هل يتغير العالم نحو الأفضل؟

نور الدين العلوي
"حرب الأسبوع دخلت شهرها الثاني وأكلافها ترتفع على المهاجم"- جيتي
"حرب الأسبوع دخلت شهرها الثاني وأكلافها ترتفع على المهاجم"- جيتي
شارك الخبر
كثر في هذه الأيام المتنبئون والمستشرفون، وأظن أن هناك سحرة كثرا في المشهد هذا عدا عن المحللين الاستراتيجيين الذي يفهمون في كل أمر. هذا المقال يوشك أن يقترب من قولهم ولكنه يتواضع فيختار أن يكون حلما كبيرا يبدأ من جملة مغامرة: العالم يتغير ويسير نحو الأفضل، وضربة بداية التغيير العميق كانت الهجوم الفاتح للمغاليق المُحكمة يوم السابع من أكتوبر. نعم ذلك الهجوم هو فاتحة التغيير في الشرق الأوسط وفي العالم، وإليه سننسب كل ما يجري أمامنا من تغيير عميق ومصيري، وسنوضح ذلك دون ادعاء الاستشراف السحري.

هجوم الانتقال من الدفاع إلى الهجوم

بعد سنتين من الحرب على غزة لم يظهر لثوار التلفزيون أن الهجوم قد أثمر انتصارا، فأمعن هؤلاء المتقوِّلون في حساب الخسارات متباكين على الضحايا (كاتب الورقة لا يصدق شفقة ثوار الكنبة على السكان الضحايا). لقد كان الفلسطيني منذ النكبة يدافع عن وجود أدنى في الداخل المحتل وفي المهاجر، لقد هاجمه العدو إلى حيث هرب فكان يرد بما يستطيع ليحمي مخيما أو ملجأ؛ لم يكن ذلك تقصيرا أو جبنا في ما نقدّر، لكنه كان حركة في الممكن المتاح من الأرض ووسائل الدفاع. أم الهجوم فقد كان قرار نقل المعركة من الدفاع إلى الهجوم، وقد أفلح في إلحاق خسائر كبيرة بالعدو، والخسارة الأكبر هي كسر فكرة كانت آخذة في الهيمنة على الفلسطيني وقد دخلت من باب أوسلو"لنكتف من الوطن بما تبقى منه"، فالهجوم سمح بالقول "ندخل عليهم الباب فنفضحهم ونعزلهم عن العالم"، وهي جملة مغامرة تحولت إلى خطة حربية وقد كان هجوم السابع من أكتوبر تحويلا للكلام العام إلى تكتيك حربي نفذ بعبقرية.

المكسب الأكبر من الهجوم كان إرباك مشهد عالمي تبين أن أغلبه لم يكن يعرف عن فلسطين شيئا. لقد جرت حرب طويلة وصامتة في الغرب كله مضمونها تشويه العرب والمسلمين (أهل فلسطين)؛ لم تكن الحرب ظاهرة للعرب وكانوا ينفعلون بما يظهر منها مثل نشر الرسوم المسيئة للنبي الأكرم أو التوصيف بالإرهاب وإذلال المرأة (الذي صار خصلة عربية) وغيرها من القضايا، لكن الأمر كان أعمق من ذلك، لقد كانت حربا صامتة تجري في كل مكان ولم تتجل آثارها إلا بعد السابع من أكتوبر. لم يكن العالم يعرف العرب ولا الإسلام ولا فلسطين، فإذا هي لحظة انكشاف ووعي وإعادة قراءة للتاريخ والجغرافيا. وهذا يتجلى أثره الآن في جعل الكيان هو قاذورة العالم التي ينصح برميها في سلة المزابل؛ ماذا تسمون هذا يا ثوار الكنبات؟

كان الثمن غزاويا خالصا وكان موجعا ولا يزال يُدفع من اللحم الحي، ولكن الهجوم في تقديرنا كان بداية تحول خطط له صاحبه بحكمة بالغة. هنا نقول بلا شعوذة استراتيجية: "كان هجوما لتغيير العالم".

