زارني في المنام
حبيبي، أبو الطيب المتنبي، وقال لي: لا تجعل الوشاة يتسببون في قطيعة بيننا، بزعم
أنني هجوت جدك كافور الإخشيدي بقسوة بالغة، في قصيدتي التي مطلعها:
أريك الرضا لو أخفت
النفس خافيا / وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا
في حين أنني، ومن
باب إثبات أنني المتنبي عن جدارة، أوصيت لك في تلك القصيدة، ببيت موجه منك، إلى
الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب:
أمًيْنا وإخلافا
وغدرا وخسة *** وجٌبْنا أشخصا لحت لي أم مخازيا؟
والمَيْن، بتسكين
الياء هو الكذب والخداع والتضليل، وهكذا ومن تحت التراب، استطاع أبو الطيب أن يقول
في عشر كلمات ما عجز عنه عتاة الصحفيين والمحللين السياسيين والعسكريين في ترامب.
يقول مركز بوليتيفاكت الأمريكي المعنيّ باستقصاء الصدقية في الأقوال والأفعال، إن ترامب جعل عام 2025 العام الذي شهد أكبر عدد من الأكاذيب في التاريخ المدوّن، "عام الكذب"، وكانت صحيفة واشنطن بوست قد رصدت 30,573 كذبة لترامب خلال ولايته الأولى (2017 ـ 2021).
نشرت لي
"عربي21"
في عددها ليوم 24 تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2018، مقالا بعنوان "فاسد في
نفسه مفسد لغيره"، وكنت قد سمعت هذه العبارة لأول مرة في المرحلة الثانوية،
عندما سجلها مشرف على صف دراسي، كملاحظة في أسفل ورقة نتيجة امتحانات نهاية عام
دراسي، لطالب كان متفلتا وعابثا باللوائح والنظم المرعية، ونجح في استقطاب ثلة من
الطلاب لأنشطته العابثة، وقد أثبت ترامب خلال ولايته الأولى والحالية أنه فاسد في
نفسه مفسد لغيره، لأنه وبحكم مسمى وظيفته الفخم، علم في رأسه نار شديدة الضرام،
عظيمة الشر والشرر، ولم تعد الحرائق التي يتسبب فيها محصورة في دهاليز الحكم في
واشنطن، بل امتدت إلى جميع الولايات، ثم عبرت الحدود إلى قارات أخرى، وما من نذالة
وخسة وضعة أكبر من أن يوظف ترامب حربه التي أشعلها ومعه خدنه الحميم نتنياهو رئيس
حكومة إسرائيل متسببا في هلاك الزرع والضرع، في إيران ودول الخليج العربية، لإثراء
نفسه وبطانته، كما فعل عندما أعطى ايران مهلة 48 ساعة لرفع يدها عن مضيق هرمز،
"وإلا سيدمر مرافق الماء والكهرباء في ايران" فصعدت أسعار الوقود السائل
والغازي صاروخيا، وكان وقتها قد أبلغ خلصاءه من اهل المال بأن يراهنوا على تلك
الأسعار، وقبل سويعات من انقضاء المهلة قام بتمديدها لخمسة أيام، فنزلت تلك الأسعار
عموديا، وفاز خلصاؤه بمئات الملايين، وما من دليل على أن ترامب اعتزم ممارسة
الفساد فور عودته الى البيت الأبيض قبل عام ونيف، من انه وفور أداء القسم قام
بإنهاء خدمات 17 من كبار مسؤولي الرقابة على المال العام.
وفي التاسع من آب/
أغسطس من العام الماضي كان عنوان مقالي هنا في
"عربي21" "فاسدة في
نفسها مفسدة لغيرها"، وقلت فيما قلت إن نظام الحكم الأمريكي وُلِد فاسدا، وشب
وترعرع فاسدا، وجلوس صاحب سوابق إجرامية على كرسي الرئاسة في واشنطن، دليل قاطع
على ان الناخب الأمريكي، لا يرى في فساد البطانة الحاكمة ما يشين وما يوجب حرمانهم
من مناصبهم. وإن سوس الفساد ظل ينخر في جسم البرلمان الأمريكي، الكونغرس، بغرفتيه
(مجلس النواب ومجلس الشيوخ) منذ القرن التاسع عشر، وأن الآليات السياسية في
الولايات المتحدة تدور بشحوم وزيوت الرشا التي يتولى أمرها اللوبي الصهيوني
والمليارديرات وشركات صناعة الأسلحة، وهم الثالوث الذي ساق ترامب من أذنيه ليشن
الحرب على إيران.
