قتل تسعة
أطفال
ومُدرِّسة، في هجوم مسلح استهدف مدرسة متوسطة في مدينة قهرمان مرعش في جنوب
تركيا الأربعاء
الماضي. وكان المهاجم فتى يبلغ من العمر 14 عاما فقط، استخدم في جريمته مسدسات
ورصاصات تعود إلى والده الذي يعمل مديرا في قوات الأمن. وأثارت الفاجعة نقاشا
ساخنا حول من يتحمل مسؤوليتها، والأسباب التي دفعت فتى في ذاك العمر إلى القيام
بمثل هذه
الجريمة البشعة، بالإضافة إلى النقاش حول التدابير التي يجب اتخاذها كيلا
تتكرر في المستقبل.
المعلومات
الأولية تشير إلى أن الفتى كان يعاني من مشاكل نفسية، إلا أن أسرته لم تتقبل تلك
الحقيقة، وأقنعوا أنفسهم بأن ابنهم "ذكي للغاية"، وأن ما يصدر منه من
تصرفات غريبة ما هي إلا آثار ذاك الذكاء الخارق، وبدلا من معالجته، تركوه يغرق في
مستنقعات العالم الافتراضي وألعاب الكمبيوتر دون مراقبة. بل الأسوأ من ذلك، أن
والده قام بتدريبه على استخدام السلاح، ووضع أسلحته في صندوق بالبيت يمكن فتحه بسهولة.
واستغل الفتى مهارته في التصويب، ليطلق النار على الأطفال الصغار، ويقتلهم بدم
بارد.
وكان على أبيه
وأمه أن يعلما أن استعانتهما بالطبيب المتخصص في
الأمراض النفسية لمعالجة الفتى دون أن تتفاقم مشاكله النفسية ليست عيبا على
الإطلاق، ولا تعني بالضرورة أن ابنهما مجنون.
اختزال المشكلة في جانب واحد من جوانبها خطأ قاتل، وهروب من الاعتراف بالحقيقة وتحمل المسؤولية. ولذلك، يحتاج حل المشكلة جهودا جماعية تقوم فيها كل جهة بما يقع عليها من دور ومسؤولية، بالتنسيق والتعاون مع الجهات الأخرى
هناك من يرون أن
ألعاب الكمبيوتر والأفلام والمسلسلات التي كان الفتى يلعبها ويشاهدها، هي السبب في
اندفاعه إلى القيام بجريمة مروعة، لاحتواء تلك الألعاب والأفلام والمسلسلات مشاهد
عنف وقتل باستخدام أنواع الأسلحة. وهناك آخرون يعترضون على هذا الرأي، ويقولون إن
ملايين الأطفال في البلاد لعبوا مثل تلك الألعاب وشاهدوا الأفلام والمسلسلات
التركية والأجنبية التي تحتوي مشاهد استخدام السلاح والقتل، ولكن لم تدفع تلك
الألعاب والأفلام والمسلسلات أحدا منهم إلى ارتكاب جريمة.
النظام
التعليمي
هو الآخر أخذ نصيبه من الانتقادات، ولفت كثير من المحللين إلى أن النظام المعمول
به حاليا يجعل الطلاب مدللين لا يحترمون المدرسين، ويستحيل فيه تأديب الطلاب
المشاغبين من خلال معاقبتهم أو طردهم من المدرسة. كما أن أولياء الطلاب يقدمون إلى
وزارة التعليم شكاوى ضد المدرسين في حال عاقب المدرسون الطلاب أو حتى عاتبوهم فقط.
ويرى المنتقدون لهذا النظام أنه "حوَّل
المدارس إلى مزارع"، وأن الحل هو
العودة إلى النظام التعليمي القديم الذي كانت فيه سلطة لإدارة المدارس والمدرسين
على الطلاب.
المعارضة حملت
الحكومة مسؤولية الجريمة، وادعت بأن التدابير الأمنية في المدارس غير كافية. كما
اتهمت وزير التعليم يوسف تكين بأنه ينشغل بـ"أسلمة التعليم" وأنشطة
دينية تتعارض مع مبدأ العلمانية، بدلا من العمل لتأمين المدارس. ومن المضحك أن ذات
المعارضة كانت تعارض بالأمس القريب تواجد رجال الشرطة في المدارس وتنظم مظاهرات
تطالب بإخراجهم منها. كما أن الفتى المهاجم لا ينتمي إلى أسرة متدينة أو محافظة،
وبالتالي، لا يمكن القول بأن تلك الأنشطة هي التي دفعت الفتى إلى القيام بمثل هذه
الجريمة البشعة.
مشكلة العنف
المدرسي هي في الحقيقة جزء من مشكلة أكبر وأكثر تعقيدا، وهي مشكلة تربية الأجيال
الناشئة والتعامل معها، في ظل سهولة انتشار المعلومات، سواء كانت النافعة أو الضارة،
عبر الوسائل الحديثة ومواقع الإنترنت. فكل واحدة من الأسرة والمدرسة والحكومة
والبيئة الاجتماعية والتعليمية تتحمل جانبا من المسؤولية، ما يعني أن اختزال
المشكلة في جانب واحد من جوانبها خطأ قاتل، وهروب من الاعتراف بالحقيقة وتحمل
المسؤولية. ولذلك، يحتاج حل المشكلة جهودا جماعية تقوم فيها كل جهة بما يقع عليها
من دور ومسؤولية، بالتنسيق والتعاون مع الجهات الأخرى.
التدابير الأمنية
وحدها كوضع بوابات أمنية إلكترونية في مداخل المدارس أو انتظار رجال الشرطة أمامها
لا تحل المشكلة، لأن الجاني الذي يهدف إلى ارتكاب مجزرة قد يختار أماكن أخرى
لارتكاب جريمته، مثل الحدائق العامة أو حدائق الأطفال، أو الأسواق الشعبية أو
غيرها من الأماكن التي يمكن أن يجد فيها عددا كبيرا من المدنيين العزل. ولا يمكن
تركيب بوابات أمنية إلكترونية في كل تلك الأماكن، كما أن وقوف الطلاب كل صباح في
طابور أمام تلك البوابات وتفتيش حقائبهم قد يعرضهم لخطر الحوادث المرورية ويصيبهم
مشاكل نفسية.
ليس هناك حل سحري
للمشكلة، ولا ينفع الحنين إلى الأيام الجميلة الخالية، ومن المستحيل إعادة عقارب
الساعة إلى الوراء أو تطبيق النظام التعليمي القديم؛ لأن أطفال اليوم ليسوا كأطفال
تلك الأيام ولا الآباء والأمهات كأولئك الآباء والأمهات. ومن الأفضل تربية الأجيال
الناشئة على الإيمان بالآخرة والأخلاق الفاضلة مع التشديد على حرمة الانتحار وقتل
النفس البريئة.
x.com/ismail_yasa
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.