الفرعونية الحديثة

نور الدين العلوي
"الترامبية فرعونية محدثة"- جيتي
"الترامبية فرعونية محدثة"- جيتي
شارك الخبر
نهرب من الخوض في الحرب، فلسنا إلا متفرجين تجري الحروب على أرضهم منذ قرنين فيتابعون الصور. إلى أين ستنتهي حرب الأمريكان والصهاينة على إيران؟ كيف لنا أن نصوغ توقعا سليما إذا كان مثير الحرب نفسه لا يملك لها خطة؟ سيكون هناك خراب عظيم وهذه لا تحتاج علما لنتوقعها، أما ما بعد الخراب فأمر نتواضع دونه فننأى عنه إلى محاولة فهم سر هذا التركيز الجنوني على تدمير الشرق الأوسط سكانا وثقافة وبيئة ومستقبلا.

موسى وفرعون: قصة قديمة لا تموت

في هذا الشرق ولدت أسطورة قديمة رماها مشعوذ في الحديث عن طفل سيقتل الفرعون، طفل مخصوص من قوم مخصوصين؛ انتهت الأسطورة بمذبحة وتهجير ثم موت الفرعون. نهاية سارة للمضطهدين، وعد إلهي؛ يتحقق شفاء الغليل والخلاص ثم يكون المجد، لكن النهاية السعيدة للأسطورة أخفت سيرة كاملة سنسميها الفرعنة.

الفرعنة تتأسس -وللغرابة- على الخوف، والخوف نتيجة مباشرة للجهل حيث يمكن لمشعوذ رث أن يبث رعبا قاتما حوله ليعيش منه. يُنتج الخوف السعي إلى الاحتماء وراء شجرة أو وراء كرسي حكم، هنا تتحول السلطة ولو كانت قليلة إلى سعي دائم على التوقي من شر مجهول (أو مصطنع) أي غير واقعي. يفرط الخائف المحتمي في وسائل التوقي، فيكون الاستباق بالاضطهاد ويكون القهر المنهجي (قتل الأطفال واستحياء النساء) حتى يبلغ الأمر بالخائف إلى ادعاء الربوبية فيحكم على العالم "لا أريكم إلا ما أرى".

هروب دائم إلى إمام مجهول ينتهي بالكارثة؛ هذه القصة الأولى التي لم تنته لكنها غيّرت مظهرها واحتفظت بآليات التخويف المفضي إلى القهر وإلى "ما أريكم إلا ما أرى" وأنهار من دماء.

الترامبية فرعونية محدثة

تظهر لنا الفرعنة الآن في المركزية الأوروبية (الغربية) التي تكشفت عن الاستعمار الغاشم، ثم تكثفت في الاستعمار الاسيتطاني في أرض فلسطين، وهي تواصل الانكشاف بالقول إن عرب النفط لا يستحقون نفطهم وقد وجب الاستيلاء عليه أو بالأحرى استعادته، فهو مملكوك بقانون الطبيعة -لا بقوانين الاجتماع- للأذكي والأقوى وبالتالي للأحق أي الغرب (الذي يحيي ويميت). هكذا قالها جورج بوش وهو يدخل العراق هؤلاء القوم يملكون ثورة لا يستحقونها.

ما يفعله ترامب الآن بإيران وبالمنطقة عموما هو إعادة كتابة تلك الجملة "البوشية"، وهذه الجملة ليست يتيمة بل لها آباء وأمهات، فهي سليلة جملة التنوير الغربي الأوروبي مند قرنين. المتنورون يحق لهم بل يجب عليهم تنوير المظلمين، أي إخراجهم من ظلمات جهلهم إلى النور الغربي وهو النور الوحيد (لا أريكم إلا ما أرى).

التنوير يقي من الجهل أي من الخرافة وكل فكر مظلم، هذا التنوير لم يحل محل الخوف فلم يصمد (كأسطورة عقلانية)، لذلك وجب إعادة احياء الخوف فالنور مهدد دوما بالظلام. لا بأس بالتركيز على الإرهاب أخ الظلام، لنربط الإرهاب بثقافة محددة (الإسلام) وهو مرتبط مسبقا بجغرافيا محددة (الشرق الأوسط)، ولنرفع الصوت عاليا: حضارة الغرب في خطر من هذا الإسلام العربي الذي يغرق العالم في الإرهاب الأسود.. اكتملت الخرافة بالطائرة والبارجة والدبابة والصاروخ العابر، فالخوف سيد العالم.