الحرب على إيران امتداد للهجوم

لا نخوض في تكامل الجبهات أو الصبر الاستراتيجي فهو طريق يؤدي إلى التقاعس الآن، لكن في زمن لاحق سيتم تقييم الأمور عسكريا ولسنا من أهل الاختصاص؛ إنما نقول إن المهزوم في غزة ذهب يبحث عن نصر في إيران ولن يظفر به. لقد ذهب يبحث عن نصر بضربة قاضية فإذا هو في جولات متتابعة ويتلقى الضربات، وحرب الأسبوع دخلت شهرها الثاني وأكلافها ترتفع على المهاجم. (يمكننا أن نكتب مطولات في علم مخترعي الشطرنج بالحرب وصبرهم على أكلافها لكن ليس هذا موضوعنا الأثير الآن). لقد كان هجوم الصهيوني وحليفه هجوما يائسا قصد به ترميم ما أصابه من هجوم السابع من أكتوبر وترميم ما بلغ وعي العالم من حقيقة الكيان وداعميه.

لقد تهشمت رؤية العالم التي صنعها الكيان، وفي الوقت الذي يبني العالم رؤيته الجديدة جاء الهجوم (الذي نصفه بالانتحاري) على إيران وعوض أن يرمم سردية الكيان أجهز عليها، وإذ مظاهرات أوروبا الواعية بالتاريخ الجديد ترفع رايات إيران وفلسطين معا في مظاهرة واحدة، بل تقوم بالربط المنهجي بين أسباب الحربين وتجد الأسباب وتتوقع النتائج. هذا نصر أكتوبر وهذا مقابل مائة ألف شهيد غزاوي، ومنهم يبدأ ترميم عقل العالم ووعيه.

توجد قضية حق مطموس اسمه فلسطين، وكل ما يجري في المنطقة بما في ذلك الحرب على إيران يدخل تحت باب طمس الحق الفلسطيني.

الفقرة الأولى في كتاب التاريخ القادم هي فلسطين التي شنت هجوم السابع من أكتوبر، فلسطين التي جرّت الحرب على إيران وفلسطين التي ستجر حروبا أخرى يخسر فيها الكيان وداعمه الأكبر كل يوم خسارات إضافية حتى لا يبقى لديه ما يخسره سوى قلع رايته الأخيرة والانقشاع عن المنطقة. هل كان منظم الهجوم الكبير يعرف ذلك؟ لا نظنه إلا عارفا به متيقنا منه وممهدا له بكسر الساق الأولى من كرسي الكيان ليسلمه إلى العالم بكرسي مكسور يتولى المؤمنون بالحرية تهشيم بقيته، وهو ما يجري.

والآن لنستشرف مثل الخبراء

بعد السابع من أكتوبر حُق لنا أن نكتب أحلاما كبيرة، وبعض النصر أن نستعيد الحق في الأحلام الكبيرة. صورة الشرق الأوسط (العربي والإسلامي) بدون الكيان في قلبه صارت ممكنة. لقد أربكنا الألم الغزاوي وعجزنا أن لم ندعم معركته حتى برزمة خبز للجياع (سنعيش بعقدة الذنب تلك)، وشعرنا بالقهر وأوشك مزايدو التلفزيونات أن يهزمونا. لكن خيالنا يحملنا إلى شرق أوسط دون الكيان، والأعجب أن حلمنا يكبر بالتوازي مع حلم العدو بإسرائيل الكبرى، ونقول بثقة نستمدها من هجوم السابع من أكتوبر إن حلمنا واقعي وحلمه تعزية من هزيمة.

كل ما في المشهد العسكري والسياسي والثقافي الكوني يؤهله لهزيمة ويؤهل المنطقة لانتصار. عسكريا ليس له إلا الطائرة يخرب بها المدن، ويجبن دون الاشتباك الأرضي؛ سياسيا كان في وضع فرض ديانة جديدة فإذا هو يراها تنهار بطائرات مسيرة هيّنة الكلفة كان يطلب التطبيع فإذا أذل المطبعين يتراجع ويخاف، كان يقدم نفسه للعالم كضحية فإذا هو قاتل محترف، وكان يصنع صورة الحكم الديمقراطي فإذا هو أبشع القتلة.

سنحلم (والحلم ليس تحليلا) بعرب أحرار أهلَّ زمنهم وعالم إسلامي يفكر معا ويخطط لمستقبل مشترك. المؤشرات كثيرة ومهج الشعوب تسبق القرارات السياسية، وسنكتب لجيل قادم بكثير من الإيمان أن الإمبراطورية الإسلامية التي أسسها محمد العظيم لم تمت، لقد تغير شكلها مرات كثيرة لكنها خالدة.


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)