التيرمنتيور"- الجزء
الثاني، وترامب هو حارس جون من الشرير المصنوع من المعدن السائل، والقادر على ترميم
شكله. إنّ جون في الفيلم هو مضيق هرمز، أو النفط في الفيلم الطويل الذي نراه على
نشرات الأخبار.
ترامب
يذكّرنا بكثير من أفلام الخيال الرخيص والثمين الأمريكية، فهو أمريكي نمطي، وقد
ذكرتنا زوجته الحسناء ميلانا بفيلم أمريكي، عندما ظهرت قبل أيام على وسائل
الإعلام، في غفلة عن زوجها وبرأت نفسها من فضائح إبتسين، وطالبت الكونغرس بالتحقيق
في فضائحه. الفيلم هو "أمريكان بيوتي" الذي أفضّل ترجمته إلى "حلاوة
أمريكية"، من غير طحينية طبعا.
اللمبي
الأمريكي دمه شربات.
x.com/OmarImaromar
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.