تركيا.. درع قانوني للوطن الأزرق

إسماعيل ياشا
"أثينا تعرف جيدا أن أنقرة لا تمزح حين تهدد بأنها ستعتبر توسيع المياه الإقليمية اليونانية إلى أكثر من 6 أميال إعلان حرب على تركيا"- الأناضول
"أثينا تعرف جيدا أن أنقرة لا تمزح حين تهدد بأنها ستعتبر توسيع المياه الإقليمية اليونانية إلى أكثر من 6 أميال إعلان حرب على تركيا"- الأناضول
شارك الخبر
تستعد الحكومة التركية لتقديم مشروع قانون إلى البرلمان لإضفاء الطابع الرسمي على حقوق تركيا في بحر الجُزر والبحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود. ويهدف المشروع إلى تثبيت نظرية "الوطن الأزرق"، ويوفر إطارا قانونيا لرؤية تركيا بشأن الجرف القاري والحدود البحرية والمنطقة الاقتصادية الخالصة. ويقول تشغري أرهان، مستشار الرئيس التركي ونائب رئيس مجلس الأمن والسياسة الخارجية التابع لرئاسة الجمهورية، إنه يتوقع أن يصبح المشروع قانونا في وقت قصير. ومن المؤكد أن مشروع القانون الذي يتوقع أن يقدم إلى البرلمان التركي بعد عيد الأضحى المبارك للتصويت عليه سيحظى بتأييد أغلبية النواب.

تركيا تنظر إلى أمنها القومي على أنه منظومة متكاملة، وأمن "الوطن الأزرق" جزء منها، وترى أن حماية الوطن يشمل "الوطن المعنوي"، ورفع مستوى الوعي لدى الأجيال الناشئة بحقوق تركيا ومصالحها، بالإضافة إلى المخاطر التي قد تواجهها اليوم أو في المستقبل. وفي هذا الإطار، قررت وزارة التعليم التركية إدخال تعديلات في المناهج الدراسية، كاستبدال مصطلحات مثل "بحر إيجة"، و"آسيا الوسطى"، و"الحملات الصليبية"، و"الاكتشافات الجغرافية الكبرى"، بأخرى مثل "بحر الجُزر"، و"تركستان"، و"الهجمات الصليبية"، و"بداية حقبة الاستعمار".

أثينا مستاءة للغاية من الخطوات التي تقدمها أنقرة، بالتوازي مع إعلان شركات الصناعات الدفاعية التركية عن تطوير أسلحة وذخائر جديدة. وتعكس وسائل الإعلام اليونانية حجم هذا الاستياء الممزوج بالخوف والقلق

إيجة هو اسم لشخصية أسطورية يونانية، وأطلق هذا الاسم على البحر الفاصل بين تركيا واليونان بعد الحرب العالمية الثانية، بطلب أثينا. ولم يكن معروفا حين تم التوقيع على معاهدة لوزان في تموز/ يوليو 1923، بل كان ذاك البحر يسمى آنذاك "بحر الجُزر"، كما لفت إليه وزير التعليم التركي يوسف تكين. ومن الطبيعي أن يطلق على البحر في تركيا اسم يتناسب مع الثقافة التركية بدلا من اسم يعود إلى الثقافة اليونانية. وإضافة إلى ذلك، "بحر الجُزر" ليس اسما مستحدثا، بل له أصل في التاريخ. ومن المتوقع أن يتم تغيير أسماء أخرى مرتبطة بذاك البحر، مثل "منطقة إيجة"، و"جيش إيجة"، لتثبيت التغيير الذي لا يخلو من أبعاد سياسية، وهي الإشارة إلى أن بحر الجزر ليس "بحيرة يونانية"، وأن تركيا لها حقوق فيه.

مشروع "قانون الوطن الأزرق" يحدد المياه الإقليمية التركية في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط 12 ميلا، فيما يبقيها 6 أميال في بحر الجزر، لأن مساحة هذا الأخير مع وجود عدد كبير من الجزر فيه، لا يسمح لتوسيع المياه الإقليمية. وتسعى اليونان بين حين وآخر إلى توسيع مياهها الإقليمية في بحر الجزر إلى 12 ميلا، إلا أن تركيا ترفض ذلك جملة وتفصيلا، وتعلن أنها ستعتبر فرضه "ذريعة حرب"؛ لأن توسيع المياه الإقليمية اليونانية إلى 12 ميلا يحوِّل بحر الجزر إلى "بحيرة يونانية" ولم يترك لتركيا إلا مساحة ضيقة في سواحلها. ومن المؤكد أن أثينا تعرف جيدا أن أنقرة لا تمزح حين تهدد بأنها ستعتبر توسيع المياه الإقليمية اليونانية إلى أكثر من 6 أميال إعلان حرب على تركيا.