يقول الكوميديان
الأمريكي ديفيد تشابيل إن ما يميز ترامب عن غيره من السياسيين الفسدة، أنه
"كاذب أمين"، يعني بذلك أنه يكذب "على المكشوف"، ولا يجد حرجا
في الجهر بكذبه وفساده، فعندما واجهته هيلاري كلينتون التي كانت تخوض الانتخابات
الرئاسية عن الحزب الديمقراطي، في عام 2016 ضده، في مناظرة، بأنه يزور مستنداته
المالية تفاديا للضرائب، رد ترامب: ذلك لأنني ذكي. ولا يعرف التاريخ في أي مكان
رأس دولة غير ترامب يستغل منصبه لممارسة التجارة في الأحذية والساعات والقبعات
والشموع والأكواب والقمصان والخمور.
خلال السنوات الخمسين الماضية كذب العديد من الرؤساء الأمريكان: دوايت آيزنهاور كذب بشأن طائرة تجسس أمريكية تم إسقاطها في أجواء الاتحاد السوفييتي، وكذب ليندون جونسون لتبرير سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام، وكذب بيل كلينتون لإخفاء علاقاته الجنسية. في حين أن ريتشارد نيكسون مارس الكذب في فضيحة ووترغيت، وكذب جورج دبليو. بوش بشأن امتلاك عراق صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل تبريرا لغزوه. ولكن ترامب بالمصري "حاجة تانية خالص"، فهو يكذب ويمارس التضليل وليّ أعناق الحقائق طوال ساعات صحوه.
من المسلمات في
جميع البلدان أن السياسيين يكذبون، ولكن الكاتبة الأمريكية كارول ماكغراناهان تقول
في مجلة "أميريكان إثنولوجيست" إن "دونالد ترامب مختلف" عن
بقية السياسيين، لأنه أكثر "كذاب فعال وضليع في أكاذيبه". بينما يقول
المؤرخ الرئاسي دوغلاس برينكلي من جامعة رايس إن الرؤساء السابقين للولايات
المتحدة "كذبوا وضللوا البلاد" بالتأكيد، ولكن لم يكن أي منهم "كاذبًا
متسلسلًا" كما ترامب لأنه "يتخذ الكذب سياسةً له"، و"سيقول أي
شيء" ليرضي مناصريه أو يرضي نفسه.
خلال السنوات
الخمسين الماضية كذب العديد من الرؤساء الأمريكان: دوايت آيزنهاور كذب بشأن طائرة
تجسس أمريكية تم إسقاطها في أجواء الاتحاد السوفييتي، وكذب ليندون جونسون لتبرير
سياسات الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام، وكذب بيل كلينتون لإخفاء علاقاته
الجنسية. في حين أن ريتشارد نيكسون مارس الكذب في فضيحة ووترغيت، وكذب جورج دبليو.
بوش بشأن امتلاك عراق صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل تبريرا لغزوه. ولكن ترامب
بالمصري "حاجة تانية خالص"، فهو يكذب ويمارس التضليل وليّ أعناق الحقائق
طوال ساعات صحوه.
يقول مركز
بوليتيفاكت الأمريكي المعنيّ باستقصاء الصدقية في الأقوال والأفعال، إن ترامب جعل
عام 2025 العام الذي شهد أكبر عدد من الأكاذيب في التاريخ المدوّن، "عام
الكذب"، وكانت صحيفة واشنطن بوست قد رصدت 30,573 كذبة لترامب خلال ولايته
الأولى (2017 ـ 2021).
أضف إلى هذا السجل
المخزي، غزواته للقاصرات، ونزواته مع العاهرات، وسوابقه الجنائية، وجهالته الجهلاء
وضلالته العمياء، وقلة عقله التي تجعله يقف أمام الكاميرا متباهيا بأن سيدة
فنزويلية تنازلت له عن "جائزتها" للسلام التي جاءتها من "لجنة
نوبل"، وفرحه الطفولي عندما فبرك له الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، ما
أسماها بجائزة الفيفا للسلام، وبئس المانح والممنوح.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.