يكاد
يُجمع المحللون السياسيون على أنّ هناك صراعا دينيّا بين واشنطن وطهران، أو تحولا
إليه، وطلبا للدنيا بالدين، حتى إنَّ
ترامب أطلق على حملته الحربية على
إيران اسم
"الغضب الملحمي"، استدعاء للملحمة الكبرى، وإشعالا لمعركة هرمجدون أو
جبل مجدّو، وهي معركة ستقع قبل قدوم المسيح المخلِّص، أو إغراء له حتى يعود. أمّا
الردّ الإيراني العسكري فأُطلِق عليه اسم "الوعد الصادق"، وهو سلسلة من
الوعود مثل مواسم المسلسلات.
يبدو
كأنَّ الطرفين يستعجلان عصر الملاحم، واستدراج الأقدار إلى الفتن الكبرى، لتصديق
الوعود والنبوءات، وهي نبوءات مركزية في المذهب الشيعي، تُبيِّن ذلك أدبياتُهم
وسردياتهم، وكذلك في الديانة البروتستانتية الإنجيلية التي تُظهرها الأخبار، ليس
آخرها تصريحات وزير دفاعهم صاحب العضلات المنقوشة بالوشوم، وصلاة الجماعة في البيت
الأبيض يؤمهم إمام "السلام" دونالد ترامب صاحب العبارة السحرية
"لنجعل أمريكا عظيمة مرة ثانية"، بل وإيران أيضا!
تسعى واشنطن بقيادة ترامب إلى تعجيل يوم القيامة وتحضير المسيح، وكذلك يفعل "ملك" إسرائيل بنيامين نتنياهو
لا
حرب من غير حضورٍ للدين، حتى إنَّ ستالين الشيوعي الملحد استعان برجال الكنيسة في
حربه على النازية. وبما أنَّ الشيء بالشيء يُذكَر، فإن أقدار الملوك في طهران
وواشنطن وإسرائيل قريبا، تُذكِّر بمسرحية شكسبير الشهيرة
ماكبث التراجيدية
المأساوية، التي بُنيت حبكتها على نبوءة.
إن
توافق مصائر ملوك إيران وأمريكا وإسرائيل يُشبه مصائر ماكبث وصحبه في المسرحية
الشهيرة، "القذّة بالقذّة".
ملخص
مسرحية ماكبث
يلتقي
القائد العسكري ماكبث بثلاث ساحرات يتنبأن له بأنه سيصبح ملكا. في البداية يتردد
في الإيمان بشعوذاتهن، لكن زوجته الليدي ماكبث تدفعه إلى تحقيق النبوءة بنفسه؛ أمر
يشبه إغراء حواء لآدم في المرويات التوراتية.
وقد
خُلِق الإنسان على عجل، فيُقرِّر استعجال الأقدار، فيقتل ضيفه الملك دنكان غدرا،
فيصبح القاتل ملكا بعد اتهام حارسيه بقتله.
يعيش
ماكبث في خوف دائم من فقدان العرش الذي حصل عليه من وجه غير شرعي، فيبدأ بقتل كل
من يشكّ في تهديده، والجريمة تجرّ الجريمة، ويبلغ به الأمر قتل صديقه بانكو شريكه
في النبوءة. ثم يتحول إلى طاغية تلاحقه الهلوسات والكوابيس، فيثور عليه النبلاء
بقيادة ماكدوف، فيُقتل في المعركة وتنتهي المأساة. أما زوجته فتصاب بالجنون بسبب
الشعور بالذنب.
عبرة
المسرحية
الطموح
الجموح يؤدي إلى الهلاك المحتوم، ولا يمكن محايلة الأقدار أو استعجالها بالشر،
يمكن تقديم الساعة في التوقيت الصيفي ساعة واحدة توفى في الشتاء، لكن تقديم الزمن
دهرا أمر مختلف، وهي حكاية الصراع بين القدر والإرادة.
قد
تُحضِر وحشا عملاقا مثل كينغ كونغ من الأدغال إلى العاصمة الأمريكية، وقد تصطنع
وحشا مثل فرانكشتاين في المختبرات، لكن أمر المسيح بيد الله.