هناك منطقة تسمى "المنطقة الرمادية" و152 جزيرة صغيرة وجزيرة صخرية متنازع عليها في بحر الجزر، ويهدف مشروع القانون إلى تحديد الوضع القانوني للمنطقة الرمادية والجزر وفقا للقانون الدولي. وتخشى اليونان من إعلان تركيا سيادتها على تلك الجزر. وكانت سفينة تركية رست في 25 كانون الأول/ ديسمبر 1995 على جزيرة قارداق الصخرية التي تبعد 3,8 أميال فقط عن شواطئ مدينة بودروم التركية، وادَّعت اليونان بأن السفينة اخترقت مياهها الإقليمية، إلا أن تركيا رفضت ذلك الادعاء لتؤكد أن الجزيرة تعود لها، كما رفعت علمها على إحدى الجزر في ذات المنطقة في 30 كانون الثاني/ يناير 1996، ردا على فعل مماثل لليونان، وكادت الأزمة تتحول إلى حرب ساخنة بين البلدين.

أثينا مستاءة للغاية من الخطوات التي تقدمها أنقرة، بالتوازي مع إعلان شركات الصناعات الدفاعية التركية عن تطوير أسلحة وذخائر جديدة. وتعكس وسائل الإعلام اليونانية حجم هذا الاستياء الممزوج بالخوف والقلق، إلا أن اليونان ليس لديها غير التذمر والاستنجاد بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي،
القانون الذي سيضفي الطابع الرسمي على حقوق تركيا في البحار الثلاثة لا يهدف فقط التصدي للأطماع اليونانية في بحر الجزر وحدها، بل الهدف منه أكبر من ذلك، وهو حماية حقوق تركيا في تلك البحار بما فيه البحر الأبيض المتوسط
ولكن الظروف الدولية والإقليمية ليست لصالح أثينا. وبالتالي، لم يبق أمامها غير الارتماء مع ربيبتها جمهورية قبرص الجنوبية في أحضان إسرائيل.

القانون الذي سيضفي الطابع الرسمي على حقوق تركيا في البحار الثلاثة لا يهدف فقط التصدي للأطماع اليونانية في بحر الجزر وحدها، بل الهدف منه أكبر من ذلك، وهو حماية حقوق تركيا في تلك البحار بما فيه البحر الأبيض المتوسط الذي يشهد تحالفا بين إسرائيل واليونان والقبارصة اليونانيين. وتشير التقارير إلى أن إسرائيل بدأت تحول الشطر الجنوبي لجزيرة قبرص إلى قاعدة عسكرية لتوسيع نفوذها في شرقي المتوسط. ومن المؤكد أن الخطر الذي تشكله أطماع إسرائيل أكبر بكثير من ذاك الذي تشكله الخلافات التركية اليونانية في بحر الجزر.

أنقرة سبق أن وقعت مع طرابلس اتفاقا لرسم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، ويأتي قانون الوطن الأزرق استكمالا لمثل تلك الخطوات، ليؤكد أن محاولات تهميش تركيا من مسارات نقل الطاقة التي تمر من شرقي البحر الأبيض المتوسط محكومة بالفشل. وكانت أثينا تراهن على معارضة حكام شرقي ليبيا ومصر لإفشال الاتفاق التركي الليبي، إلا أن تحسين أنقرة علاقاتها مع القاهرة وبنغازي غيَّر التوازنات لصالح تركيا، وخيَّب آمال اليونان. وبالتالي، يحتاج أي مشروع لإنشاء خطوط أنابيب النفط والغاز من شرقي المتوسط نحو أوروبا إلى موافقة أنقرة، كما أن تركيا لن تسمح لأحد بالبحث والتنقيب عن النفط والغاز أو إجراء البحوث في مياهها الإقليمية ومناطقها الاقتصادية الخالصة دون إذنها.

x.com/ismail_yasa


المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.
التعليقات (0)