استمرار الحرب يربك حسابات الحكومة التركية

إسماعيل ياشا
"على الرغم من نفي طهران إطلاق تلك الصواريخ من الأراضي الإيرانية، تؤكد مصادر أمنية تركية أنها أُطلقت من إيران"- مواقع تركية
"على الرغم من نفي طهران إطلاق تلك الصواريخ من الأراضي الإيرانية، تؤكد مصادر أمنية تركية أنها أُطلقت من إيران"- مواقع تركية
شارك الخبر
بذلت تركيا ودول أخرى في المنطقة جهودا دبلوماسية حثيثة لحل الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران عبر الحوار والمفاوضات، والحيلولة دون تحولها إلى حرب ساخنة، إلا أن تلك الجهود باءت بالفشل، وبدأت الحرب بالهجمات الجوية التي شنتها الطائرات الأمريكية والإسرائيلية لاغتيال رأس النظام، المرشد الديني الإيراني علي خامنئي، ومسؤولين إيرانيين آخرين. وترى أنقرة أن حكومة نتنياهو هي التي دفعت إدارة ترامب إلى هذه الحرب، وتدين العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، ولكنها في ذات الوقت تدين أيضا الهجمات الإيرانية التي تستهدف الدول العربية، وتراها خطأ استراتيجيا قد يؤدي إلى توسع نطاق الحرب وتحولها إلى حرب إقليمية.

أولوية أنقرة الآن هي حماية تركيا من الهجمات وآثار الحرب السلبية، ويمكن القول بأنها نجحت في ذلك من الناحية العسكرية، وظلت الأراضي التركية بعيدة عن الصواريخ البالستية والمسيرات الانقضاضية الإيرانية، باستثناء ثلاثة صواريخ فقط تم إسقاطها من قبل حلف شمال الأطلسي "الناتو". وعلى الرغم من نفي طهران إطلاق تلك الصواريخ من الأراضي الإيرانية، تؤكد مصادر أمنية تركية أنها أُطلقت من إيران، كما أبلغ رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان نظيريهما الإيرانيين أن انتهاك المجال الجوي التركي أمر غير مقبول على الإطلاق.

القيادة التركية تدرك تماما أهمية عدم الانجرار إلى الحرب، إلا أن توالي سقوط الصواريخ الإيرانية مع استمرار الحرب يحرجها، وقد يدفع الجيش التركي إلى الرد على أماكن إطلاق الصواريخ التي تستهدف تركيا

وباختصار، يشعر الأتراك حتى الآن بأنهم يعيشون في أمن وأمان في منطقة ملتهبة بعيدا عن أصوات الصافرات والانفجارات.

القيادة التركية تدرك تماما أهمية عدم الانجرار إلى الحرب، إلا أن توالي سقوط الصواريخ الإيرانية مع استمرار الحرب يحرجها، وقد يدفع الجيش التركي إلى الرد على أماكن إطلاق الصواريخ التي تستهدف تركيا. ومن اللافت أن الصاروخ الثالث تم إطلاقه بعد تحذير أنقرة على لسان أردوغان وفيدان، وبعد عدة ساعات من تشديد مصادر أمنية رفيعة المستوى على أن الموقف التركي الحالي قد يتغير في حال وقوع هجوم إيراني جديد على الأراضي التركية. وبالتالي، لن يكون مفاجئا أن تتخلى أنقرة سياسة ضبط النفس وأن تقصف الطائرات المسيرة التركية المنصات التي يتم منها إطلاق الصواريخ على تركيا. وطالما تدعي إيران بأن طرفا ثالثا هو الذي يطلق الصواريخ، وأنها غير قادرة على منع إطلاقها، يحق لتركيا الرد على مصادر النيران دون أهداف أخرى، ولا يعتبر ذلك مشاركة في الحرب.

الجانب الإيراني يقترح تشكيل لجنة لبحث موضوع الصواريخ التي تستهدف تركيا، إلا أن أنقرة حتى الآن لا ترى حاجة لمثل هذه اللجنة التي تهدف بالدرجة الأولى إلى التسويف والتهرب من تحمل المسؤولية، في ظل وجود معلومات تقنية واضحة، وهو ما أشار إليه فيدان حين قال إن هناك تناقضا بين الحقائق وتصريحات المسؤولين الإيرانيين الذين ينفون إطلاق الصواريخ من الأراضي الإيرانية على تركيا. وكل ما تطالب به أنقرة هو أن تكف طهران محاولات استفزاز تركيا التي تعلن أنها لن تشارك في الحرب.

تركيا قلقة من أن يؤدي استمرار الحرب إلى تفكك إيران ونشوب حرب أهلية فيها، كما تخشى من صراعات طائفية في المنطقة. ولتأكيد رفض أنقرة تأجيج المشاعر الطائفية، دعا أردوغان إلى عدم الانجرار وراء الخطابات التي تؤجج الانقسامات بين السنة والشيعة أو بين شعوب المنطقة، وقال في كلمته أمام البرلمان التركي: "نحن ليس لدينا دين سني ودين شيعي، ولدينا دين واحد فقط، ألا وهو الإسلام.. علي لنا، عمر لنا، وعثمان لنا، والحسن والحسين لنا، وأمنا عائشة لنا وأمّنا زينب أيضا لنا".

تأثيرات الحرب السلبية على تركيا لا تقتصر على المخاطر الأمنية والعسكرية، بل تضرب الاقتصاد التركي أيضا بسبب اعتماده على النفط المستورد من الخارج

تأثيرات الحرب السلبية على تركيا لا تقتصر على المخاطر الأمنية والعسكرية، بل تضرب الاقتصاد التركي أيضا بسبب اعتماده على النفط المستورد من الخارج. ولا يخفى على أحد أن ارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع أسعار السلع. وكان أصحاب المصانع والمتاجر والمحلات رفعوا الأسعار في بداية السنة، بالتوازي مع رفع الحكومة رواتب الموظفين والعمال الحكوميين والحد الأدنى للأجور، ثم رفعوها مرة أخرى بمناسبة حلول شهر رمضان، كما يفعلون كل سنة. ومن المؤكد أنهم سيرفعونها مرة ثالثة بحجة ارتفاع أسعار النفط، وهذا يعني ارتفاع نسبة التضخم، وضربة قوية لوعود الحكومة بتخفيضها.

أسعار النفط قد تصل إلى أرقام قياسية ما لم تنتهِ الحرب، في ظل التوتر الذي يشهده مضيق هرمز، والاستهداف المتبادل للموانئ والمنشآت النفطية، وتوقف الإنتاج في بعض الحقول. وقد تتراجع أسعار النفط بعد انتهاء الحرب، ولكن الأسعار التي ترتفع بحجة ارتفاع أسعار النفط لن تتراجع غالبا، كما أن نسبة التضخم قد ترتفع في وقت قصير، ولكن تراجعها يحتاج إلى أشهر وسنوات والالتزام التام ببرنامج اقتصادي قوي لمكافحته.

تركيا، ومعها دول أخرى في المنطقة مثل عُمان ومصر، تسعى إلى فتح قنوات خلفية بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب وعودة الطرفين إلى طاولة المفاوضات. وهي مهمة صعبة للغاية في الظروف الراهنة، كما أن إصرار الطرفين على تحقيق انتصارات عسكرية قبل إحياء المسار الدبلوماسي، يشير إلى أن لعبة "عض الأصابع" ستستمر حتى يصرخ أحدهما.

x.com/ismail_yasa

* المقال يعبر عن رأي كاتبه
التعليقات (0)

خبر عاجل