قصة
المسرحية تُمثّل رجلا بدأ بطموحٍ وحلمٍ حلال، لكنه تحوّل إلى قاتل وطاغية بسبب
رغبته في السلطة واستعجاله لها، وهو ما يوافق طموحات ملوك إيران الشيعية وملوك
الولايات المتحدة. فكلتا الدولتين توسعيتان، وتسعيان إلى تحقيق نبوءة قديمة مشكوك
بأمرها. الأقدار ليست برنامجا مثل برنامج "ما يطلبه الجمهور".
تطبيقات
على طهران وواشنطن
طهران
ارتكبت مذابح كثيرة في سوريا واليمن توطئة لحضور المهدي، ودعوته للخروج من سردابه،
وتُذكِّر بذلك دعواهم في كل مجلس وحديث وخطاب: "عجّل الله فرَجه".
وكذلك
تسعى واشنطن بقيادة ترامب إلى تعجيل يوم القيامة وتحضير المسيح، وكذلك يفعل
"ملك"
إسرائيل بنيامين نتنياهو ببقراته الحمراء الثلاث المستوردة من
المكسكيك.
وكان
شيخ فلسطيني حاصل على إجازة في الشريعة قد حاول حساب موعد تحرير القدس، فاستند إلى
حساب "الجُمَّل"، وهو حساب مأثور من الإسرائيليات لا يُعرَف له أصل
إسلامي، وتوقّع أن تتحرر فلسطين سنة 2022 بنسبة 96 في المئة، فلم يحصل ذلك.
ويذكر
المؤرخون أن أهل أمريكا الأصليين استسلموا لمصيرهم المحتوم المبني على أساطير،
نتيجة إيمانهم بزوال حضارتهم؛ إذ كانوا ينتظرون مهديا أو مسيحا، فما أن يظهر حتى
تزول حضارتهم، وكان "المسيح" هو الأبيض الغازي.
التحذير
الديني من التنبؤ بالغيب
التحليل
والتوقع غير التنجيم والنبوءات، وإن أصل علم السياسة هو التوقع، وقد نهى الإسلام
عن علم النجوم والرجم بالغيب.
إيران وأمريكا ومعها إسرائيل يستعجلون المستقبل، وقد تعبوا من الانتظار، وهم من أقوى القوى العالمية والإقليمية، وورثة حضارتين عظيمتين: روما وفارس، وطامعون في سلطة أكبر
إن
إيران وأمريكا ومعها إسرائيل يستعجلون المستقبل، وقد تعبوا من الانتظار، وهم من
أقوى القوى العالمية والإقليمية، وورثة حضارتين عظيمتين: روما وفارس، وطامعون في
سلطة أكبر، وصراعهما سببه أن سيفين لا يجتمعان في قراب واحد. والقراب هو الشرق
الأوسط، وسيف أمريكا الوحيد هو إسرائيل.
إن
شبح مصير ماكبث حام فوق خامنئي وطبقة من قادة إيران في طهران، كما يحوم فوق ترامب
الذي كان يحلم بجائزة نوبل للسلام، فالحروب تأتي بوقائع لا يمكن التنبؤ بها. إشعال
النيران سهل، لكن إطفاءها أمر شاق.
وقد
وقع ترامب في مأزق يشبه مأزق جونسون في فيتنام، والغالب أنه سيهرب من جريمة إلى
جريمة مثل ماكبث؛ الذين يحاولون تهدئة الحرب يحلمون.
قال
أبو العتاهية في القدر:
لا
تَقُلْ في غدٍ: هذا يكونُ ولا يكونْ فالغدُ
الغيبُ، والأقدارُ سرٌّ مصونْ
كانت
إيران تطلب المنتظر، واستعجلت خروجه من سردابه الذي اعتكف فيه قبل ألف سنة، فاختفى
مرشدها الروحي حرصا على حياته! وقيل إنّ نتنياهو اختفى أيضا عدة أيام، وإنه يعيش
في طائرة، لا في الأرض ولا في السماء، خوفا من القصف، أما ترامب الذي كان ينوي أن
يهرب من حرائق الشرق الأوسط فقد أشعلها من جديد، ونسي نوبل للسلام.
إنَّ
من يستعجل المخلّص والمنتظر كأنه يطلبه "ديلفري"، ويرى أنّ من حضر هو
الأعور الدجال.
x.com/OmarImaromar
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.