يتضح وجه فرعون الحديث، هذه المركزية الغربية التي تغير وجهها وتحتفظ بروح الاحتقار الأزلي للشعوب (منذ الباكسا رومانا المؤسسة لمجد روما ولقهر الشعوب)، وفرعون الحداثي (بسحنته الترامبية) يقول مستقبل العالم هو أنا، خلاصة نور الغرب وصناعته، ومن لم يتنور بنور الغرب (أو ترامب) فهو في ظلام شديد ويكتبها ترامب بإنجليزية التجار (لا أريكم إلا ما أرى).

ماذا لو خرج الخائف من خوفه

ماذا لو امتلك المختلف سلاحا فعالا يكسر الخوف والتخويف ويتكلم بندية مع المركزية بكل صيغها وآخرها الترامبية، ويطعن في أسطورتها المؤسسة بأسطورته الخاصة. إذا انتفى الخوف ينجو المضطهدون وتضيع الفائدة من اضطهادهم أو استعبادهم، وتقوم البورصات بترجمة النص إلى أرقام. إذا ملك أهل النفط نفطهم ملكوا عقولهم وقلوبهم، وكلما ملكوا عقولهم ملكوا نفطهم وصارت لهم سرديتهم فكسروا سردية المركزية والتنوير وآخر صيغها الترامبية، أي كذبة تفوق الغرب بالذكاء والعبقرية (الأسطوانة إياها).

هنا يُفهم ترامب وحربه كفصل إضافي مكرر من الانقلاب على محمد مصدق ومن العدوان الثلاثي بعد تأميم القنال، وهو نسحة من كل انقلاب عسكري منظم من المخابرات الغربية في بلد (أي بلد) يحاول بناء سرديته الصغيرة الخاصة ليوفر لقومه بعض الخبز والكرامة. وهنا يُفهم التخويف من كيان الإرهاب والترهيب في المنطقة المتنمرة على سردية المركزية الرافضة للذوبان.

هنا سبق أن كتبنا أن حرب الطوفان كانت حربا ضد المركزية والكيان أداتها، والطوفان مهد للحرب الجارية وسيكون وراء كل حرب قادمة في الشرق أوسطه وأدناه، حتى تسقط السردية ويغرق فرعونها في يمّه، ومن لم يبنِ على الطوفان لن يذهب بعيدا.

يحتاج المضطهدون إلى الإيمان بسرديتهم، ونرى الإيراني قد صدّق نفسه ويخوض حربه واثقا من حقه ومتخليا عن حساب السلامة الخاصة، هذا إيمان بنص مؤسس يتحول إلى صواريخ انشطارية، صورة إيمانه بحقه توازيها صورة متخل عن حقه يبحث عن السلامة فيبذل فيها مالا فلا ينال سلامته ولا يبقى ماله، حالة من الكفر بالذات أو لنخفف القول؛ صورة من التخلي عن التاريخ من فرط الخوف.

نتابع معارك تتوالى ضمن حرب طويلة لا تبدو لها نهاية حتى الآن، لكن التحرر من الخوف يؤدي بالقوة إلى تغيير الموازين، وترجمة التغيير انكسار سردية وقيام أخرى تنقضها وتنفيها. لقد حدث هذا مرارا ونراه يجري على المباشر وسيحدث دوما، لقد كفر موسى بفرعون فكسر سرديته وأسقط ربوبيته.

مررنا ذات يوم بقول لمظفر النواب (الخروج من الصمت يتم بكلمة مجازفة)، هناك من يقول الآن كلمته في وجه المركزية أو الفرعوية المستعادة ويكسب الكثير. لقد نوينا أن لا نكتب عن الحرب الجارية ولكن الشجاعة تبهرنا دوما، لذلك نبارك للشجعان أعيادهم فهم من يستحق التبريكات.

* المقال يعبر عن رأي كاتبه
التعليقات (0)